صحافة البحث

[بروفايل].. أسرار لم تدفن مع عبد الله القادري: خبايا تأسيس “الأحرار” و”البام” (2)

- الإعلانات -

بعد عامين من مغادرة الكولونيل عبد الله القادري الجيش، عقب المحاولة الانقلابية الثانية التي قادها الجنرال أوفقير في غشت 1972، بسنتين وأصبح رجل أعمال ناجح، طلب الدليمي مقابلته في 1974. اتصل به صهره عبد الرحمان بن عمر، الذي كان حينها مديرا لديوان الدليمي، وأخبره بأن هذا الأخير يريد مقابلته. ذهب إلى دار باشا أكادير حيث كان يسكن الجنرال، وعندما التقاه به سألنه: ما الذي تقوم به بعد مغادرتك الجيش؟ فأجابه قائلا: “أنا خدام، وقد ربحت الآن تقاعدي في رتبة مارشال”، وأردف: “لفلوس، تبارك الله، ما صايب كيفاش ندير ليهم”، ثم أضاف قائلا: لكنني ما زلت مسكونا بالجيش، فأجابه الدليمي مستغربا: “كيف تبقى مسكونا بالجيش؟”، فأجال القادري: “لا تنس أنني كنت مسؤولا عن العتاد الحربي، مما يعني أنني أحد رجالات الدولة المرموقين.. الآن، أنا أكسب مالا كثيرا، لكن لا أحد يعرفني”. استمع إليه الجنرال الدليمي جيدا وعقب: “هل تسافر متى تشاء، هل تتجول كيفما يحلو لك، هل ينقصك شيء؟” وكان هو يسأل القادري وهو يرد بالإيجاب، فقال الدليمي: “أنا مستعد نخلص أي ثمن باش نكون فبلاصتك”، قبل أن يضيف: “أنت أحمق لكونك ما زلت تتحدث عن نوسطالجيا الجيش”. قضينا نهاية الأسبوع معا “مقصرين بالشيخات”… ومنذ ذلك الحين لم أعد أراه إلى أن اتصل بي طالبا مني الدخول إلى عالم السياسة.

“أسسنا “الأحرار” بأمر من الملك

لا يخفي عبد الله القادري أن الحسن الثاني هو صاحب فكرة تأسيس التجمع الوطني للأحرار في 1978، ويعترف بأن الدولة دعمت هذا الحزب الذي سيحمل منذ ولادته صفة الحزب الإداري، بالمال والمقاعد البرلمانية والجماعات المحلية. عن ذلك يحكي الراحل عبد الله القادري: “بعد التأسيس أثير نقاش داخل الحزب، فمنا من كان يقول إن التجمع يجب أن ينزل، كجميع الأحزاب، إلى الشارع وإلى البوادي ويؤسس الفروع ويقوم بتأطير المواطنين في كل جهات المغرب، بينما كان احمد عصمان ضد هذه المنهجية في العمل، وكان يقول: “ريحو مع راسكم.. في وقت الانتخابات الدولة غادي تعطينا النصيب ديالنا”.

أحرضان ضد البادية

كل من يطلع على أدبيات وبرامج حزب الحركة الشعبية، يجد أن الدفاع عن البادية وساكنة العالم القروي كان دائما حاضرا في صلبها، لكن الراحل القادري ينفي ذلك ويقدم رواية أخرى، يقول: “لم يسبق للحركة الشعبية أن دافعت، عمليا ومنطقيا، عن العالم القروي. وأذكر أننا عندما بدأنا نطالب بالنهوض بالعالم القروي وباستدراك تأخره والتحذير من أن مشاكل المدن، مثل السكن غير اللائق وأزمة التشغيل وكثرة المظاهرات والاحتجاجات، تأتي من العالم القروي الذي لم يتم إنصافه.. وعندما بدأنا نطالب بإمداد العالم القروي بشبكة الماء والكهرباء والطرق والمرافق الاجتماعية الأساسية، قال لنا أحرضان: “واش باغيين تنوضو علينا النحل.. نعطيو للعالم القروي الماء والكهربا.. ما غا يبقى يتحكم فيه حتى واحد”. ويضيف القادري أن أرسلان الجديدي، الذي كان أمينا عاما للحزب الوطني الديمقراطي، خاصم أحرضان قائلا: “كيف تدعي الدفاع عن العالم القروي وأنت تقول مثل هذا الكلام؟”، فأجابه أحرضان: “أنا منين كنقول بحال ذاك الهدرة كنكون كندير السياسة”، وأضاف أحرضان موجها كلامه إلى أرسلان الجديدي: “خليو العالم القروي ناعس.. راه الدولة قادة به”.

الملك سمّى حزبنا”

تقريبا كان الدليمي والبصري هما السبب في خلق الحزب الوطني الديمقراطي، فقد كانا يشجعاننا على الخروج من التجمع الوطني للأحرار، لأن الملك لم يكن يريد أن يبقى لأحمد عصمان فريق كبير لأنه “بدا شويا كيسخن عليه” ويفاخر أمامه بفريقه الكبير، فقال لهما الملك: “باليو به”؛ حينها التقينا بالدليمي، الذي كان مرفوقا بالبصري، فقال لنا: “أنا والبصري لا نتصل بكم من تلقاء أنفسنا، بل بأمر من الملك، بعدها بدأت مجموعتنا المشكلة من تسعة أفراد (هم: محمد أرسلان الجديدي وعبد القادر بنسليمان وجلال السعيد وعبد الحميد القاسمي وموسى السعدي واحمد بلحاج وخليهن ولد الرشيد والدكتور الطاهري جوطي وعبد الله القادري) تجتمع بالدليمي والبصري باستمرار، إلى أن أرسينا قواعد الحزب الوطني الديمقراطي”، هكذا تكلم الراحل عبد الله القادري عن تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي، بعد انشقاق مؤسسه عن التجمع الوطني للأحرار.لماذا إذن لجأت الدولة إلى إضعاف حزب عصمان؟ يجيب القادري: “في البداية، لم نكن ندرك السبب الحقيقي الذي يدفع الدولة إلى دعم انشقاقنا عن عصمان، وكنا نعتقد أن الأمر يتعلق باختلاف الأفكار والتقديرات الذي كان بيننا وبين أحمد عصمان ومجموعته، التي كان من ضمنها عبد السلام زنيند وعبد الرحمان الكوهن وعبد العزيز بنجلون.. فيما كنا نحن، الذين سنشكل لاحقا النواة المؤسسة للحزب الوطني الديمقراطي، تسعة أشخاص. لكن سوف يتبين لنا بعد ذلك أن الأمر ليس اختلافا في الأفكار بقدر ما هو خلافات بين أشخاص، فحين رأى الحسن الثاني أن عصمان أصبح يستعرض عضلاته على الدولة لكونه يمتلك 140 نائبا برلمانيا، أعطى أوامره لوزارة الداخلية بأن “تبالي به” فخلقت له الأخيرة الحزب الوطني الديمقراطي لكسر قوته.وعن كيفية اختيار اسم الحزب الوطني الديمقراطي، يقول القادري دون تردد: “موضوع التسمية له قصة لم يسبق سردها من قبل. الذي اختار لنا تسمية “الحزب الوطني الديمقراطي” هو الحسن الثاني. لقد اتفقنا على تسمية الحزب بـ”الحزب الاشتراكي الديمقراطي”، لكن حين أخبرنا “سيدنا” بذلك، قال لنا: لماذا تتركون اسم “الوطني” لحزب الاستقلال، وأضاف: “حيدو S وديرو “N، ثم أردف معلقا: “ها مصر حتى هي عندها الحزب الوطني الديمقراطي”.

الحسن الثاني و”الوفاق”

بعد انتخابات 1993، أسست مجموعة من الأحزاب المحسوبة على الإدارة تحالفا أطلق عليه “الوفاق الوطني” تم تشكيله في البداية من ثلاثة أحزاب هي: الاتحاد الدستوري والحركة الشعبية والحزب الوطني الديمقراطي، قبل أن تلتحق به الحركة الوطنية الشعبية، وقد اعتبر تأسيس “الوفاق” كمقابل لـ”الكتلة الديمقراطية” التي تأسست في 1992 من طرف أحزاب الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية. فمن كان صاحب فكرة “الوفاق؟ يجب القادري قائلا: “صاحب فكرة “الوفاق الوطني” هو الحسن الثاني، وقد أسسنا “الوفاق” مقابل “الكتلة”، وكان المعطي بوعبيد هو الذي أبلغنا برغبة الملك في تأسيس تحالف يكون ضد “كتلة” المعارضة.لقد كان لافتا، عند تأسيس “الوفاق”، غياب حزب إداري عنه هو التجمع الوطني للأحرار، عن ذلك قال القادري إنه “لم يكن ثمة أي مجال التقاءٍ بين احمد عصمان والمعطي بوعبيد؛ بالإضافة إلى أن تعليمات أعطيت لعصمان بأن يبقى قريبا من “الكتلة” لخلق نوع من التوازن.

خبايا تأسيس “البام”

كان الحزب الوطني الديمقراطي أحد الروافد المهمة التي ستندمج في الفكرة السياسية التي طرحها فؤاد عالي الهمة، بعد مغادرته منصب كاتب الدولة في الداخلية، في 2008، قبل أن تسوء الأمور بين القادري والهمة وتصل إلى المحاكم. فكيف التحق القادري بـ”حركة” صديق دراسة الملك؟ يجيب القادري بأن “نجيب الوزاني، أمين عام حزب العهد، هو من كان على اتصال بإلياس العمري، وهذا الأخير أخبر الوزاني بأن فؤاد عالي الهمة عبر عن رغبته في التنسيق معنا لتشكيل فريق برلماني”. مضيفا: “أول ما التقينا، تحدث إلي عن إرادة الملك ورغبته في تأسيس حزب، وأذكر أنه قال: “سيدنا طلب مني نشوفك باش نديرو حزب فالمستوى ويلعب دور مهم”، فأجبته: مرحبا، نحن مستعدون لفعل ما يريده “سيدنا” وتأسيس حزب يثق فيه المغاربة. لاحقا اجتمعت خمسة أحزاب هي: الحزب الوطني الديمقراطي وحزب العهد وحزب مبادرة المواطنة والتنمية وحزب البيئة والتنمية وحزب رابطة الحريات، والتي لم يبق منها أي حزب في “البام” لأنها لم تكن يوما أحزابا بما تحمله الكلمة من معنى، بل كانت مجرد حزيبات، وقد أكد لها الهمة هذا حين قال: الحزب الوحيد الحقيقي بين هذه الأحزاب هو الحزب الوطني الديمقراطي، وسوف نجعل السي عبد الله القادري هو الكاتب العام للحزب مؤقتا إلى حين عقد المؤتمر”. القادري يقول إنه اقترح على فؤاد عالي الهمة أن يكون هو أمينا عاما للوافد الجديد، لكن هذا الأخير رفض ذلك، لأن الهمة “لا يمكنه أن يتولى رئاسة حزب ويشرف في نفس الوقت على وضع السياسة العامة للبلد، فلو كان رئيسا للحزب لما كان اليوم مستشارا للملك”، يقول القادري.