صحافة البحث

[رأي].. الأشخاص في وضعية إعاقة والنقل الجماعي: مجانية الرّكوب أم الولوج الكامل؟

- الإعلانات -

إن حرمان الأشخاص المُعاقين من ولوج حافلات النقل الحضاري، التابعة لشركات التدبير المفوض، وما يصاحبه من عنف وعنف مضاد بين المسافرين في وضعية إعاقة، ومستخدمي شركات النقل، يمثل واحدا من مظاهر التمييز المؤسساتي باعتباره منعا إراديا أو لا إراديا، لشخص ما من المؤسسات أو الخدمات بسبب وضعه الصحي، وهي مظاهر يكاد لا ينتبه إلى أهميتها  الدارسين لقضايا الإعاقة والفاعلين المدنيين بالمغرب. ويكمن موطن الخلاف بين الفريقين حسب بعض التقارير الإعلامية في مجانية الركوب من عدمه. إذ يعتبر الأشخاص المعاقين مجانية ركوب الحافلات خط أحمر في صراعهم ضد الاقصاء والتمييز الاجتماعيين، وأنها حق مشروع تضمنه القوانين الوطنية منذ أربعة عقود. في حين، تقول القاعدة الذهبية لسوق النقل الجماعي المفوض أنه لا مجانية مقابل الخدمة، كل مسافر مطالب بأداء ثمن تذكرته.

وفي ظل شح الدراسات الكمية والكيفية حول تجارب الأشخاص المعاقين، عموما، وفي وسائل النقل الجماعي خصوصا، والإمكانيات التي تتيحها في تأويل سلوكات بعض المسؤولين عن القطاع، وكذا رصد مواقف بعض المُسافرين اتجاه الأشخاص ذوي الإعاقة، وطبيعة أنماط النقل الأكثر استعمالا من طرف  هؤلاء الركاب، وعلاقتها بصنف العجز الوظيفي وعن الغايات التي يلجأ فيها المسافر من ذوي الإعاقة إلى النقل الجماعي، يمكن القول أن اختزال مشكلة استعمال الأشخاص المُعاقين لوسائل النقل الجماعي في سؤال المجانية مقابل إغفال الحواجز المادية والبنيوية، يحجب علينا كباحثين ومهتمين بهذا الموضوع فرصة تفكيك جذور التمييز غير المبرر الذي تتعرض له هذه الفئة بسبب العجز الجسدي. كما أن تناول موضوع المجانية دون ربطها بنسبة الفقر والهشاشة التي يُعاني منها الأشخاص المعاقين عموما وانعكاسات ذلك عن التكلفة الاقتصادية للإعاقة في غياب نظام للحماية الاجتماعية، يجعل من الصعب مواكبة الحركة المدنية في وضع استراتيجيات عمل لمناهضة كل مظاهر الاقصاء الاجتماعي.

فمن خلال النبش في تاريخ حركة الاشخاص المعاقين وكل الحركات التحررية عبر العالم، نجد أن الحرمان من ولوج وسائل النقل الجماعي شكل الشرارة الأولى التي انبثقت عنها نضالات الحركات الاجتماعية  خلال سنوات السبعينيات ضد كل أشكال التمييز. وحسب بعض الدراسات، فإن الحواجز أمام الولوج لخدمات النقل الجماعي في نظر مجموعة من الشباب من المُعاقين بالولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا تمثل شكلا من أشكال التمييز المؤسساتي والاضطهاد الاجتماعي. فهذه الممارسات التمييزية تُساهم بشكل كبير في استبعاد الأشخاص في وضعية إعاقة، ليس فحسب من وسائل النقل كفضاء للعيش المشترك، وإنما تلعب دورا كبيرا في إقصائهم من سوق الشغل والسكن والخدمات والمؤسسات الأخرى المفتوحة للعموم. وهكذا، خرجت أفواج كبيرة من الشباب لاسيما أصحاب الكراسي المتحركة في كبرى المدن الأمريكية والبريطانية إلى الشوارع لممارسة حق يعتبره الكثيرون من الأنشطة اليومية البديهية. وتوجه هؤلاء الشباب نحو الحافلات ذات الأبواب الضيقة والأدراج الاعتباطية محاولين بذلك شد انتباه السلطات العمومية إلى دور الحواجز البنيوية في استبعادهم من الأنشطة اليومية. وما هي إلا سنوات قليلة من النضال ضد الممارسات والمواقف التمييزية حتى أخذ المجتمع في إخراج قوانين مناهضة للتمييز المبني على الإعاقة ووضع استراتيجيات دامجة لإزاحة كل الحواجز الاجتماعية والثقافية والمادية، وتفعيل المشاركة الاجتماعية الكاملة للأشخاص في وضعية إعاقة. في حين ضاعف الاشخاص المعاقين عبر منظماتهم المدنية من النضال قصد تحقيق التغيير الاجتماعي وهو ما أدى إلى ظهور جيل جديد من وسائل النقل المتطورة تتوفر فيها مختلف أنواع الولوجيات.

ومع مطلع الألفية الثالثة، تعزز هذا التوجه مع إقرار الحقوق الإنسانية للأشخاص المعاقين وعلى رأسها الاتفاقية الدولية وبروتوكوليها الاختياري؛ حيث تنص هذه الاتفاقية في ثالث مبادئها على دور الدول الأطراف في تشجيع “المشاركة الكاملة والفعالة والاندماج في المجتمع “. بالإضافة إلى مطالبتها للدول الأطراف في الفصل التاسع باتخاذ كل التدابير لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من العيش المستقل والمشاركة الكاملة في كل مناحي الحياة. إذ لا يمكن تحقيق هذه المشاركة إلا من خلال تسهيل الولوج إلى البنيات والخدمات الموجهة لكل أفراد المجتمع، لما في ذلك ضمان الولوج إلى وسائل النقل الجماعي. سواء تعلق الأمر بمقاولات القطاع العام أو القطاع الخاص. علاوة على هذا، تحث الاتفاقية على  تعزيز قدرات الأطقم التقنية المسؤولة عن تقديم هذه الخدمات بشكل يحترم كرامة وخصوصية الأشخاص في وضعية إعاقة.

أما في المغرب فقد أصبح الولوج المتزايد للأشخاص في وضعية إعاقة إلى الفضاء العام والانتقال بين مختلف مجالاته من أبرز مظاهر التحولات الاجتماعية التي يعيشها المجتمع المغربي. ونفترض أن تطور وسائل النقل الجماعي المستوردة حديثا من بعض الدول الغربية يشكل واحدا من العوامل المؤسسة لهذا التحول.  فبعد أن ظلت الأدوار التي ألف هؤلاء الفاعلين مزاولتها تقتصر على بعد الأنشطة الموصومة اجتماعية، ساهمت إجبارية تزويد وسائل النقل العمومي ببعض أصناف الولوجيات في خلق تحولا جوهريا في إمكانية وصول الأشخاص ذوي الإعاقة إلى الفضاءات المفتوحة دون أن يرتبط هذا الوجود بنشاط اقتصادي محدد. حيث باتوا كغيرهم يترددون على المؤسسات العمومية والخاصة إما كمستخدمين أو كمرتفقين. كما أصبح في إمكانهم ولوج فضاءات الترفيه كالمقاهي والمطاعم والنوادي الرياضية لقضاء وقتهم الثالث.

ويمكن القول أن الاهتمام المتزايد خلال العقد الأخير على الأقل على مستوى الخطاب السياسي بقضايا الإعاقة، بعد التصديق على الاتفاقية الدولية وما تلاه من سن جيل جديد من التشريعات المناهضة للتمييز المبني على أساس الإعاقة هو ما قاد إلى هذا التحول، على الأقل في المُستوى المعياري. وفي هذا السياق فرغم الاهتمام الذي حضي به ضمان حرية التنقل في كل التشريعات الوطنية ذات الصلة بالإعاقة، فإن استعمال الأشخاص المعاقين لوسائل النقل العمومي بالمغرب مازال يُعاني من مقاومة بعض الحواجز على أكثر من مستوى. فعلى المستوى التشريعي مثلا، ظل المشرع المغربي لما يفوق ثلاثة عقود يعتبر الولوج إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية من تربية ونقل وتشغيل مجرد امتيازات وليست حقوق كاملة. كما ارتبطت الاستفادة منها بالحصول على بطاقة تمنحها السلطة الحكومية[1]. وهو ما يؤكده عشر سنوات بعد ذلك القانون رقم 07،92 المتعلق بالرعاية الاجتماعية للمعاقين في المادة 22. وفي سنة 2015، أصبح النص التشريعي[2] صريحا على الأقل على مستوى الخطاب في جعل ضمان الولوج إلى وسائل النقل العمومي من اختصاص السلطات المعنية. إلا أنه لم يضع ترتيبات زجرية ضد من لا يحترم تفعيل القانون.

ويبدو أن غياب الترتيبات الزجرية ضد من ينتهك حقوق الأشخاص المعاقين المنصوص عليها في التشريعات العامة والخاصة هي الثغرة التي سمحت للسلطات الترابية بمدن طنجة وفاس والرباط ومستقبلا الدار بيضاء باعتماد دفتر تحملات في إبرام صفقات النقل الجماعي، مع شركة ألزا للنقل دون مراعاة حق الأشخاص المعاقين والأشخاص محدودي الحركة من مسنين ونساء وحوامل ومرضى… في الولوج العادل والمتكافئ إلى وسائل النقل العمومي. وهكذا يستمر مسلسل الاضطهاد الاجتماعي والتمييز المؤسساتي ضد الأشخاص المعاقين لاسيما في ظل غياب حركة مدنية قوية قادرة على استشراف مختلف أشكال التمييز المؤسساتي ومؤهلة إلى بلورة مذكرات ترافعية، ولما لا تقديم بدائل عملية مستوحاة من تجارب بعض البلدان المجاورة.


[1] قانون 5،81 المتعلق بالرعاية الاجتماعية للمكفوفين وضعاف البصر في الفصل الرابع

[2] قانون إطار 13.97 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص المعاقين والنهوض بها الفصل 21