فيلم “الميمات الثلاث: قصة ناقصة”.. جدلية الحكي بين التخييلي واللاتخييلي

462

- الإعلانات -

فيلم ” الميمات الثلاث: قصة ناقصة “ للمخرج سعد الشرايبى، من الأفلام الجديدة التي تثير الانتباه، وتطرح على المتلقي وعلى المتتبع أسئلة عديدة، بعد خمود فروة المشاهدة الأولى، و اتخاذ مسافة زمنية لتجاوز الاستجابات المباشرة. أسئلة ترتبط بقضايا جمالية وسردية وفكرية. أسئلة تهم النوع الفيلمي، وإشكالية التجاور بين التخييلي واللاتخييلي، بين التاريخ والفن، بين الحرية الفردية والالتزام الاجتماعي، بين المواقف الذاتية والإكراهات السياسية والاجتماعية والعرقية.  تتطلب هذه الأسئلة قراءة خاصة، تفكك العناصر الفيلمية والحكائية والخطابية، وتكشف عن العلاقات المتحكمة في بنائها، وفي إنتاج المعنى وبناء المواقف، وتأويل الأحداث. لننطلق من البداية.

الحكاية

يحكي الفيلم قصة ثلاثة أصدقاء: (مليكة – موسى – ماتيو)، ولدوا في نفس اليوم ونفس الحي ونفس المدينة، واستمرت صداقتهم ستين سنة. يقتربون ويبتعدون. يختلفون ويتفقون. ينفصلون ويجتمعون. تفرقهم التطورات السياسية والمواقف المختلفة، ويجمعهم الوفاء للعهد والإخلاص للصداقة.

في المقابل يعرض الفيلم حكاية موازية تمتد أحداثها من سياق تاريخي خاص. يضيق هذا السياق لينحصر في تاريخ عائلات يفرقها الدين والعرق، ويجمعها التسامح والعيش المشترك؛ ويتسع ليشمل قضايا العالم تتمحور خاصة حول الصراع العربي الإسرائيلي. تطرح هذه الحكاية تساؤلات حول انبثاق الربيع العربي وتتخذ مواقف واختيارات. كيف تفاعلت هاتان الحكايتان لبناء العالم الفيلمي؟ وبأي أدوات سردية واختيارات جمالية؟ وما هي آلياتها الخطابية الحجاجية والإقناعية؟. لنقترب من التحقق الفيلمي.

البنية الفيلمية 

نتناول في هذا المستوى اللغة الفيلمية على مستوى المقاطع، بالتركيز على تحققها المقطعي وإبراز وظائفها الحكائية والسردية، انطلاقا من معطيات إحصائية.

  1. يستغرق الفيلم ساعتين ودقيقتين وعشر ثوان، ويتكون من 133 مقطعا وما يناهز 1380 لقطة.
  2. تتنوع المقاطع من حيث عدد لقطاتها بين مقاطع ذات اللقطة الواحدة (12 مقطعا)، ومقاطع قليلة اللقطات (57)، ومقاطع متوسطة اللقطات (47) ومقاطع كثيرة اللقطات (17). 
  3. تهيمن المقاطع قليلة اللقطات ومتوسطة اللقطات، لتغلب الجانب الحكائي على الجانب التشكيلي؛ حيث يسود الاهتمام بالحوارات وتطور الأحداث والشخصيات، ويقدمها في إيقاع حكائي هادئ على العموم. وقليلا ما يرتفع في المقاطع كثيرة اللقطات ( العرس ، اعتقال مليكة..). أما المقاطع وحيدة اللقطات فقد كانت وظيفتها في الغالب الربط بين المقاطع، أو توجيه الحكي نحو محطة جديدة دون اهتمام بالإيقاع. (اللقطة التي تؤطر مليكة وهي تسترجع أو تعود من الاسترجاع، وسأعود إلى هذه اللقطة في حديثي عن البنية الحكائية)  
  4. على مستوى التأطير نسجل سيادة التأطير الجزئي على العموم، وتحققه في بنيتين بارزتين. يتم الانتقال في الأولى من التأطير الكلي للفضاء، إلى تأطير جزئي يركز على أجزاء الشخصيات، خاصة أثناء الحوارات. في المقابل تواترت بينة مجموع تسمح للشخصيات بالحركة داخل الفضاءت ( المقاطع التي تجمع ماتيو بأمه مثلا). تؤكد هيمنة التأطير الجزئي اختيار الاهتمام بالحوارات والتفاصيل.
  5. يسود الثبات في حركة الكاميرا على امتداد الفيلم، باستثناء قليل من الحركات الماسحة أو السائرة، تنتهي بدورها إلى الثبات. وداخلها يتم الاعتماد كليا على حركة الشخصيات والأشياء. هذا يجعل المتلقي في وضعية ثابتة للاستقبال.
  6. يهيمن الموقع الأفقي على حركة الكاميرا. أما الموقع العصفوري والموقع الصاعد فقد تحققا بشكل نادر في بعض المقاطع، خضوعا للعلاقة بين زوايا النظر، وانسجاما مع الغاية الحكائية (مقطع الحصول على القطع النقدية، مثلا..). هنا أيضا يحتل المتلقي موقعا أفقيا متميزا.  
  7. اعتمد الالتحام المقطعي بصريا على القطع الحاد، مع الاعتماد أحيانا قليلة على الربط بالسواد. فضلا عن اعتماد الموسيقى وأصوات التعليق (استعمال التعليق في الربط بين التخييلي واللاتخييلي). تساهم هذه السهولة في الانتقال بين اللقطات والمقاطع في تعزيز الوضعية المتميزة للمتلقي.
  8.  بالنسبة للعلاقات السردية بين الفيلم والمتلقي نلاحظ السيادة التامة للزاوية الخارجية بصريا. إذ يتحكم مبدع الفيلم في الحكي، ويضع المتلقي خلف رؤيته الخاصة، ونادرا ما ينسحب لنرى من زاوية الشخصيات الذاتية، حتى في المشاهد الحوارية المحكومة بالتناظر الحقلي أو باللقطات المجموع. على مستوى الزاوية السمعية  أيضا، تظل العلاقة خارجية، تتم عبر التعليق على الوثائق أو عبر الرسائل أو الموسيقى الخارجية أو عبر الحوارات، لكن في علاقة مباشرة بين المبدع والمتلقي، كما تتم العلاقة أيضا عبر الغرافيك (أسماء المدن والتواريخ والمناسبات). بهذا الاختيار يكون مبدع الفيلم قد تحكم في العلاقة التفاعلية التي يمكن أن تحدث بين المتلقي والشخصيات، لأنها لا تنسجم مع استراتيجيته الحكائية التي تتوخى الإقناع والدفاع عن قضايا ومواقف بكيفية عقلانية مباشرة، وإذن لا مجال للتأثير العاطفي. ( نعود إلى هذا في حديثنا عن الشخصيات) 

نخلص من دراستنا للبنية الفيلمية إلى أنها بنية ذات وظيفة حكائية. إذ تخدم الحكاية بالدرجة الأولى، وتقدمها في إيقاع هادئ يهتم بالتفاصيل الجزئية، ويضع المتلقي في وضعية ثبات، وتموقع أفقي، وتسلسل يحكمه الالتحام المقطعي الانسيابي. لا شيء يعيق المتلقي عن الدخول إلى عالم الحكاية، دون تأثر أو انفعال.

البنية الحكائية

 يتكون الفيلم من متن حكائي، يتنوع  من حكاية أساس، وحكاية مجاورة، ومن حكايات فرعية تساهم في تشكيل العالم الحكائي أو تعمق أبعاده  ودلالاته. لنتتبع هذا التنوع من خلال تحققه المقطعي:

  1. الحكاية الأساس: وهي حكاية تمتد على مساحة واسعة من الفيلم، أي على ما يزيد عن 120 مقطعا، وتحكي عن “مليكة”  كشخصية محورية كبرى، وعن “موسى” و “ماتيو” في درجة ثانية من المحورية. تنبني هذه الحكاية في شبكة علائقية متنوعة. علاقة ثلاثية ( مليكة – ماتيو- موسى) وعلاقات ثنائية [( مليكة – موسى)، ( مليكة – ماتيو)، (موسى – ماتيو )]. تقوم الشبكة على رابط يمنحها استمراريتها وتنوعها (الحب – الصداقة)، وتتأرجح في تحققها بين التوتر والاستسلام، بين الحضور والغياب، بين النفور والانجذاب.  يثير الحب التوتر، ويشعل الغيرة (العلاقة الثنائية)، وترجع الصداقة الحكاية إلى هدوئها وتوازنها، خاصة أثناء الاحتفال بأعياد الميلاد ( العلاقة الثلاثية).
  2. الحكاية الموازية: تحتل هذه الحكاية حيزا مهما في تطور الحكاية الفيلمية، وتتحقق في 33 مقطعا، وتحكي سلسلة من الأحداث التاريخية الدالة [ انقلاب 1972 – استرجاع سيناء – اتفاقية كامب دايفد – عودة الخميني – مذبحة صبرا وشاتيلا – توقيع اتفاقية أوسلو –  انفجار قطار بباريس – اغتيال زعيم إسرائيلي – انتفاضة أطفال الحجارة – العدوان الثلاثي – أحداث الدار البيضاء – حرب حزيران -سجن غواتنامو – أحداث الربيع العربي]. حين ندقق النظر في هذه الأحداث المتراكمة، يلاحظ أنها أحداث منفصلة، لاتملك أي منطق داخلي يجعل منها حكاية مستقلة، بل إنها تخضع في بنائها إلى الحكاية الأساس، إذ تتقاطعان في 27 مقطعا. وإذن فهي حكاية تابعة سرديا للحكاية الأساس، يتم جمعها وترتيبها في فيلم وثائقي يخضع لزاوية المعالجة للشخصيات المحورية. في هذا المستوى تصبح الحكاية الموازية ذات أهمية قصوى في بناء الحكاية الأساس، وفي توجيهها وإعطائها امتدادها المعرفي والسياسي والتاريخي، بل إنها تساهم في تحقيق التفاعل بين الشخصيات المحورية وفي نموها الدرامي والنفسي.
  3. حكايات فرعية. وهي حكايات صغرى قليلة التحقق مقطعيا، ترتبط بالشخصيات المحورية، وتساهم في بنائها ونموها وتفسير خلفياتها:
    • حكاية (مليكة – صلاح) تحكي عن استعمال الأجهزة الأمنية للطلبة في الاستخبارات، وتبين الجانب النضالي في شخصية مليكة.
    • حكاية ( مليكة – عثمان )، تبرز الجانب الإنساني لدى مليكة وتمردها على مواقف العائلة، وتظهر النتائج السلبية للتطرف الديني. 
    • حكاية ( مليكة – راشا ) تركز على الامتداد اليهودي في المجتمع المغربي، وترمز إلى قيمة التسامح لدى مليكة.
    • حكاية ( مليكة – دنيا ) هي امتداد للحكاية الأساس وتتويج لها.
    • حكاية (ماتيو – غابريال) ترمز إلى جانب من عنف المعمرين الأجانب، وتضيء الجوانب النفسية لشخصية ماتيو.
    • حكاية (موسى – راشال – ليفي) ترمز إلى النزوح اليهودي من المغرب، وتبرز التوتر داخل شخصية موسى بين الحنين إلى الماضي وبين الارتباط بإسرائيل.
    • حكاية (نجيب – كاتي) تبرز الميز العنصري في الثقافة المغربية، وتشكل امتدادا ممكنا للحكاية الأساس.
  4. إلى جانب هذا التنوع الحكائي، نجد تنوعا في الفضاءات الحكائية، نميز داخلها بين أماكن خارج حكائية ( الدار البيضاء – باريس –  بيروت …) وهي فضاءات لم تحضر في الفيلم إلا عبر الغرافيك أو الحوار أو بعض المشاهد العابرة؛ وبين فضاءات حكائية ترتبط بحركة الشخصيات، وتتنوع بين فضاءات مغلقة ( حانة – شقق – سجن ..) وبين فضاءات مفتوحة (مطار – أزقة وشوارع..)، فضلا عن الفضاءات المرتبطة بالأحداث التاريخية ( محطة قطار باريس – مسرح أحداث البيضاء..). لا تكتسب هذه الفضاءات المتنوعة أي منطق داخلي يتحكم في بنائها، بل هي خاضعة في بنائها للغاية الحكائية، ولوظيفتها في تعميق أبعادها الدرامية والدلالية.
  5. على مستوى المكون الحدثي، تعرف الحكاية الفيلمية تنوعا في الأحداث، تتوزع بدورها بين أحداث خارج حكائية ( مجمل الأحداث التاريخية) وبين أحداث تعرفها الحكاية الأساس والحكايات الفرعية ( حدث ولادة الثلاثة – حادثة ماتيو – انتحار عثمان…). تعرف الأحداث نفس الانتشار عبر المساحة الحكائية، ولا تخضع في بنائها إلى منطق داخلي يعطي للحكاية نموها وديناميتها. وإذا كانت الأحداث التاريخية قد وجدت تبنينها في الفيلم الوثائقي المنجز، فإن باقي الأحداث تظل مكونا ثانويا في الحكاية الفيلمية.
  6. يتحقق المكون الزمني في الفيلم بين الحاضر كمحطة للحكي ( 2012) ويتدرج نحو الماضي كزمن للحكاية الأساس والحكايات الفرعية، يتحقق كل عشر سنوات في احتفالات عيد ميلاد الشخصيات المحورية الثلاثة، فضلا عن زمن الأحداث التاريخية، وعن الماضي البعيد ( زمن البدايات)، وينفتح على المستقبل في نهاية الحكاية الفيلمية. تم التعبير عن الزمن باستعمال الغرافيك، وكلما غاص في الماضي عُبر عنه بالأبيض والأسود. لا تخضع المكون الزمني لتسلسل دياكروني صعودا أو نزولا، ولا يملك بناؤه منطقا داخليا، بل يحكمه نوع من التداخل بين الأزمنة المختلفة، ويتميز بكونه زمنا دائريا ينطلق من الحاضر ويعود وينتهي إليه. 
  7. تعيش الحكاية الفيلمية شخصيات محورية ( مليكة – موسى – ماتيو ) وشخصيات ثانوية تابعة ( دنيا – صلاح – عثمان – ليفي – نجيب – رشال – عباس – أم مليكة – أب مليكة – كاتي – سوشانا – غابريال – نيكول) وشخصيات تاريخية ( الحسن الثاني – مانديلا – كارتر – ياسر عرفات..) وعدد من الشخصيات العابرة. حين نعيد النظر في بناء مكون الشخصيات، وبغض النظر عن حضورها أو تكوينها النفسي والاجتماعي، نلاحظ أنه لا توجد شخصيات بالمعنى التقليدي المتعارف عليه، بحيث يمكن التنبؤ بسلوكها وردود فعلها. إنها ذات طبيعة خاصة، إذ تتحول من شخصيات حكائية تعيش الأحداث، وتنفعل بها – تحب وتكره وتغار وتغضب- إلى شخصيات سردية تتلقى وتعلق وتعيش خارج ذاتها، أي أنها تتحول إلى أدوات يستعملها مبدع الفيلم لتلقي الحكاية التاريخية، وإعادة بنائها. في هذا المستوى العميق تتحدد العلاقة بين الحكايات. إذ تصير الحكاية الأساس ثانوية، وتتحول الحكاية الموازية إلى حكاية أساس، وتتحول الشخصيات المحورية إلى مجرد أدوات للتلقي وإعادة البناء. يتضح ذلك في المقطع الأخير، حيث تنسحب الشخصيات المحورية بعد أن أنهت مهمتها، وتختزل في شخصية “دنيا” كامتداد للثلاثة، وكأداة لتلقي الكتاب والصور والفيلم الوثائقي، وكبديل للمتلقي. دنيا ثمرة للعلاقة الإنسانية، والوثائقي ثمرة للعلاقة المهنية. وتظل العلاقة مفتوحة.
  8. نعيد النظر في مكونات الحكاية الفيلمية ( الحكايات – الفضاء – الزمن – الأحداث – الشخصيات) لوصف البنية الحكائية والمنطق الذي يحكمها. يلاحظ في البداية أنها ليست بنية حكائية خطية محكومة بتسلسل سببي للأحداث، أو بعلاقة واضحة وتكاملية بين مجموع المكونات، ونتساءل عن المنطق السردي الذي تحكم في بنائها وتماسكها. لنعد إلى المقطع الأول والأخير، وهو مقطع يختزل الحكاية الفيلمية في كليتها، وهو المفتاح والبؤرة الجمالية والدلالية. يحتوي هذا المقطع على لقطة مكبرة لوجه مليكة ونظرتها كمحطة ومنطلق ومنتهى للحكي/ التذكر. ينطلق الحكي من هذا المقطع في مقاطع استرجاعية لبناء جزء من الحكاية الفيلمية ويعود إلى محطة الحكي حين تنتهي الدائرة الصغرى، وهكذا إلى أن تكتمل الدائرة الكبرى في المقطع الأخير.  تتحقق هذه اللقطة البؤرة في المقاطع [1- 23- 37- 58- 88 – 93- 130]، وتشكل مجموعة من الدوائر الصغرى، ولكل دائرة بنيتها الحكائية الصغرى، حتى الاسترجاعات الصغرى عبر الرسائل أو تذكر بعض الشخصيات أو الحوارات محكومة بمحطة الحكي “ذاكرة مليكة”. لا شيء ينفلت من هذه الذاكرة. هنا تنكشف اللعبة السردية، وتأخذ البنية الحكائية تماسكها ودلالاتها. كل شيء يتم في الذاكرة. هنا يصبح الاسترجاع أداة سردية في جمع شتات الذاكرة، أو ما تبقى في الذاكرة من شذرات حكائية قاومت النسيان. نحن إذن أمام بنية حكائية دائرية استرجاعية، يحتل فيها السارد موقعا متميزا. نفس الموقع الذي احتله المتلقي في البنية المقطعية. .

الخطاب 

نصل إلى البنية الخطابية التداولية، والمتمثلة في العلاقة بين مبدع الفيلم وبين متلقية. إي ننتقل من المستوى الفيلمي إلى المستوى الخطابي. أية قضية؟ وأي موقف؟ وما هي الأدوات الحجاجية والدفاعية عن الموقف. هنا نعود إلى الحكاية الفيلمية لنعيد بناءها خطابيا. 

يتكون المحتوى القضوي من عدة قضايا تتفاوت أهميتها وقيمتها داخل الخطاب؛ منها ما ترتبط بالحكاية التخييلية [الميز العنصري – التسامح الديني –  الممارسة الجنسية المتعددة – التظرف الديني]، وما يرتبط بالحكاية اللاتخييلية [ الصراع العربي الإسرائيلي – الربيع العربي ] . تهتم قضايا النوع الأول بتأثيث الحكاية الأساس وتجذيرها في الحياة المغربية؛ وتهتم قضايا النوع الثاني بإضاءة جزء من العالم الخارجي للحكاية الفيلمية. لنعرض القضايا والمواقف.

  • الميز العنصري ( زواج نجيب – أمينة)، قضية شخصية عابرة لا تثير نقاشا أوجدالا، بل تقدم كحالة معزولة.
  • التسامح الديني (اليهود – المسلمين ) لم يطرح كقضية خلافية، وإنما كخلفية تاريخية للحكاية الأساس، وإن كانت تكشف عن تناقض عرقي متمثل في رفض الزواج بين اليهود والنصارى. 
  •  العلاقة الجنسية بين ثلاثة أشخاص (مليكة – موسى – ماتيو) ينتمون إلى ثلاث ديانات، لم تطرح كقضية بل تم تذويبها في التسامح الديني وفي الحرية الفردية، بل إنها شيء مقبول لدى الشخصيات، وممارسة مثمرة أنتجت الاستمرارية. (دنيا/ الفيلم الوثائقي). 
  • التطرف الديني ( انتحار عثمان ) بدوره قضية عابرة لم تثر إلا البكاء والتذكر، ولم ينظر إليها إلا باعتبارها سلوكا فرديا أحمق وليس شأنا عاما أو قضية مجتمعية.
  • الصراع العربي الإسرائيلي، وما يرتبط به من مسار سياسي ( كامب دايفد – اتفاقية أوسلو – صبرا وشاتيلا ..)، أثار اختلافا بين شخصيات الحكاية بين رافض (مليكة) ومؤيد (موسى) ومحايد (ماتيو)، دون أن يتحول الاختلاف إلى قضية جدلية تخلق توترا وصراعا على مستوى الخطاب. بل إنها تدعو إلى الحق في الاختلاف، وتسمح لكل الأطراف بالتعبير عن آرائهم والدفاع عن معسكرهمأن الفيلم يتبنى الدعوة إلى الحوار؟ 
  • أحداث الربيع العربي لم تتجاوز عرضها كأحداث متفرقة، غير أن التركيز على اللحظات الحاسمة فيها ( سقوط الزعماء، العنف في سوريا) يمثل موقفا واضحا من الأحداث، يميل إلى جانب الشعوب عوض الأنظمة. 

يتخذ مبدع الفيلم موقفا واضحا، ينتصر فيه للربيع العربي، للحرية الفردية، للتسامح العرقي والديني، للدعوة إلى الحوار. يصهر كل القضايا والمواقف في بناء عالم جميل تتجاور فيه الحقيقة التاريخية بالحقيقة الإبداعية. يراهن الفيلم، إذن، على تحقيق التناغم الكامل بين التخييلي واللاتخييلي، وبناء عالم مستقبلي أجمل، ويدعو إلى مواصلة المغامرة. وتبقى السؤال مفتوحا حول الحصان الأسود، حول الفارس والغابة الخضراء. أليس الفيلم في النهاية حلما إنسانيا بعالم طوباوي نقي وجميل؟..   

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.