صحافة البحث

المغرب ودينامية الانتقال: إضعاف السياسة وإبطال مفعول الاحتقان (1)

- الإعلانات -

إن المهتم بالحياة السياسية المغربية، تستوقفه حتما، موجات التحول والتغيير التي عرفتها حقلنا السياسي. تحولات جاءت في غالبيتها مؤقتة ومتتابعة، وفي أحيان أخرى، بطيئة ومضمرة، يظهر معها النسق السياسي  وكأنه ينتقل من التحكم السياسي وما يرافقه من عنف وتسلط وإلغاء للرأي الآخر، إلى نظام يميزه الانفتاح السياسي، وانفراج بين الفرقاء يتأطر بمنطق الحوار والتفاوض والتوافق .

لقد تنبأ أحد المهتمين بالحقل السياسي المغربي بهذا التحول . حينما أقر بآن المشهد السياسي المغربي، سيعرف تحولا مفصليا، بانتقاله من مرحلة المواجهة بين الملكية والمعارضة اليسارية، حول قضايا البناء الوطني والديموقراطي، إلى مرحلة هيمنت فيها إيديولوجية “المسلسل الديموقراطي والسلم الاجتماعي، والإجماع الوطني”، بعد مرحلة من العنف والاضطراب السياسي،” أدت إلى تشتيت اليسار، قديمه وجديده، و التنكيل بأطره، وتحييد برنامجه السياسي و التنظيمي ، ثم البدء في إعداد مرحلة ” التناوب التوافقي ” (1998 – 2002 )، مع “إقحام” ذات اليسار، بعد مراجعات عميقة على مستوى أهدافه ورهاناته الإيديولوجية والسياسية والتنظيمية، المرحلية والاستراتيجية، في مشروع باشره  الراحل الحسن الثاني ، أثار جدلا وتساؤلات مربكة حول طبيعته ورهاناته المعلنة.

تغير، ولو أنه مس الوجوه والمسؤولين على تدبير الشأن العمومي، لكنه لم يغير النسق السياسي العام بقيمه ومؤسساته، بعاداته وبتقاليده. تغير مس أسلوب وليس طبيعة الحكم، تحول يقوي أسس وشرعيات نظام الحكم، بإضافة شرعية جديدة،  بحملها للمعارضة اليسارية إلى دواليب التدبير والتسيير، تغير يتمحور حول مفاهيم الديموقراطية الاجتماعية، وما تعنيه من عدالة اجتماعية واقتصادية، وانعتاق على مستوى الحريات الفردية والجماعية. وأقر الأستاذ بن صبية، أن هذا التناوب، لن يكون في إطار القطيعة، بقدر ما سيحمل نوعا  من الضبط والتنظيم الوظيفيين، لشكل وطبيعة ممارسة السلطة السياسية.

هذا التشخيص، يلخص كل الخطاب حول “التناوب التوافقي ” وحول ” الانتقال السياسي ” الذي عرفه المغرب ابتداءا من 1999 . خطاب طالما قدم  تحولات الدولة ومؤسساتها ، في إطار صيرورة هيكلة “العهد الجديد “، والتي تستلزم “تحولات هيكلية ” ومُهَيكِلَة لازِمة لتشييد المغرب الحداثي والديموقراطي.

وبدا ” العهد الجديد” مرتبكا ومترددا، كما بدا رهان ” الدولة الحداثية ” متأرجحا بين  “انتقال منقوص ” ، وصفته بعض التوصيفات  بالحلم المنكسر الذي يتأطر داخل استمرار أكيد لمتلازمة التسلط والتحكم، مما يؤكد استحالة دمقرطة الدولة والمجتمع بالمغرب العربي عامة ، وبالمغرب بالتحديد .

وهو ما يدفعنا للتساؤل عن أسباب عدم احترام هذه ” الدينامية السياسية ”  للمنهجية الديموقراطية، التي تتأسس، تحديدا، على تعبئة سياسية وانتخابية ودستورية، هادفة إلى إرساء دعائم دولة الحق والقانون. ولم تهدف ، في حقيقتها، إلا إلى فرض  تعبئة وتوافق عامين لإنجاح ” الاستخلاف وانتقال العرش “، وبالتالي تحقيق استمرارية الدولة ومؤسساتها وتجديد مشروعياتها.

وجاء الانتقال والتناوب، توافقيين، وأسسا لهيمنة ، سياسية وإيديولوجية، لتصور الدولة للانتقال والتوافق، ولرهانات بناء العهد الجديد، كمحاولة للخروج من سياق العنف السياسي الذي ميز سنوات “الجمر والرصاص ” . وهو ما جعل الخطاب حول الانتقال الديموقراطي ،  خطابا ” حول إصلاح هياكل الدولة وسلطتها، وإزالةً للصبغة المخزنية ” القاسية والمعاقبة ” التي لازمتها طيلة عقود ، والهادفة إلى ” تهذيب ” التسلط والتحكم، ولبرلته بغية إدامته، لكن دون دمقرطته .

تنصيب حكومة عبد الرحمن اليوسفي من قبل الحسن الثاني

وبالجملة، فمجمل التحاليل والدراسات الصادرة عن أكاديميين ومهتمين وصحفيين، ومؤسسات متخصصة، تجندت لخدمة وتسييد “التصور الملكي ، المنفرد، للانتقال والدمقرطة ” ، تصور يؤطر مسلسل الإصلاح ، وفق طوعية و تدرج ” لحظات الإصلاح ” ، وتبعا لمفهوم الدولة للبناء “الديموقراطي” . تدرج تفرضه قيمة ” البرنامج السياسي ” لنخبة الانتقال، واستعجالية رهانات الانتقال ذاته

 تبنت الملكية ونخبتها الجديدة، ” دينامية انتقالية “. وأنتجت خطابا حول الإنتقال يتلائم مع مفهومها وتصورها له : ضمان انتقال سلس للعرش، وإعادة صياغة طرق وأشكال ممارسة الحكم والسلطة السياسية، وفق أشكال ومصادر جديدة لتحقيق شرعية الاختيارات وشرعنتها : ” انتقال ديموقراطي” ممنوح، أرجع ” معارضي صاحب الجلالة ” إلى سدة الحكم، بعد سنوات المواجهة السياسية المباشرة، وإعادة تنظيم المشهد السياسي وفق متطلبات ” توافق واشنطن  2004 “( توافق يشجع الحكامة الجديدة، واعتماد ٱليات المجتمع المدني والمنظمات الغير حكومية، في مسلسل التغيير السياسي، وتشجيع الحريات والحقوق المدنية والسياسية، الفردية والجماعية)، وإملاءات ” الطريق الثالث ” ( موجة الدمقرطة التي اجتاحت دول أوروبا الوسطى والجنوبية، امريكا اللاتينية وجنوب آسيا ) . 

يحاول هذا المقال، ملامسة تحولات المشهد السياسي المغربي تحت حكم محمد السادس . يوضح في مقام أول، عدم انخراط “مقاربة الانتقال ” في صيغتها المغربية، في إطار دستوري، وكيف أن ” الهيكلة السياسية الجديدة “، ” المسالمة والتوافقية ” ، لم تعمل على تأصيل النظام الديموقراطي، ولا على تصليب مبادئ المواطنة والمشاركة، ولا في اعتماد ادنى مؤشرات دولة الحق والقانون، ولا في القطع مع المسلكيات التحكمية  . كما يحاول في مقام ثان، تبيان كيف استلزمت “مقاربة الانتقال” التوافقي انتاج خطاب سياسي معبئ ، تفننت ” نخبة الانتقال ” المكونة من المثقفين والأكاديميين ، ومراكز” التفكير والتأمل والدراسة “، وما تبقى من ” كوادر” اليسار السبعيني، في اختيار تعابيره ومفرداته. وكل هذا وذاك، يصب في منحى واحد، وهو تبيان قدرة الملكية إبان العهد الجديد، على إعادة صياغة مفهومي الإصلاح والانتقال، والظفر بأحقية الحديث والاشتغال بمفاهيم “التحول الكاسح ” وتوسيع نطاق التشارك والتوافق والتحديث.

  1. في الانتقال الديموقراطي: شروط الانتقال والتقعيد :

لقد شكل  “تأقلم ” الممارسة السياسية مع مستلزمات العهد الجديد، وتهدئة أشكال ممارسة السلطة والحكم ، تجليا جوهريا من تجليات التقارب بين الملكية وأحزاب المعارضة وتحديدا الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بزعامة الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي. وهو تأقلم انبثق في ظرفية سياسية اتسمت بدينامية ” الدمقرطة ” المرتكزة على مفاهيم التفاوض والتوافق لإنجاح التناوب .   وقد تعززت هذه الدينامية، بإنتاج ” معرفي ” و ” صحفي ” شجع على تعميق مجال الاهتمام  بمفهوم ” الانتقال الديموقراطي ” الذي باشره الملك محمد السادس، ومحوره حول مفهوم ” المصالحة ” كآلية للتهدئة، وبإلحاق ” الهندسة السياسية والدستورية الجديدة” بتوافق واشنطن والموجة الثالثة للدمقرطة 1970-1990.

الواقع، أن التطرق  لانفتاح و” لبرلة ” الأنظمة التحكمية والاستبدادية، لا يمكن فهمه إلا من خلال وضعها داخل سياق الصراع حول السلطة بين فرقاء وأطراف النظام السياسي. ومحاولة الإحاطة بكيفية تدبير الإصلاحات وتحفيز وتعبئة ” الجماهير “.

الملك محمد السادس وحكومة عبد الرحمن اليوسفي

لم تختلف ” دينامية الانتقال ” في صيغتها المغربية عن هذا المنحي، بالرغم من أنها تعود إلى بداية تسعينات القرن الماضي، ولكنها في الأصل ، جاءت لإنهاء الصراع حول السلطة وشكل الحكم ، بين الملكية والمعارضة اليسارية لسنوات السبعينات، ممثلة في الاتحادين الوطني ثم الاشتراكي للقوات الشعبية، وتيارات اليسار الماركسي ، إلى الأمام، 23 مارس ولنخدم الشعب. وهي مواجهة مفتوحة تمحورت حول إشكالات الاستقلال، والدولة الوطنية وطبيعة النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المُزمَعِ  تشييده.

انتهت المواجهة المفتوحة (1965- 1975)، والمعروفة في الأدبيات السياسية المغربية بسنوات ” الجمر والرصاص”،  بهيمنة الملكية وانتصار إيديولوجية “المسلسل والسلم والإجماع “، وهي هيمنة استمرت إلى حدود بداية التسعينات، تخللتها، مجددا، بعض فترات التوتر والانتفاض (80-84-91) . وخرج المغرب من سياق المواجهة والانتفاض، بتكاليف باهظة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، شكل انعدام الاستقرار ، وتزايد ضغط الاحتقان السياسي ، أحد معالمه وتجلياته . وبات المهتمون والمتخصصون يتحدثون عن “السكتة القلبية” التي تهدد مستقبل البلاد والعباد.

وبدت ضرورة إعداد سيناريو “المَخرَج ” وكأنه الحل الوحيد لتجنيب البلاد عواقب اللاستقرار والفوضى، وشكل حدث انتقال العرش أحد مداخله الأساسية، وفق ” مناورة سياسية ” تطلبت قدرا كبيرا من ” الكاريزما” والحنكة في الأداء وتوافقاً حول المناورة بأهدافها ورهاناتها.

الملك محمد السادس وعبد الرحمن اليوسفي بالجلباب المغربي التقليدي

بدأت المناورة، بتوافق حول مفهومها ومضمونها . وشكلت مسألة الاستخلاف وانتقال العرش إلى محمد السادس رهانها الاستراتيجي. و اعتمدت “التناوب التوافقي”  كآلية لبدء ” ورش الإصلاح والتغيير”، بقيادة أحد رموز ” المواجهة ” ،ورفيق درب الشهيد المهدي بنبركة ، الاستاذ عبد الرحمان اليوسفي، في إطار تناوب تراتبي في  توزيع الأدوار والصلاحيات بينه بين الراحل الحسن الثاني . 

توافَقَ أقطاب المشهد السياسي على إنجاح انتقال العرش، وإنجاز مهام ” التناوب ” على تدبير الشأن العمومي . ولئن امتنعوا عن تحديد اهدافه ورهاناته الجوهرية، الآنية والمرحلية، كما هي متعارف عليها في الأدبيات والتجارب السياسية، لكنهم حددوا تجلياته الدنيا  في استعجالية إعمال شروط ” التخليق والعقلنة والترشيد “، كمدخل لإعادة ترسيم المشهد والحياة السياسية.

بيد أن المتخصصين في تجارب الانتقالات السياسية الديموقراطية، يجمعون على أنها “فترات غير عادية ، وغير مضمونة العواقب والنتائج. وحدها حنكة ونجاعة ” نخبة الانتقال ” ، وحركيتها ومهارتها السياسية، قادرتين على اختيار ” زمن التحول والتغيير ” وإعادة تنظيم الحقل السياسي في أفق إعادة هيكلته وتشكيله

نفس المتخصصين، يؤكدون كذلك ، على ضرورة إعمال “الشك وانعدام اليقين ” ، كبٌعدٍ    أساسيٍ لفهم ” تعقٌّدِ مسلسل الانتقال وصيرورة الدمقرطة ” بل أن ” واقع الشك ” يعتبر كعتبة  un seuil للفترة الانتقالية ، حيث ” يتأسس الانتقال على ضرورة دراسة وضبط استراتيجيات التحول والتغيير، لتصليب المشروع الديموقراطي، والحيلولة دون عودة التحكم والاستبداد ” .

من دون شك، فإن المناورات والمشاورات التي أطلقها وباشرها الملك الراحل الحسن الثاني، كانت بالدهاء والحنكة  اللازمتين، لطي ” صفحة المواجهة والإقصاء المتبادل ” بين المعارضة اليسارية والملكية، وللبدء عمليا في مرحلة التوافق حول إنجاز مهام ” التناوب المراقب “، بإقحام معارضي الأمس في حكومة التناوب التوافقي  14 مارس 1998 .

على أن  بُعدَ الشك والتوتر لم يكونا حاضرين في سياق الانتقال، بل أن كل الترتيبات السياسية بين الراحل الحسن الثاني والاستاذ عبد الرحمن اليوسفي، كانت تكتيكية ، تمحورت حول رهان ” الانتقال مقابل التناوب ” هدفت إنجاز الاستخلاف وانتقال العرش، مقابل تحقيق التناوب التوافقي.

نظريا، تعرف صيرورة الإنتقال الديموقراطي ثلاث مراحل أساسية ومتكاملة : فترة التهيئ والإعداد ، مرحلة تفعيل وتصليب مبادئ الديموقراطية، ثم المرحلة  الأهم ، مرحلة تغيير النظام السياسي.

يبدأ الانتقال السياسي الديموقراطي، بفترة إعداد يميزها صراع سياسي عام بين الأطراف السياسية حول تصورات تدبير الشأن العمومي وأشكال ممارسة الحكم، يجبر الفرقاء على مباشرة “موجة إصلاحات ليبرالية  لتهدئة النظام وانفتاحه ” ، تُوصِلُ  ” نخبة الانتقال ” إلى إنهاء هذه المرحلة  ” بالتوافق على مأسسة التعددية السياسية كبديل وتجاوز للتعددية الحزبية المتلاشية والمعيقة لأي تطور سياسي يربط ممارسة السلطة بالإرادة الشعبية ”

لم تنبثق التجربة المغربية للانتقال السياسي من هذه المقاربة، اعتبارا لأن مرحلة الصراع السياسي بين الملكية والمعارضة اليسارية ، انتهى عمليا وايديولوجيا منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، بعد سنوات عصيبة من العنف السياسي ، وما صاحبها من اختطافات واغتيالات ومحاكمات، أرخت لتهميش المعارضة اليسارية وتحييد كوادرها وإلغاء برامجها السياسية وتصوراتها الإيديولوجية، وتوجت المرحلة، ببداية ”  إيديولوجية تحكُّمِية ” تقوم على ثالوث ” السلم الاجتماعي والمسلسل الديموقراطي والإجماع الوطني ” حول قضية الصحراء، وما شكلته ” المسيرة الخضراء ” من إجابة واضحة من طرف الملكية حول سؤال ” شرعية تحريك الجماهير”، والقدرة على تعبئتها وتجنيدها.

ولقد أطر هذا التصور كل الفترة الممتدة إلى حدود سنة 2000  ، مع ما عرفته من محاولات للإصلاح السياسي والدستوري (1996 – 2002 )، وكذا محاولات انفتاح النظام ولبرلته وتهدئة الحياة السياسية وتخليق الحياة العامة .

وجاء معطى مرض الملك الحسن الثاني، ليعجل بضرورة إنهاء مرحلة إعداد الإنتقال السياسي، واستعجالية إنجاح الاستخلاف وانتقال العرش للملك محمد السادس، للبدء بمرحلة تقعيد وتصليب “البناء الديموقراطي “. 

اليوسفي والحسن الثاني

اتَّفَقَ الحسن الثاني مع الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الاستاذ عبد الرحمان اليوسفي، اتفاقا شخصيا وليس دستوريا، على أن يكون ” التناوب التوافقي ” (1998 – 2002) بداية عملية لإطلاق مبادرات متعددة للانفراج السياسي ، مع الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وعودة ما تبقى من المنفيين، وتوسيع نطاق الحريات العامة، الفردية والجماعية، وتأطير كل هذا وذاك، تحت شعار  “التوافق حول الانتقال ” وتحقيق ” الالتفاف الشعبي ” اللازم حوله ، ثم إنهاء ” مرحلة الإعداد ” بإقرار واعٍ لسلوك التخليق وترسيخه، ” كصيغة توافقية لإعادة تشكيل وتمظهر المجال والحياة العامة “.

وتبقى أهم القرارات التي باشرتها ” نخبة الانتقال” ، مشكلة من الملكية ومعارضة الأمس ، وعملت على إنجازها، وتوسيع مجال وإمكانيات التداول حولها ، هي محاولة تهذيب ،  إن لم نقل تغيير، صورة المخزن الرهيب والمُعاقِب le Makhzen cruel et punisseur . لم تعد السلطة مرادفا للرعب والعنف ، بل أصبح مفهوم السلطة ، وآليات ممارستها ، “تتحرر وتنفتح “، وتمارس حركة افتتان facination  على الرأي العام الوطني والدولي ، هو مفهوم جديد للسلطة ، بقدر ما يُبهِرٌ، يتجَدَّدٌ ويَتقَوَّى   ، بقدر ما يعيد هيكلة مستوياته ، ويهيمن على كل أمكنة ومجالات الاقتصاد والثقافة  والمجتمع 1

ولتبدأ المرحلة الثانية من مسلسل “الانتقال الديموقراطي”، والتي تلي مرحلة  ” الاتفاق على التوافق من أجل الانتقال ” ، ولتبدأ عملية ” تصليب وتقعيد الانتقال ” ، بعملية واسعة لاختيار أطر وكفاءات العهد الجديد، والتي ستلعب دورا محوريا في إنتاج وترويج “فكر الانتقال” ، وأجرأة آلياته، وتسويق إطاره وشرعنة خلفياته ورهاناته.

لقد ابتدأ فعل التقعيد والتصليب ، تصليب الانتقال وتقعيد العهد الجديد، بقبول ” المشهد السياسي وبتصور الملكية له : ملكية دستورية ، حيث يخضع الدستور لإرادة الملك ، مشهد سياسي تعددي، والدخول إليه يكون بعلان ولاء تام للنظام ” . 

لقد انبنت دينامية العهد الجديد، على ثنائية الإدماج أو الإقصاء ، تبعا لقبول أو رفض ” المشهد الانتقالي ” ، وهو ما فرض على كل الفرقاء السياسيين نوعا من الاعتدال في المواقف والتصورات، وكان هاجس إبطال مفعول    r الحركة الاحتجاجية والمطلبية ، وتحييد النزوع السياسي عن الحركة الاجتماعية .

كما عملت دينامية العهد الجديد على إعادة ترتيب الفرقاء السياسيين وتوزيع الأدوار السياسية داخل حقل سياسي مُمَأْسَسٌ institué ، لا يخرج عن إطار مؤسسات الدولة وهياكلها حيث يصبح التوافق والإجماع كمُحَدِّدٍ للرهان العام ،  الهادف إلى إطلاق صيرورة التوافقٍ على انجاز مهام انتقال العرش ، والتناوب على السلطة، في إطار تصور” للانتقال الديموقراطي” غير نَمَطِيٍ Atypique  ، ومسالمٍ Pacifié يبطل كل أشكال الاحتقان والاحتجاج من أجل تحقيق تقدم الانتقال.

وإذا كان منظرو الانتقالات الديموقراطية، يميزونها على انها ” مرحلة أزمة وتشكيك، تمس كامل البنيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السائدة ، وتعيد النظر فيها تحت ضغط الحركة المطلبية والاحتجاجية ، ويؤكدون على ان مؤشرات وتجليات هذ  الازمة، وذلك التشكيك، متعددة، وتتراوح بين التوتر السياسي ، والغليان الاجتماعي والعصيان المدني، تتهاوى خلال هذه الأزمة القطاعات والاتفاقات والعلاقات، وتتسع دائرة التشكيك والانتقاد في شرعية النظام القائم ومؤسساته وأشكال ممارسته للحكم وتدبير الشأن العام ” ، فإنهم يتفقون على أن واقع التشكيك والأزمة، ينتهي باتفاق الأطراف والفرقاء على ضرورة ” تحقيق وعي سياسي جديد، مختلف عن سابقه ”

أمثلة ذلك متعددة، ما حدث في فنزويلا (1957-1958) ، بولونيا (1980) ، وبينين (1989) . إلا أنه ، في المثال المغربي، فالأزمة التي رجحت رهان الانتقال ، نتجت عن  ” اختفاء الحسن الثاني” وعجَّل بها “رهان الاستخلاف و انتقال العرش ” ، ولعبت ” المهارة السياسية ” للملكية ونخبة الانتقال على ” ترسيخ ” عزيمة إنجاز “مهام الانتقال ”  دون تشكيك ولا إعادة نظر في شرعية وشكل البنيات القائمة ، بل شكل تصور” الشرعية والشرعية المتبادلة ” ، إضافة إلى عامل الولاء والبيعة، سلوكا أطر علاقة أطراف وفرقاء النسق السياسي.

وتشكل المرحلة الثالثة من صيرورة الانتقال الديموقراطي، مرحلة التغيير السياسي العام ، أهم المراحل على الإطلاق. وتبدأ بعملية ” إعادة التوازن بين السلط والمؤسسات، وجعلها في يد نخبة الانتقال، من أجل تأكيد قدرة ” العهد الجديد ” على تسيير الشأن العام، وشرعنة اختياراته، وتجسيد شرعية البنيات والنظام ”

وتبقي أهم خطوة في هذا المسار الانتقالي، هي اعتماد ” دستور ديموقراطي يصدر عن سلطة تأسيسية، تشكل الوثيقة الدستورية الصادرة عنه، نهاية التغيرات السياسية المُهَيكِلَة والمُؤَطِّرَة لصيرورة الانتقال. لتبدأ بعد ذلك مرحلة تصليب الانتقال، وتقعيد آلياته الدستورية والمؤسساتية اللازمة لدمقرطة الدولة والمجتمع، ولتطوير وتوسيع مجال ومدى إمكانيات الدمقرطة ” .

ويعتبر هذا التحول الدستوري ، المؤشر المؤسس لشرعية العهد الجديد، و يجسد بالفعل، ” تحولا عميقا في أشكال وطبيعة ممارسة الحكم والسلطة، وعلى الأخص ، في طرق مراقبة وتدقيق وعقلنة آليات تدبير الشأن العمومي ”    

وبقدر ما تشكل هذه الخطوة، القطيعة الفعلية مع تجليات التحكم والاستبداد، فإنها تجعل، بالقدر نفسه، من ” العدالة مؤسسة سامية لحماية الشرعية،  كما تجعل من استقلاليتها، وتحديد إطارها وعلاقتها بباقي السلط ، مسألة حيوية ومؤشر دال ومُؤَسِّسٌ لدولة الحق والقانون ”

وإلى هذا الحد من ” صيرورة تقدم الانتقال ” ، لم يكن هم نخبة الانتقال ، تأكيد قدرة العهد الجديد على ممارسة الحكم، ولا إبراز شرعيته، ولا إعادة التوازن للسلط، ولا إعادة النظر في شكل وطبيعة السلطة السياسية واقتسامها مع الفرقاء السياسيين . ولكن الرهان الوحيد كان هو” انتقال هاديء للعرش العلوي، مع ما يتطلب ذلك من إجراءات لتغييره شكلا دون دمقرطته، وتدبير التحالفات والشرعيات الجديدة من أجل إعادة هيكلة نظام سياسي انتقالي ”  

وهو ما يدفعنا للقول، أن  ” ثقافة التوافق ” رجحت كفة الاستقرار على كفة التغيير والدمقرطة، وإطلاق صيرورة بناء دولة الحق والقانون . وأن  دينامية العهد الجديد ، لم تكن في محصلتها النهائية إلا ” ترميمات تؤسس لاستراتيجية إعادة رسم صورة النظام السياسي داخليا وخارجيا، بدسترة نوعية وجديدة لموقع المؤسسة الملكية تجاه باقي المؤسسات ، وإعادة هيكلة الحقل السياسي، بإعادة ترميمه وضبطه وفق قواعد تعتبر النظام مركزه ومحوره .

 وبالجملة، فإن دينامية الانتقال والتوافق، مؤشرات جوهرية دالة على نجاح الملكية في ترتيب وتثبيت أمور الاستخلاف وانتقال العرش، والتداول على السلطة ، بإيفاد معارضة الأمس إلى دواليب تدبير الشأن العام، وإعادة رسم حدود وشروط الممارسة السياسية، وفق رهانات ” تناوب توافقي ”  يجعل من سلوك التخليق عصب العهد الجديد، وجاء ” تناوباً من دون تناوبٍ ” ، ولبْرلة من دون دمقرطة   ، كصيغة توافقية لإعادة تشكيل وتمظهر المجال العمومي والسياسي بالتحديد، وارتهن بشرط إعادة هيكلته دون تسييسه، وإفراغه من كل حمولة سياسية ، مطلبية أو احتجاجية.

إن من مفارقات “التناوب التوافقي” ، أنه وإن مكَّن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من خلال شخصية الاستاذ اليوسفي الكاريزماتية برصيده النضالي والسياسي،  من تبوء مكانة هامة في مسلسل الاستخلاف وانتقال العرش، وقيادة تجربة التناوب، وما تلاها من إصلاحات هَمَّتْ ترسيخ دعائم العهد الجديد، فإنه (التناوب التوافقي )  ساهم في توريط الاتحاد الاشتراكي في ” مشاركة ” ملغومة في تسيير دواليب الحكم ، وفي رئاسة حكومة ، محدودة الصلاحيات والإمكانيات ، وتشتغل وفق تراتبية في الأدوار والمسؤوليات بينها وبين الراحل الحسن الثاني،  اثرت ، على رصيد الاتحاد واليوسفي ، التاريخي والسياسي.

تعيين الملك محمد السادس لإدريس جطو وزيرا أولا من خارج الأحزاب السياسية سنة 2002

 وانتهى التوافق بنجاح  انتقال العرش. وتم “الانقلاب ” على الاتحاد واليوسفي وعلى المنهجية الديموقراطية بإبعاد اليوسفي من مقاليد التسيير، رغم فوز حزبه بالأغلبية في انتخابات 2002، وتعيين ادريس جطو لرئاسة حكومة التكنوقراط (أكتوبر 2002) .

المراجع:

  1.  Bensbia . N : politique et pouvoir au Maroc , du rejet à l alternance , média stratégie,  Avril 1996.
  2.  Leveau . R :  le Maroc indécis
  3.  Saaf .A :  espérance d’un état  moderne
  4.  Vermeren.P :  Maroc , la démocratie impossible 
  5.  Dalle . I :  le règne d’Hassan 2 (1961-1999), une espérance brisée,  édition Tarek, 2001 .
  6.  Vermeren . P : Maghreb: la démocratie impossible ? Fayard,  2004 .
  7.  Vairel F. : trasitologie, language de pouvoir au Maroc , 2007
  8.  El Masslouhi A. :  la voie marocaine de démocratisation
  9.  El Mosaddeq R. : consensus ou jeu de consensus 1995
  10.  Banegas R. : transitions démocratiques 1993 
  11.  ادريس جنداري، التجربة الحزبية بالمغرب،  قصور التصور وإعاقة الممارية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012
  12. CUBERTAFON,  LA VIE POLITIQUE AU MAROC,  2001
  13.  CHERIFI :  LE MAKHZEN POLITIQUE D’HIER ET AUJOURD’HUI 
  14.  CUBERTAFON :  LA VIE POLITIQUE AU MAROC,  2001
  15.  VAIREL F. : politique et mouvements sociaux au Maroc,  2017
  16. MACIAS :   TRANSITION DEMOCRATIQUR ET PACIFICATION SOCIALE,  2005
  17.   ENHADDOU A. : L EMPIRE DES SULTANS,  ANTHROPOLOGIE POLITIQUE AU MAROC, 2005
  18.  عبد الله العروي :  خواطر الصباح 2016
  19.  محمد أحمد بنيس: لبرلة من دون دمقرطة ، مجلة سياسات عربية، ع 37/مارس 2019
  20.  المغرب الممكن، تقرير الخمسينية 2005
  21.  Bennafla k. : introduction du dossier :  maroc , changements et faux-semblants, confluences méditerranée N 78,  été 2011 
  22.  CATUSSE M. : L’ACTION PUBLIQUE FACE AUX DEBORDEMENTS DU SOCIAL AU MAROC,  IN ETAT ET REGULATION SOCIALE 2006
  23.  ABOUGHAZI A.: brèves réflexions sur les enjeux de la nouvelle politique sociale,  in la question sociale au maroc , nécessité sécuritaire ou stratégie de développement,  2008
  24.  JOBERT B. ET COMMAILLE J. : LES METAMORPHOSES DE LA REGULATION POLITIQUE 1998