صحافة البحث

المغاربة والخمر

- الإعلانات -

في المغرب، السكر السرّي حلال والسكر العلني حرام. وبوصول الحركة التي تخلط بين السياسة والدين إلى “شبه حكم”، عرف معدل استهلاك الخمور كما انتاجها ارتفاعاً.

ذكر محمد الطوزي في كتابه” الملكية والإسلام السياسي” حادثة طريفة ودالة عن امرأة ميسورة وذات هيبة كانت تقل الطائرة الرابطة بين البيضاء وباريس، وإلى جانبها كان هناك مسافر مسيحي. سبحتها في يدها وشفتاها لم تتوقفا عن الدعاء والاستلطاف لله طيلة مدة إقلاع الطائرة. وبعد والوصول إلى التوازن، نادت على المضيفة وطلبت منها كأس ويسكي مضاعف. لم يتمالك جارها نفسه من التعجب فكان أن أجابته بهدوء كامل: “السبحة لله أما الويسكي فهو لي”.
هذا أحد مشاهد التناقض الذي يعيشه المغاربة (وربما سواهم!). تُظهر هكذا سلوكيات أن حدود المقدس لم تعد واضحة اليوم في البلد وأن علاقة الإنسان بالسماء عمودية لا أفقية، فالسماء هي من ستحاسب الإنسان لا الدولة. يبكي الفقهاء في خطبة الجمعة ويهددون المصلين بعذاب جنهم إن ارتكبوا الخطايا، وفي عصر اليوم نفسه يمكن لبعضهم أن يأتي الكبائر والفواحش، ما ظهر منها وبطن، وينسى ما كان يدعو إلى اجتنابه وتحريمه في الخطبة.
هناك تناقضات في المجتمع المغربي قد يصعب فهمها، من قبيل أن المغاربة يمارسون الجنس خارج إطار مؤسسة الزواج، ويحتسون المشروبات الروحية، ومع ذلك يدافعون عن قيم الديانة الإسلامية ويرفضون كل المعارضين لها.. الأمر الذي يوصف بالنفاق الاجتماعي. ويعتقد بعض المغاربة أن منع احتساء الخمور أربعين يوماً قبل دخول شهر رمضان فرض عين على كل سكير وسكيرة.
تستحوذ مدينتي الدار البيضاء والرباط على 55 في المئة من الطلب على الخمر في البلد. وخمارت العاصمة الادارية (الرباط) نوعان، نخبوية أشبه بأندية خاصة بعلية القوم، وشعبية متخصصة في استقبال الطبقات المتوسطة والكادحة.

الآداب المرعية لولوج الخمّارة العصريّة

تخضع زيارة الخمارة لآداب وطقوس مرعية، أولها التوفر على المال الكافي وحسن الهندام واحترام الزبائن وعاملي الخمارة على حد سواء، وعدم إثارة الضجيج والشغب، كي لا يتعرض الزبون المشاغب للطرد.. إلا أن هناك حانات شعبية لا تلزم زبائنها بأية ضوابط وقواعد لارتيادها.

لكل نادل منطقة محددة داخل الحانة فيها عدد من الطاولات. يتلقى عمال الحانة أجورهم أسبوعياً أو نصف شهرياً، وتتلقى العاملات في الحانة نسبة مئوية عن المشروبات الروحية التي يحتسينها صحبة الزبائن. وحسب بعض العارفين فقد بلغت مداخيل حانة بحي أكدال الفخم بالعاصمة الرباط 700 مليون سنتيم سنويا (700 ألف دولار). وتوجد في العاصمة حانات خاصة بالنخبة، يحج إليها الفنانون والرسامون والسينمائيون  والساسة ونساء الأعمال ورجالها. وهي تقدم طعاما وشرابا فاخرين.

حانة الحريّة

تفتح إحدى الخمارات المعروفة، الواقعة في قلب العاصمة الرباط، أبوابها بعد العصر، حيث حارس ضخم الجثة مفتول العضلات يدخل الزبائن. يهبطون الأدراج مولين وجوههم صوب قبو العمارة حيث تقع الخمارة الشهيرة وقاعة خاصة بالرقص. الزبائن هنا من عشاق موسيقى الغرب الأميركي، التي يؤديها مغني الخمارة الشهير بصوت جهوري قوي. ثم يُطرب السامعين شاب وسيم يؤدي أغاني غربية شاعرية الكلمات عذبة الألحان. يصفق الزبائن بحرارة ويثنون على أداء كل مغني صعد إلى المنصة.


توجد في العاصمة حانة شعبية خاصة بالكهول والشيوخ، بلغ أربابها من الكبر عتياً يسيرها عمال طاعنون في السن. تصدح منها كل مساء موسيقى شعبية. أما من داخل الخمارة النخبوية فتنبعث موسيقى الجاز والبلوز والموسيقى الكلاسيكية الهادئة.


في الركن القصي من الخمارة، يتحدث زبون مع نفسه بصوت مسموع، ويعبر عن سخطه على ارتفاع ثمن زيت الزيتون بسبب انحباس المطر، ويدعو على الحكومة بالويل والثبور لفشلها في حلحلة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية. هذا الموسم، بلغ سعر ليتر واحد من زيت الزيتون 35 درهما أو ما يزيد في بعض المدن. مثليو الجنس ــ ذكورا وإناثا ــ من زبائن هذه الخمارة الأوفياء، لتمتعهم ببعض الحرية في داخلها. داخل الحانة تسمع موسيقى خافتة وهادئة في بداية السهرة، ويتصاعد صخب الإيقاع واللحن مع مرور الزمن، ويبلغ ذروته عند العاشرة ليلا. وتكمن فتيات في مقتبل العمر في الركن الأقصى من الخمارة، يطلبن جعة باردة ويشرعن في التدخين بشراهة. كما يرتاد الخمارة من يسعى إلى قضاء الأغراض الإدارية لدى زبائنها من موظفي الرباط.
توجد في العاصمة حانة شعبية خاصة بالكهول والشيوخ، بلغ أربابها من الكبر عتياً، يسيرها عمال طاعنون في السن، وتصدح منها كل مساء موسيقى شعبية. أما من داخل الخمارة النخبوية فتنبعث موسيقى الجاز والبلوز والموسيقى الكلاسيكية الهادئة.

“الفيدورات”

أمام باب الحانات يقف حراس غلاظ شداد، يقتصر دورهم على حفظ الأمن داخلها وفي محيطها، ينفذون أوامر أصحابها دون نقاش كأنهم آلة صماء، ينتمي أغلبهم إلى مدرسة قطاع الطرق الذين خبروا أشهر سجون البلد. تراهم وهم جلوسا على كراسي خشبية أمام الأبواب في الحر والقر، يتناولون طعامهم وشرابهم ويحترف بعضهم القوادة أحياناً لرفع دخله، ويتلقون عمولات من عاملات الجنس اللائي يصطدن زبائهن من داخل الحانات. ويتفنن بعضهم في ابتزاز الطارئين على الخمارات لمضاعفة رزقهم .
يأدبون كل من سولت له نفسه التحرش بالزبونات وبعاملات الجنس، بالتعنيف وبنهب ماله ومصادرة هواتفه المحمولة، ويشبعون ضربا كل من لم يدفع ثمن ما احتسى من خمرة و ينزعون عنه ملابسه وحذاءه أحيانا، ويمنعونه من دخول الخمارة بصفة نهائية.
يتعامل بعضهم بلباقة مع الزبائن الأوفياء، ويقدمون أعذار واهية للطارئين بالقول إن الحانة عامرة عن آخرها، فيمنحونهم عمولة مالية ليلجوا الحانة بسلاسة.

رسمياً، يسمح بإنتاج الخمور وبيعها لغير المسلمين، ويزج في السجن بمن يضبط متلبساً بالسكر العلني، إلا أن إنتاج الخمور يشغِّل أكثر من 20 ألف مغربي، وهو يدر على خزينة الدولة عائدات ضريبية قدّرتها وزارة المالية ب 130 مليون أورو.

محيط الخمارة محمي بفضل الأمن الذي يوجد بكثرة في الأحياء الفخمة على النقيض من الأحياء التي يستوطنها البؤساء. يدفع رب الحانة عمولة أسبوعية لمسؤولي الأمن مقابل عدم إلقاء القبض على السكارى ومتابعتهم بتهمة السكري العلني. لأن القانون المغربي يمنع بيع الخمور للمسلمين، ويؤكد على أن البيع هو للسياح فقط. وينص القانون الصادر عام 1967 في فصله الأول على ما يلي: “يعاقب بالحبس لمدة تتراوح بين شهر واحد وستة أشهر وبغرامة يتراوح قدرها بين 150 و500 درهم، وبإحدى هاتين العقوبتين فقط، كل شخص وجد في حالة سكر في الأزقة أو الطرق أو المقاهي أو الكباريهات أو في أماكن أخرى عمومية”.

ينشر بالإتفاق مع موقع السفير العربي