المغرب ودينامية الانتقال: الهندسة الانتقالية أو هيكلة أسس الشرعية (2)

- الإعلانات -

لقد أعطى يقين ” اللحظة التوافقية ” ونجاح الاستخلاف، زخما لتوالي القرارات والوقائع . وسهلت   مهارة ” صناع الانتقال ” السياسية ، انسياب عدد من التغيرات والمشاريع ” المُهَيْكِلَةِ “، التي ستساهم في تجديد أسس الانتقال ورهاناته، و في إعادة تجديد مصادر شرعية العهد الجديد . وشكل رهان إعادة الاعتبار لعلاقة المعرفة بالسلطة بالتحديد ، أحد واجهات هذا الورش.

وفي هذا السياق شكلت مراقبة وتنظيم  “صيرورة الانتقال ” ، وضبط ثغراته وتعثراته ، والتحكم في منعرجاته، والتمكن من توجيه “ديناميته” صوب شرعنة وتقعيد أسس العهد الجديد، أهم الرهانات التي باشرتها نخبة الانتقال، وتطلب ذلك تحقيق ثلاث تحولات استعجالية : 

أولها، تثبيت إطار الانتقال وأبعاد التعبئة، وأشكال الالتفاف حول “دينامية العهد الجديد”، وشكل رهان تأسيس نظام سياسي جديد، أول حلقاته. نظام يقوم على أساس “منصف” و “متصالح” مع ماضيه ، مستقر وفي وضعية “انتقال ديموقراطي” تتأسس ، أولا وقبل كل شيء، على توافق حول أُسُسِه وشرعيته ورهاناته، وتتحدد بتأكيد ” ثوابت المملكة ” و “مجالات السيادة”، ثم مركزية الملكية في النظام السياسي، ورهانها الحيوي  على اللبرلة و الانفتاح السياسي، وإخضاع مجالات الممارسة السياسية ، وآليات اشتغالها لمنطق التخليق ، كعتَبَةٍ “للحتمية الديموقراطية”.

وتأسست مصداقية “دينامية الانتقال والعهد الجديد”، على رهان التهدئة وانهاء حالة الاحتقان الاجتماعي والسياسي، وإطلاق صيرورة  “تحولات مُهَيْكِلَة” وذات “حمولة ديموقراطية”. وبدَتِ الدولة ، وكأنها الضامن لاستقرار المؤسسات واستمراريتها. ومصدر تحولها، وقوة مُوَجِّهة  لكل تغيراتها.

ثانيها ، أن النقاش العام الذي عرفه “العهد الانتقالي”، امتد أيضا إلى أسسه ومقوماته، وجعلت “نخبة الانتقال” من “الإنصاف” و “المصالحة الوطنية ” و “التهدئة الاجتماعية”، إعلانا رسميا لنهاية عنف سنوات الرصاص، وما رافقها من خرق سافر للحقوق المدنية والسياسية. وبالنسبة للملكية، فإن بناء حاضر مُسالِمٍ وسلميٍّ  ، لن يتم بمعزل عن إعادة بناء العلاقة بماضي القمع السياسي، شكلت هيأة الإنصاف والمصالحة (2004) أهم آلياته، علاقة تقوم على مسلسل من التذَكُّر والبَوْح . علاقة جسدت بالتحديد، تصور مهندسي العهد الجديد، للإنصاف والمصالحة وللعدالة الانتقالية، التي لن تذهب الى حد تحديد المسؤوليات وتنظيم المحاكمات تحقيقا للإنصاف، كعتبة للمصالحة ، ولتقول العدالة كلمتها، وليتبوأ القانون مكانته التأسيسية والتأطيرية لعملية البناء الديموقراطي. بل صارت صيرورة البوح تجاه الكشف على بعض الحقائق والوقائع، وتحديد تعويضات مادية للضحايا، دون تقديم  ضمانات على عدم تكرار ماضي العنف السياسي.

الملك محمد السادس رفقة عبد العزيز مزيان بلفقيه المستشار المكلف بإعداد تقرير الخمسينية

كما انبنى منطق الانتقال، أيضا ، على إشراك “الفاعلين الجدد” في مشروع قراءة وتقييم 50 سنة من استقلال المغرب . وقد شكل تقرير الخمسينية ، أحد أهم التقييمات النظرية التي باشرتها نخبة الانتقال، وقامت بها، وهدفت من خلالها تحديد التحولات اللازمة لتجاوز الإخفاقات، ووضع أسس جديدة للعهد الجديد. و يستوجب هذا الرهان، تسييد ظرفية اجتماعية وسياسية سلمية، متصالحة وتوافقية، تظهر المؤسسة الملكية من خلالها كمُنَظِّمٍ Régulateur  للتوافق الجديد المبني على التوازن بين الفرقاء وعلى إشراك عدد كبير من الفعاليات المدنية والسياسية والحقوقية والترابية في عملية البناء والتدبير.

وبدا واضحا، أن الدولة ، منظم التوافق الجديد، تعرف تحولات هامة ، وهي بصدد إعادة هيكلة أدوارها وآليات اشتغالها، بل وحتى العلاقة بالفاعلين في محيطها. لقد أصبحت الدولة شريكا وموجها لديناميات التدبير وإنتاج القوانين المُؤَسِّسَة المُؤَطِّرَة والضامنة لسيادة التوافق حول العهد الجديد بأبعاده وشرعياته الجديدة والمتجددة.

كما انبنى منطق الانتقال، في مقام آخر، على حتمية  إعادة تشكيل وهيكلة “نخبة الانتقال”، عبر إدماج نخب سياسية وأكاديمية شكلت قطب المعارضة اليسارية في مغرب التوافق. وابتدأت عملية الادماج بالتقرير على فشل مشاريع النخب القديمة، وإعلان الرغبة في إدماجها وإشراكها في عملية إعادة ترتيب الحقل السياسي فوقيا.

وكان لزاما على الملكية ونخبة الانتقال، بعد تحديد الإطار الانتقالي، بأبعاده وحتمياته، وبعد نجاح الاستخلاف وانتقال العرش، وحرصا منها على إنجاح مشروعها العام، كان لزاما عليها، إعادة هيكلة الحقل السياسي، وبلورة التصورات والنقاشات الجديدة حول للسياسات العمومية، وإشكالات التسيير والتدبير العمومي، وإعطاء مصداقية ونفسا جديدا “للعرض السياسي العام” . 

ثالث هذه التحولات، إطلاق مرحلة من “الهندسة الانتقالية” ingénierie transitinnelle  ، هدفت إلى إنجاز مشروع فكري عام مُؤَسِّس fondateur للعهد الجديد، مشروع يقوم على ثلاث ركائز :  

  • إعادة تنظيم المعرفة السياسية، العالِمَة savante والشرعية légitime  .
  • إعادة تشكيل وهيكلة نخب النظام وتجديد قاعدة المدافعين عن العهد الجديد .
  • إعداد وترويج نظرية عالِمة حول ” الانتقال” تعتمد تحديدا على إنتاج وترويج خطاب يبرز “حجم وعمق” التحولات الدستورية والسياسية والحقوقية التي حملها العهد الجديد .

والواضح ، أن هذا التغيير الظرفي للمناخ السياسي العام، يتأطر داخل مسلسل للانفتاح السياسي المتدرج   ، الذي يظهر مغرب العهد الجديد، كمجال للتغير والتحول  وفق طوعية وتدرج مسلسل الاصلاح .

لقد اعتمد رهان إعادة هيكلة المعرفة السياسية العالمة والشرعية،  على إدماج وإشراك نخبة من السياسيين والمثقفين والأكاديميين، والأخصائيين في علوم التنمية، رجال قانون ودستوريون، باحثين في السياسة والانثروبولوجيا والسوسيولوجيا والتاريخ، فاعلين جمعويين ومدنيين، معارضين يساريين من أصدقاء ومقربي “البلاط”، في إعداد وإدخال الجهاز المفاهيمي الخاص بصيرورة الانتقال الديموقراطي وسط الحقل السياسي المغربي، والعمل على ترويج “علم الانتقال Transitologie بين الفئات المجتمعية وتداوله أكاديميا وسياسيا.  وإعادة التقييم المعرفي، هاته، تحولت إلى ما يشبه مطلبا جماعيا ورهانا تعبويا Enjeu mobilisateur ، حملته الملكية ومستشاريها وفاعليها الجدد.

واتضحت الرغبة ، جليا، في إعادة الاعتبار للمعرفة السياسية savoir politique ، من خلال تغيير العلاقة بين المعرفة والسلطة ، التي لم تعد  سوى “علاقة تبعية وإلحاق وخضوع sujestion ، بل أصبحت مسألة مواكبة وتكامل . لقد أصبح السياسي le politique مُعَبِّئاً للمعرفي ومُوَجِّهاً له ” بما يخدم الرهان السياسي العام .

كما اعتمد رهان تنظيم المعرفة السياسية  و تداولها بين السياسيين والأكاديميين، على دعم عدد من التنظيمات والنوادي الأجنبية التي روجت ” للنظرية الانتقالية”، كما روجت “لموجة الدمقرطة الثالثة”، ول ” توافق واشنطن ” حيث يتداخل البحث العلمي والتطور المعرفي بمشروع الدمقرطة، ونخص بالذكر معاهد كونراد ادنوير ، فريديريك إيبرت، فريديريك نومان، والمعهد الوطني للديموقراطية ، ومعهد اماديوس (2008) بالرباط، برئاسة ابراهيم الفاسي الفهري، والذي أراد له أن يكون ” مختبرا للأفكار، وفضاء للتفكير والنقاش والتداول ” . وهي معاهد حملت على عاتقها، مهمة  ” التفكير وتدعيم إعادة تشكيل وهيكلة السياسة والسياسي، وبنائهما حول مفاهيم التفاوض والتوافق، التداول والتناوب والانتقال الديموقراطي. وهي مفاهيم ترجمت بالملموس ، تصور ورهان الانتقال لدى فاعلي العهد الجديد ”

لقد شكل هذا الإطار المنهجي الجديد، مرتكزا لسياق الانتقال، وموجها لرهانه وضامنا لشرعيته، بل مُؤَسِّساً لعهدٍ جديدٍ ينتظم فيه ” الاشتغال ” السياسي على أساس النظر المعرفي العالِم savant . و لا يمكن أن نستثني في هذا المقام، دور مساهمة مكاتب الدراسات والتوجيه، ومؤسسات الضبط والتدقيق.

كما لعبت مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، بتنسيق مع مؤسسة فريديريك إيبرت (يونيو 2001) ، دورا هاما في هذا السياق .  من خلال إصدارات ” الدفاتر الزرقاء” ، كتكثيف ل “دورات التحليل السياسي cercle d’analyse politique-، والتي انبثقت ” كفضاء للتفكير الجماعي المرتبطة أسبقيته بإعادة صياغة التساؤلات والاستفهامات التي تطرحها مسألة إعادة قراءة الفعل السياسي بشكل نقدي وذا مسافة نقدية مع الحدث ” .

وبإيعاز من حسن أوريد وتحفيزه، أصدرت المؤسسة، من خلال دوراتها التحليلية، دفاترها الزرقاء، والتي تؤكد محتويات أعدادها المنشورة بين 2004 و 2010، العزم الأكيد على تسويق وتثبيت تيمات الانتقال ومفاهيمه. ويكفي إلقاء نظرة على الأعداد الصادرة خلال هذه الفترة ، لنتأكد من ذلك: الإصلاح الدستوري (العدد 1 – 2004)، واقع التعددية بالمغرب ( العدد2 -2004)، الدولة والملكية والدين (العدد3 – 2005)، دولة الحق والقانون (العدد 4 – 2005)، الصحافة المكتوبة والانتقال (العدد 5 – 2006) ، الذاكرة والتاريخ (العدد 6 – 2006)، حقوق الإنسان بديلا للإيديولوجيات (العدد  7- 2006) ، الدولة الوطنية والمواطنة ( العدد 8 – 2007) ، تكنوقراطية مقابل ديموقراطية (العدد 9 -2007) ، الفاعلين الدينيين بعد 16 ماي 2003 (العدد 10 – 2007) ، الحكم الذاتي والجهوية (العدد 11 – 2008) ، قيم المجتمع الديموقراطي ( بتنسيق مع مؤسسة بيت الحكمة 2008) ، أزمة النخب وإعادة هيكلة الحقل السياسي من الفوق (العدد 13 – 2009) ، اليسار المغربي ، فكر وممارسة (العدد 14 – 2009) ، الديموقراطية التشاركية مقابل الديموقراطية التمثيلية ( العدد 16 – 2010). وقد ساهمت هذه الدفاتر والدورات التحليلية، في تداول ” لغة الانتقال وتعبيراته” والذي تنتظم حوله حركية وإنتاجية نخب الدولة وفاعليها في إطار العهد  الجديد.

Légitimation politique et sacralité royale (version Française) by Sammouni Mohamed on Scribd

واضحة، إذن ، هذه الرغبة العارمة في تفعيل وتعزيز “الهندسة الانتقالية”، وتعبئة الموارد والطاقات ، من أجل تشكيل وتنظيم “الخطاب السياسي الجديد”، وهيكلته حول رهانات تجديد شرعيات وميكانيزمات الشرعنة اللازمة للعهد الجديد، لتوضيح تحولاته وثغراته، وبزيادة حجم ومنسوب تداوله.

 تدرج الانتقال واستعجالية رهاناته، فرضت على نخبة الانتقال  إعادة بناء وهيكلة المعرفة السياسية من خلال إعادة تجديد وتجذير العلاقة بين المعرفة والسياسة savoir et politique. وتحولت هذه المؤسسات إلى قنوات لإنتاج المعرفة اللازمة لتحرك الدولة وتوجيه مؤسساتها وفاعليها . فأصبح “السياسي ” المعبيء الحيوي للمعرفة، معرفة حيوية لتوضيح وشرعنة حركية الدولة و قراراتها  .

ولتوضيح هذا المنحى، نستحضر نموذجين لتطور مسار بعض مراكز الابحاث والدراسات، والتي تؤكد تغير موقف الدولة من علاقتها بالمعرفة.

حسن أوريد الناطق الرسمي بإسم القصر السابق

أولهما، مركز طارق بن زياد للأبحاث والدراسات (2001)، الذي رأى النور بدعم جلي من حسن أوريد، دكتور العلوم السياسية، وأحد أركان مربع السلطة على عهد محمد السادس. وهو الذى باشر ميلاد المركز بالرباط، ” كفضاء للتفكير والتداول الهادف إلى تشجيع البحث والتبادل الثقافي بين الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية والسياسية بالمغرب ”   . وتؤكد إصدارات المركز،  اهتمامه بالاستفهامات المتعلقة بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية والثقافية، بالتنمية البشرية والمجالية. دون ان ننسى محاولة سبر أغوار بعض الكتابات المتعلقة بالفترة الكولونيا لية وعهد الاستقلال . وفي هذا الصدد، قام المركز (2000) بترجمة وإصدار أهم الكتابات الأنثروبولوجية في المرحلة الاستعمارية لمؤلفها إيكلمان D.F Eickelman   ، والمتعلق أساسا بمحاولة الإحاطة بعلاقة المثقف والسلطة في مغرب القرن 19 ، من خلال نموذج القاضي القاضي الحاج عبد الرحمن ، ومن خلالها سبر أغوار علاقة المعرفة  بالسياسة، وعلاقة ” السلطة والاحتضان ” ، حيث ” تبلغ السلطة أعماق الافراد وتؤثر في أجسادهم وتنفذ إلى حركاتهم وسكناتهم، وإلى سيرورة تعلمهم ”

المثال الثاني المتعلق بإعادة هيكلة المعرفة السياسية ، هو ” تصميم “Agencement لتقرير الخمسينية لاستقلال المغرب ( 2005)   ، وهو التقرير الذي جاء “كقاعدة معرفية وحجاجية تتوخى تغذية النقاش العمومي “، و تطلب ” تجنيد ” فعاليات من مجالات متعددة همت الإدارة والجامعة والمجتمع المدني والسياسي، وهيئات حقوقية ، وبتسيير وقيادة من أحد مستشاري الملك محمد السادس، محمد مزيان بلفقيه، الذي جعل هذا التقرير “مشروع جماعي وتشاركي من أجل التفكير والتدارس في استقلالية تامة، من أجل تقديم كمٍّ معلوماتي ، كتشخيص وتقييم لخمسين سنة من استقلال المغرب في كل مجالات ومناحي الاجتماع والسياسة والاقتصاد والدولة. وهو كمٌّ معلوماتي ضروري لتوضيح وفهم تحولات المغرب وانتقاله، ولازم من أجل المساهمة في بناء المغرب الحداثي والديموقراطي  ”

وعلى الرغم من أن مناوئي تقرير الخمسينية يعتبرونه ” دعاية سياسية ” من طرف القصر، من أجل تبيان أن الانتقال والدمقرطة، تجلت في إجماع كافة الطاقات المعرفية والاكاديمية والسياسية والجمعوية والحقوقية من أجل إخراج هذا العمل إلى الوجود ، فإن القائمين على إعداده قدموه ” دليلا على التوافق حول شرعية التساؤلات الخاصة بتحديد إطار ورهانات بناء الدولة والمجتمع، وتحقيق تعبئة عامة حول رغبة توفير مادة معرفية خامة ضرورية للحركة وإعادة البناء ”  .

لقد استطاع توجه الدولة هذا، من إعادة الاعتبار لقيمة المعرفة والعلم وأهميتهما في العملية والحركة السياسية، وأصبحت المعرفة العلمية تتوفر على ” سلطة ” أكبر جعلتها تبرز” كيقين علمي ” يوجه ويأمر . وأصبح تدبير الشأن العام يتطلب مشاركة اطراف متعددة وعالمة savantes ، ولكن بتسيير وإشراف المختص  l’éxpert ، وبتوجيه مستشار التواصل conseiller en communication ، الذي يختار ويقيم المعطيات .

لقد أصبحت المعرفة  مرافقا وموجها، فيما أصبحت السياسة معبئا للفعل وللحركة . وأصبحت العملية السياسية محتاجة للعلم وللمعرفة، ليس فقط من أجل توضيح الاختيارات وتبيانها، ولكن أيضا، لشرعنتها وتأكيد مشروعيتها .

 هذا التوجه العام لإعادة الاعتبار للمعرفة السياسية، يمر أيضا وتحديدا، عبر المساهمة الواسعة  للجامعات ومؤسسات البحث العلمي، الحكومية وغير الحكومية، ونخص بالذكر، المرصد المغربي للمواطنة والديموقراطية، المركز المغربي للعلوم الاجتماعية، مرصد الانتقال الديموقراطي بالمغرب (2001)، المجلة المغربية للسياسات العمومية (1995)، المجلة المغربية للتدقيق والتنمية (2000)، المجلة المغربية للإدارة الترابية المحلية والتنمية (2001)، مركز الدراسات الدولية (2004)، مركز الدراسات والبحث في العلوم الاجتماعية (1993)، المركز المغربي للعلوم الاجتماعية (1998)، مجموعة البحث في الاقتصاد، الجهة المدينة ، دون أن ننسى المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية (2007) .

 لقد تمحور الرهان العام، خلال ظرفية تأسيس العهد الجديد، حول تقديم كم معرفي يخص التساؤلات الجوهرية ، والمادة المعرفية اللازمة لبناء ” المغرب الحداثي والديموقراطي ” وبالتحديد المتعلقة منها  بالانتقال والتناوب السياسي، الدمقرطة، بالتحديث السياسي والإداري، بالجهوية والعدالة المجالية والترابية ، بالحكامة وسبل التسيير والتدبير ، الديموقراطية المحلية، التشاركية، اللامركزية ، التنمية، المسألة الاجتماعية، تنمية العالم القروي والتهيئة الترابية والمجالية. وأصبحت تيمة الانتقال ومفاهيمه  ” تستحوذ على النقاشات العامة ، حتى اصبحت نظرية عالمة لصيرورة التحول بالمغرب، وعنوان مرحلة مخاض سياسي وأحد رهاناته المرحلية، تتم خلالها إعادة بناء التحالفات مع الفرقاء السياسيين ”   . لقد أصبح الانتقال، ” لغة السلطة وأداتها لتقييم  وإعادة تشكيل الحقل السياسي، ومعه، آليات اشتغال الهيئات والاطارات بما يضمن تقدم وتطور صيرورة  الإنتقال نفسه ” . بل لن نغالي إن قلنا ، أن مصداقية العهد الجديد أصبحت مرتبطة بقدرته على تقديم إجابات على واقع الازمة المعلنة، وعلى قدرته على افراغ الاحتقان الاجتماعي والسياسي وإبطال مفعوله.

 ولأن ” المملكة الشريفة”،  هي مسرح لفترات متعاقبة من الأزمات، ساهمت في تعميق وتوسيع درجة الاحتقان الاجتماعي والسياسي. وقد ساعد على ذلك،  انبثاق ” مجتمع حركي ” ، استفاد من اتساع هامش الحريات المتاح ، ومن انبثاق نوع من ” اليقظة المواطنة une vigilance citoyenne ، تستعمل حملات الشجب والاستنكار، أسلوبا في التعبير ،  ولكنه مجتمعا يعاني التهميش والتفقير. وهو ما ساهم في تنويع وتوسيع بؤر الاحتجاج وتسيِيسِه politiser ، مع رفع سقف مطالبه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. إلى الحد الذي اعتبر فيه بعض الباحثين ، أن المغرب أصبح ” طليعة الاحتجاج و معبرا عن الغضب الشعبي في المنطقة، ضدا على فشل الدولة في تغيير مؤشرات الأزمة، وخلق الثروة والرفع من الانتاجية الوطنية ” .

الملك محمد السادس لحظة إطلاق الشطر الثاني من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية

إن وطأة الاحتقان الاجتماعي والسياسي وانعكاساتها السلبية على العهد الجديد ، وتفاقم مظاهر الأزمة الاقتصادية، تطلب تحركا استعجاليا من طرف الملكية ونخبة الانتقال، تمحور حول انتهاج ” سياسة اجتماعية جديدة ” ، تجعل من الاستثمار في القطاع الاجتماعي تجسيدا ل “عودة استعجالية وحيوية “. واكب ذلك، “حملة إعلامية ” و ” صخب أكاديمي ” حول إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ، وجعل رهان محاربة الفقر، أولوية وطنية، تحولت معها المسألة الاجتماعية إلى ” قضية دولة ” ، مكنت الملك محمد السادس من استثمار تلك ” العودة” ، استثمارا سياسيا، من خلال بروزه  بمثابة ” العاهل الباني لسلطة مركزية إصلاحية”. وأصبحت الملكية، معها، ضامنة للتقدم ومحاربة الفقر، وتولي عناية ” مركزية ” للتعاون والتضامن، وإطلاق مشاريع مذرة للدخل ، وغيرها من المبادرات التي ستساهم في تمكين العهد الجديد من آلية جديدة لشرعنة اختيارات النظام وتوجهاته العامة  .

ولأن الحصيلة الاجتماعية لهذه السياسة الهادفة إلى تحقيق التنمية المستدامة، ضلت ” متواضعة ومحدودة النتائج، ولم تكن في مستوى طموحاتها “، وهو ما  دفع نخبة الانتقال إلى البحث عن شركاء جدد بغية “التفكير الجماعي” لمحاولة الحد من وطأة الأزمة والاحتقان، ولتقاسم المسؤولية مع أطراف لم يكونوا سببا فيها. وهو سيناريو سيجعل الملكية، تتمكن من  نقل سبب الأزمة والعجز عن حلها من دائرتها ، إلى محيط الشركاء الجدد، من جمعيات وإطارات ومنظمات حكومية وغير حكومية . وبالتالي، ” ستخلق لها دورا آخر، غير ذلك الذي يفرض عليها حل الأزمة والحد من الفقر والتهميش، وسيصبح دورها الجديد وأساس شرعيتها ، هو العمل على إفراغ  حمولة الاحتقان والحد من وطأته والتحكم في مجرياته ”

هذه ” المناورة السياسية ” في التعامل مع المسألة الاجتماعية، إضافة إلى تزايد الشعور بالخيبة تجاه بطء الإصلاحات ، و محدودية محاولات الحد من تفاقم  الأزمة ، حولتها إلى مصدر للاحتجاج الجماعي، تحولت معها وطأة الاحتقان إلى مسألة أمنية حساسة، وجب معها ” العمل على إيجاد صيغ وآليات لضبط محال اجتماعي غير مهيكل،  متأزم وقابل للانفجار، ووجب معه ايضا، ضبط مطالبه وتوجيهها، دون حلها ، بما يساهم في صيرورة إعادة تنظيم السلطة Repéploiement du pouvoir”.

المراجع:

  1.  Bensbia . N : politique et pouvoir au Maroc , du rejet à l alternance , média stratégie,  Avril 1996.
  2.  Leveau . R :  le Maroc indécis
  3.  Saaf .A :  espérance d’un état  moderne
  4.  Vermeren.P :  Maroc , la démocratie impossible 
  5.  Dalle . I :  le règne d’Hassan 2 (1961-1999), une espérance brisée,  édition Tarek, 2001 .
  6.  Vermeren . P : Maghreb: la démocratie impossible ? Fayard,  2004 .
  7.  Vairel F. : trasitologie, language de pouvoir au Maroc , 2007
  8.  El Masslouhi A. :  la voie marocaine de démocratisation
  9.  El Mosaddeq R. : consensus ou jeu de consensus 1995
  10.  Banegas R. : transitions démocratiques 1993 
  11.  ادريس جنداري، التجربة الحزبية بالمغرب،  قصور التصور وإعاقة الممارية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012

  12. CUBERTAFON,  LA VIE POLITIQUE AU MAROC,  2001
  13.  CHERIFI :  LE MAKHZEN POLITIQUE D’HIER ET AUJOURD’HUI 
  14.  CUBERTAFON :  LA VIE POLITIQUE AU MAROC,  2001
  15.  VAIREL F. : politique et mouvements sociaux au Maroc,  2017
  16. MACIAS :   TRANSITION DEMOCRATIQUR ET PACIFICATION SOCIALE,  2005
  17.   ENHADDOU A. : L EMPIRE DES SULTANS,  ANTHROPOLOGIE POLITIQUE AU MAROC, 2005
  18.  عبد الله العروي :  خواطر الصباح 2016
  19.  محمد أحمد بنيس: لبرلة من دون دمقرطة ، مجلة سياسات عربية، ع 37/مارس 2019
  20.  المغرب الممكن، تقرير الخمسينية 2005
  21.  Bennafla k. : introduction du dossier :  maroc , changements et faux-semblants, confluences méditerranée N 78,  été 2011 
  22.  CATUSSE M. : L’ACTION PUBLIQUE FACE AUX DEBORDEMENTS DU SOCIAL AU MAROC,  IN ETAT ET REGULATION SOCIALE 2006
  23.  ABOUGHAZI A.: brèves réflexions sur les enjeux de la nouvelle politique sociale,  in la question sociale au maroc , nécessité sécuritaire ou stratégie de développement,  2008
  24.  JOBERT B. ET COMMAILLE J. : LES METAMORPHOSES DE LA REGULATION POLITIQUE 1998
     


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.