الشرقاوي: الصحراء روابط اجتماعية ورهانات جيوستراتيجية (1)

- الإعلانات -

“بدون صحراء، تاريخ المغرب غير مفهوم، بدون مغرب، الصحراء مجرد خلاء”. هذه هي الأطروحة التي يعمل أستاذ مناهج التحليل السوسيولوجي محمد الشرقاوي على إثباتها من خلال أولا وضع مشكل الصحراء في سياقه الإقليمي والدولي وإبراز إستراتيجية الهيمنة لدى حكام الجزائر. ثانيا إبراز عمق الروابط بين الصحراويين وباقي الشعب المغربي، من خلال التعليم والزواج والاستثمار. وقد استخدم الكاتب البرهان بالخلف، في جل كتابه، ليبرز مخاطر المساس بجوهر تلك الأطروحة.

خصص الكاتب القسم الأول من الكتاب لمناقشة الرهانات الجيوستراتيجية لمشكل الصحراء، وقد بدأ بتحليل سباق التسلح وتوازن القوى في المغرب العربي وأثره على المستقبل الجيوستراتيجي للشرق الأوسط الكبير.

 حسب منتسكيو  فإن سباق التسلح هو مرض لن يقود إلا إلى التدمير الذاتي، هذا درس يجب أن تأخذه دول المغرب العربي في الحسبان، لكن الواقع خلاف ذلك، فالجزائر تتسلح من جديد، تشتري أسلحة ثقيلة مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط، وهناك علامات على تسلح نووي جزائري: – قوة مفاعل “السلام” الجزائري ويمكن أن ينتج أسلحة نووية، هذا أمر أشارت إليه مخابرات أمريكية وإسبانية ومراكز دراسات وكذلك هيئة أركان الجيش الفرنسي – كبر مساحة الجزائر وصعوبة مراقبة أنشطتها النووية – زيارة عدد من المسئولين الإيرانيين للجزائر ووجود مساعدات إيرانية للجزائر في المجال النووي – لم توقع الجزائر على بروتوكول يسمح للوكالة الدولية للطاقة النووية بالقيام بزيارات مفاجئة للمنشآت النووية الجزائري – لم توقع الجزائر على معاهدة مراقبة تكنولوجيا الصواريخ…ص12.

هذه مؤشرات مقلقة للمغرب، وهو مضطر ليجاري على صعيد التسلح، ومع ذلك تدعي الجزائر أنها تريد استخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية، يعلق الكاتب أن هذا صحيح في حالة الهند، أما إيران والجزائر فلديهما نفط و غاز. إذا لم تكن الطاقة هي السبب، فلماذا تتسلح الجزائر؟

يجيب الشرقاوي “إنها تتسلح من أجل الهيمنة”، فمنذ الاستقلال وهي تخطط لتكون الدولة الأقوى في المنطقة، وقد رفضت إرجاع أراضي تونسية ومغربية، فقد كانت مساحة الجزائر عند احتلالها عام 1830 حوالي 300ألف كلم مربع، وأصبحت 575 ألف كلم مربع في 1920، وبلغت مليونين و400 ألف كلم مربع يوم الاستقلال في 1962، وطيلة تلك المدة، خسر المغرب توات وتيديكيت وكورارة  وتندوف وقد خلد التاريخ حدث مقتل 500 مغربي في هجوم فرنسي عام 1900على توات…

– النخب الصناعية والمالية تفضل خلق الثروات، بينما تفضل النخب العسكرية الحاكمة الحرب 

محمد الشرقاوي

 بداية الستينات، تلقى المغرب وتونس وعودا بتسوية الأمر، فبالنسبة لتونس، بدأت الجزائر باستغلال بئر نفطي حدودي قبل ترسيم الحدود، وقد كان التونسيون بحاجة للغاز، فقدمت الجزائر لتونس طعما اقتصاديا لترسيم الحدود مقابل حصول تونس على الغاز بثمن الكلفة شرط سماحها بمرور أنبوب ينقل الغاز إلى إيطاليا، وبالفعل وقع التونسيون على ترسيم الحدود كما ورثوها عن الاستعمار، بعد هذا المكسب راجعت الجزائر سعر الغاز الذي تحصل عليه تونس.

أما بالنسبة للمغرب، فقد رفض الملك محمد الخامس بشهامة مناقشة الحدود مع فرنسا أثناء حرب تحرير الجزائر، وفي 1961 أقر فرحات عباس (أول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة) كتابة بأن الحدود الجزائرية الموروثة عن الاستعمار لن تفرض على المغرب، عارض الجيش الجزائري الاعتراف وأزيح عباس من منصبه، واندلعت حرب الرمال، بعد ذلك وعد الرئيس أحمد بن بلا في قمة القاهرة 1964 بالتوافق على الحدود، وفي 1965 أطيح به وتولى العقيد هواري بومدين الرئاسة ومنذ ذلك تعسكرت السياسة الجزائرية تماما.

أصبح هدف قادة الجزائر هو تقزيم دور المغرب، اقترح بومدين الوحدة على معمر القذافي، دعم معارضي الحسن الثاني بالمال والسلاح، وقد بدا له مع المحاولتين الانقلابيتين 1971-1972 أن المغرب ضعيف، بعد ذلك دعمت الجزائر جبهة البوليساريو ماليا ودبلوماسيا وحتى عسكريا، إذ قاتل الجيش الجزائري إلى جانب البوليساريو في معركة أمغالا. بالإضافة إلى هذا، دخلت الجزائر في مشاريع تصنيع فرعونية، عبر شراء مصانع كاملة، مشاريع ضخمة فاشلة، هدفها العظمة وإرادة القوة والتوسع للسيطرة على شعوب المنطقة، دون أن يكون لهذه السيطرة أي مشروع أو عمق ثقافي.

ويلاحظ الكاتب أن سقوط الأنظمة الشيوعية ونهاية نظام القطبين لم يغير من سياسة الجزائر تجاه المغرب، لأن لفظ التعاون معدوم في معجم قادة الجزائر، وبلدهم مثل الاتحاد السوفياتي وعراق صدام حسين، يوجه عائداته النفطية لشراء وصيانة الأسلحة… ورغم انهيار الاشتراكية وفشل المشاريع الفرعونية وبدء القلاقل في الجزائر، لم تتغير سياسة قادة الجزائر، وإن استبدلوا معجم الاشتراكية بمعجم محاربة الإرهاب.

بعد هذا العرض يتساءل الكاتب: كيف نفهم ونفسر جمود تعامل قادة الجزائر مع جيرانهم؟ كيف نفسر توجيه كل طاقة الاقتصاد الجزائري للتسليح؟

يعتبر فلاسفة عصر الأنوار أن الدول الحديثة مضطرة للاختيار بين أمرين: إما التجارة أو الحرب. ويوضح الكاتب أن الدول التي تحكمها نخب صناعية مالية تفضل العمل والإبداع وخلق الثروات، بينما تفضل النخب العسكرية الحاكمة الحرب على الإنتاج، وينفي الكاتب ادعاءات الماركسيين القائلة بأن جوهر الرأسمالية يقود إلى الحرب، ويرد عليهم قائلا أن العقلية ما قبل الرأسمالية هي التي تقود إلى الحرب.

 ينطبق هذا على الجزائر التي تحكمها نخبة عسكرية، لذا مرت الجزائر من يد رجال أقوياء مثل بلعيد عبد السلام في عهد الهواري بومدين، العربي بلخير في عهد الشادلي بن جديد وخالد نزار بعد 1992… إلى حين عودة العربي بلخير إلى منصب مدير ديوان الرئيس بعد 1999، وقد كانت له سلطات كبيرة… خلال كل هذه الفترة كانت السيطرة للجيش على السياسة والاقتصاد، جيش يستخدم الحكومة كواجهة، جيش يحتكر الشرعية باسم الشعب، لكن لا يثق فيه، بدليل حالة الطوارئ المزمنة في البلاد، جيش لا يتصرف كمجموعة ضغط، بل كصاحب سلطة مطلقة لا معادل لها، جيش تسيطر عليه نخبة صغيرة عشائرية، مما يعرض البلاد للعنف والفساد، لذا لدى الجزائر حوالي 550000 رجل أمن، للسيطرة على الوضع، فالجنرالات لا يفكرون في الشعوب كما يقول برتولد بريخت في إحدى مسرحياته ويضيف أنهم يعتقدون أن السلام يجب البلبلة وأن الحرب تنتج النظام.

كان لهذا الوضع المزمن نتائج كارثية على الجزائر، فقد   شكل الجيش الجزائري جماعاته الإسلامية الخاصة مما عمق من حصيلة الحرب الأهلية التي خلفت أكثر من 150ألف قتيل. تجنيد قوى الأمن في تزايد، وكمثال كان عدد الدرك عام 1980 يبلغ 45ألف دركي وسيصل العدد إلى 200ألف مع نهاية هذا العقد. المثقفون والصحفيون يقتلون أو يجبرون على اختيار المنفى: العمل غير معترف به اجتماعيا واقتصاديا. كبار الموظفين يختارون تبعا للولاء والخضوع. الطلبة المتفوقون يفضلون الالتحاق بالمدارس العسكرية لأن الجيش يضمن لهم أجورا جيدة ومنافع وربما ثروة. الاقتصاد ريعي وغير منتج. البطالة 30% و60% بين الشباب. البنيات التحتية تجاوزت عمرها الافتراضي. الحياة اليومية للجزائريين لا تتحسن رغم الإعلان عن زيادة الدخل الفردي بنسبة 30% خلال. السكن نادر. زبونية الجيش تعرقل مبادرات الخواص المحتشمة…

        كيف الخروج من هذه الأزمة الاقتصادية؟ يجيب الشرقاوي نقلا عن ماكس فيبر:  

طالما أن المجال الاقتصادي لم يصبح فضاء نشاط مستقل، متناسق وفق منطقه الخاص، مغلق أمام التأثير السياسي والديني والعسكري، فإنه لن يستطيع أن يبلغ درجة العقلانية التي تميز الرأسمالية ص26. المطلوب إذن هو تبني اقتصاد مفتوح ليفرض عقلانيته على باقي المجالات، اقتصاد يقود إلى تحديث الجزائر، لأنه وحده العمل ينتج الثروة والسلام، وهذا مبني على مسلمة أن التجارة تغلب العداوة، وهذا حل ما زال بعيدا. الحل الثاني أشبه بحلم، إذ يتمنى العديد من الجزائريين حصول ثورة قرنفل، لكن لينين يقول “لا تقوم ثورة ضد الجيش”.

وعليه سيستمر الوضع القائم، الجيش يفضل العداوة على التجارة، الأنظمة الديمقراطية تفضل التجارة وتتجنب الصراعات المسلحة لأن الشعب يقرر، في نظام عسكري هناك احتمال أكبر للتوجه نحو الحرب لأن النخبة العسكرية لا تدفع الثمن بل تقبضه وهي تدخل في حروب أيديولوجية سيئة، ترفع شعار الثورة، تطالب بتقرير المصير في الصحراء لإضعاف المغرب، بينما رفضت استشارة الطوارق عام 1961.

إن هدف شعار تقرير المصير هو خلق دويلة تابعة في الصحراء لتخفيض كلفة نقل النفط إلى المحيط الأطلسي، وهذا ما سيتسبب في خلخلة توازن المنطقة، سيمكن الجزائر من مراقبة كل منطقة الساحل، ستصبح مسيطرة، وهذا سيهدد استقرار موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد.  

إذا ضعف المغرب، إذا بترت منه الصحراء وأصبحت حدوده الجنوبية مهددة، سيفقد قدرته الإستراتيجية على المساهمة في السلام والتوازن بالشرق الأوسط الكبير الذي يقوم على ثلاث دول أساسية باكستان في الشرق، السعودية في الوسط  والمغرب في الغرب. هذا التوازن والسلام ليس بديهيا، فإيران تتسلح وتسيطر في العراق ولبنان وستحاول التأثير في الخليج، تونس تقمع الإسلاميين، الجزائر يجلجل فيها الإرهاب والأصولية تشتغل في قاع المجتمع، ليبيا تتورط في قضايا مثل الممرضات البلغاريات، موريتانيا تعيش صراعا شديدا بين قوى التجديد والأصولية…

في هذا المشهد غير المستقر، يظهر المغرب كدولة حديثة مستقرة سياسيا منذ نهاية الثمانينات، الديمقراطية فيه محط توافق، المغرب حليف لدول الخليج، يحترم التزاماته الدولية، وضعه في الحلف الأطلسي يجعله حليفا موثوقا. لهذه الأسباب فإن مغربا مستقرا مصلحة دولية عليا، وأي حرب مع الجزائر ستحطم المنطقة، ووحدها النخبة العسكرية ستستفيد منه.

تعليق 1
  1. جعفري يقول

    في الفصل المخصص للتنمية أتى الأستاذ الشرقاوي بمعطيات تفيد تقدم الجهات الصحراوية و هو مايناقض تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open chat
1
مرحبا