صحافة البحث

المغرب ودينامية الانتقال: التطعيم الدستوري وأشكال الضبط والتنظيم السياسي (3)

- الإعلانات -

بعد ” نشوة ” نجاح الاستخلاف وانتقال العرش (1999-2001) ، وبعد هيكلة وترسيخ أسس وشرعيات العهد الجديد (2002 – 2005)، ظهرت فترة من الشك والتوجس تجاه مجموع الأوراش والإصلاحات التي باشرتها الملكية ونخبتها الانتقالية (2006-2010)، لمحدودية hنتائجها، وأيضا، لطابعها المناوراتي. وهو ما جعل أمر التطعيم الإصلاحي أمرا مستعجلا، لتدعيم استقرار العهد الجديد، وحماية التوافق السياسي الجديد حول الملكية، ولتأكيد قدرتها على التأقلم مع التحولات الحاصلة في محيطها، وإبراز قدرتها على تدبير التوجس بأبعاده المطلبية وتجلياته الاحتجاجية.

هندسة الانتقال، تطلبت تطعيما آخرا، مسَّ المستوى المؤسساتي والدستوري، وهدف أساسا إلى اعتماد “هندسة دستورية جديدة”، شكل خطاب 9 مارس 2011، ” إطارها الموجه .

الخطاب الملكي لـ9 مارس 2011

اتخذت الهندسة الجديدة، شكل “تطعيم دستوري” greffe constitutionnelle ، ارتبطت نظريا وإجرائيا، بتقرير الخمسينية وبتوصيات هيأة الإنصاف والمصالحة . واتضح أن الملكية ، من خلال هذا التطعيم، تحتفظ بقدرة التوجيه والتأثير، بل بهيمنتها على مستويات  تدبير الشؤون العامة، مما زكى صورة الملك، كقوة ” اقتراحية وتأسيسية ” قادرة على تحديد وتوجيه التطعيم الدستوري الجديد.

عين الملك، وفقا لصلاحياته الدستورية ، ولمركزية المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي  للجنة استشارية برئاسة أستاذ القانون الدستوري، وعضو المجلي الدستوري عبد اللطيف المنوني ، وتحت إشراف  أحد مستشاري محمد السادس محمد معتصم، أسند إليها مهمة انجاز “الصناعة التشريعية ” la fabrique législative   لتقعيد مجموع الإصلاحات الدستورية الجديدة التي سيكون لها ” أثر التوافق التاريخي الجديد، كتعاقد جديد بين اللك والشعب ” .

عبد اللطيف المنوني يسلم الملك محمد السادس دستور 2011

وقد حققت الوثيقة الدستورية الجديدة ، شبه إجماع حولها (98.5% من الأصوات المعبر عنها)، ولكنها أيضا، أكدت “الطابع الغير قابل للتغير” Immuable ، لثوابت الدولة على المستوى السياسي والديني . وعلى الرغم من أنها سجلت بعض التقدم بخصوص احترام المغرب لبعض المقتضيات الديموقراطية، لكنها زكت ثوابت القداسة constantes de sacralité  . بدءا بهيمنة الملكية و مركزية البند 19 ، الذي وإن عرف “تجزيئ” لفقراته( إمارة المؤمنين البند 41 ، ورئاسة الدولة البند 42) ، فقد ظل حجر الزاوية لهذا التطعيم الدستوري . وهو ما جعل أحد الباحثين يتحدث عن ” دستور فوقي ”   ، جعل  الهيكلة الجديدة للسلطة، والمنبثقة من الهندستين، الانتقالية والدستورية، تنبني على تقاسم تراتبي للأدوار والمسؤوليات بين الملكية وباقي الهيئات والمؤسسات ، وكرست غيابا تاما لفصل السلط وتحديدها ، حيث تحتفظ الملكية بصلاحياتها، وتهيمن على النظامين التشريعي والقضائي، ما يؤكد التناقض الصارخ لتصور الملكية للدمقرطة ولدولة الحق والقانون. 

لقد عملت الوثيقة الدستورية الجديدة، على مأسسة  ” الديموقراطية التشاركية “(البند 12) ، ورسمَت إطارا ومرجعا للمشاركة ،عبر هيئات وتنظيمات ومجالس “أزهرت” في شتى مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، ولكنها  لا تتوفر لا على سلطة القرار والتنفيذ ولا تتوفر على امكانيات مادية، وغالبا ما تتحرك بتوجيه سلطة الدولة، لدرجة يصبح معها التساؤل مشروعا، حول ما إذا كانت هذه الهيئات الوسطية وسيلة ” لإدماج ومخزنة ”  كافة اشكال المشاركة .

وقد ساهمت هذه الدينامية،  وتبادل الأدوار بين الهندسة الانتقالية والدستورية، وتكاملها ، في تحييد و إبطال مفعول ثلاث احتقانات  كبرى :  

الاحتقان الأول، سياسي، تعلق برهان إنهاء حالة الصراع الإيديولوجي و السياسي بين الملكية والمعارضة اليسارية بقديمها (الاتحادين الوطني والاشتراكي للقوات الشعبية) وجديدها ( اليسار الماركسي) ، حول  طبيعة السلطة ونظام الحكم ومفهوم الاستقلال والدولة الوطنية . وانتهت بالتوافق حول الملكية وضرورة إنجاح انتقال العرش، وايفاد معارضة الأمس، لتحمل مسؤولية تجربة التناوب التوافقي (1998-2001)، بقيادة الاستاذ عبد الرحمان اليوسفي.

الاحتقان الثاني، الذي عملت الهندسة الانتقالية على تحييده، والتخفيف من حدته وإبطال مفعوله، كان اجتماعيا. عملت ” السياسية الاجتماعية الجديدة ” من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ، ودعم صندوق محمد الخامس للتضامن…

أما الاحتقان الثالث، الذي كانت مسؤولية إبطال مفعوله، استعجالية وحيوية، فكان يهدف إلى عزل وتحييد حركة 20 فبراير، والحد من تأثيرات رجَّاة الربيع العربي، وبالتالي التحكم في المد الاحتجاجي واستثمار الاجابات التي قدمتها الملكية بما يشرعن الهندسة الدستورية الجيدة.

 فالعهد الجديد، بمنظور الملكية ونخبة الانتقال، تأكيد  لتطور الملكية فكريا وتجددها سياسيا. فمرحلة التناوب والانتقال، كمرحلة فارقة، قد رسخت العهد الجديد بشرعياته واختياراته الجديدة، وكذا بأطرافه وفاعليه، والمنبثقة من حركية متجددة هدفت إبطال مفعول الاحتقان الاجتماعي ، وكرست استراتيجية إعادة رسم صورة المخزن البشع والمعاقب. ولذلك جاء التوافق مصلحيا، والانتقال صوريا ، وظل تكيُّفاً  مع متطلبات الظرفية والسياق، وحافظ على الجوهر المخزني للسلطة ، فكان أشبه بتشبيب سلطوي un rajeunissement autoritaire ولبرلة مستنيرة une libéralisation éclairée  ساهمت في إعادة تنظيم وضبط  وتهدئة الحقل السياسي ، و الانتقال من مرحلة الصراع والعنف السياسي الى مرحلة  التوافق ، وتكريس ملكية تنفيذية مهيمنة على الاختيارات والمؤسسات، استطاعت ان تقيم  ” محيطا وقائيا ” في شكل حقل سياسي توافقي وغير مُسَيَّسٍ، Appolitique .

بيد أن البعض، اعتبر أن دينامية العهد الجديد  لم تكن في مستوى الانتظارات والتحديات  ، لأنها لم تحمل مقومات ومداخل تأسيس ومأسسة التحول والتغيير، الهادف إلى إرساء نظام ديموقراطي وبناء دولة الحق والقانون . وقبل هذا وذاك، ضمان تنظيم ندوة وطنية  تأسيسية لانتخاب مجلس تأسيسي، يحدد الاختيارات الاستراتيجية وإعداد وثيقة دستورية حداثية وديموقراطية ، تؤسس لفصل السلط وتحديدها، وتؤسس لنظام الملكية البرلمانية، ولنهاية التحكم والاستبداد، تجرم الفساد، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، تقر بحرية التفكير والمعتقد، وإقامة انتخابات حرة ونزيهة، والتوافق حول ” تعاقد جديد ” حول  المغرب الحداثي والديموقراطي، يؤسس للعدالة الاجتماعية والاقتصادية، والمجالية والضريبية، وتوزيعا عادلا للسلط والثروات.

ان الهندسة الانتقالية و الدستورية ، لم تستطيعا احداث طفرة على مستوى تحديث نظامنا السياسي، بإطلاق صيرورة “التمايز البنيوي والوظيفي”  لبنيات ومؤسسات الدولة والمجتمع، 

Une différenciation structurelle et fonctionnelle ، تمايزا يغير علاقة السياسة بالمجتمع، يغير آليات واشكال التدبير العمومي، وصيرورة مأسسة الاختيارات، وكذا تغيير مفهوم المواطنة

لقد تعاملت الملكية ونخبتها الانتقالية مع رهان  التحديث السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وكذا إعادة هيكلة وتشكيل الحقل السياسي ، كإجابة ” وظيفية” لرهان ضبط النظام ، الاجتماعي والسياسي واستتباب الامن، وتأكيد قوة المخزن وهيبة المؤسسة الملكية، وجاء كإجابة على استراتيجية ملحة، تهم إعادة رسم صورة النظام السياسي، وضبطه عبر تناوب مراقب، ودسترة جديدة ونوعية لموقع المؤسسة الملكية تجاه باقي المؤسسات، دسترة تعتبر الملكية مركز ومحور النظام السياسي   . بيد أن رهان التنظيم السياسي   la régulation politiqueيبقى في المقام الأول، “عملية غير متمركزة في التنظيم وقيادة المجتمع ، الذي لم يعد تحت إمرة وتوجيه وضبط “الدولة الرقيب” . إن إعادة تنظيم المجتمع من أجل ضبطه وقيادته، يمر عبر فسح المجال أمام مكوناته للمشاركة في تسيير الشأن العام، والمساهمة في تقديم اقتراحات وأفكار ومشاريع . إن التنظيم السياسي في مشروع البناء والتغيير “

إن التنظيم السياسي بناء للمواطنة بما هي ” إشراك لقوى المجتمع الحية في عملية التغيير والبناء ، تغير يحدد قيما وحقوقا وواجبات، يحدد إطارا للفعل والحركة، إطارا للمسؤولية ويربطها بالمحاسبة، ويحدد علاقة الدولة بالمجتمع،  يحدد إطارا وحدودا ورهانات للسياسة وللسياسي.

لقد اختلفت المواقف من دينامية التناوب والانتقال. تحدث البعض عن ” استيقاظ و صحوة ديموقراطية للملكية    ، حيث فاجأ “ريح التغيير” الملكي، مؤسسة المخزن ودفعها للتجديد ، وعمل على تحويل الأجهزة التحكمية إلى أجهزة “ديموقراطية” 

إن تحولات الهندستين، الانتقالية و الدستورية، جاءت مُناوِرَة ، وساهمت في تنامي تعبيرات الحركة الاحتجاجية وتسيسها، والتنسيق بين مختلف بؤر ومعاقل الاحتقان والاحتجاج. فبعد بريق ووهج الانتقال والتوافق، حلت مرحلة من الرفض والشجب والاستنكار، وأضحت الدينامية الانتقالية، ناقصة، وغير مكتملة، رجحت كفة التحكم واستدامته sa pérennité ، والذي، على الرغم من تهذيبه وإعادة تنظيمه، عبر انفتاحات وتقويمات، يؤكد أن ” الحكامة المخزنية ” لا تقبل التطور، وتعمل على  ” تحويل الجزء من أجل بقاء الكل” .

إن ما وصل اليه المجتمع السياسي من أفق مسدود وغير مضمون المآل، وفشل في تقديم إجابات على التحديات الاقتصادية والاجتماعية، عمَّق الشعور بواقع ” العجز الديموقراطي، وزاد من حدة الاحتقان الاجتماعي والسياسي، والذي لم تكن الحراكات ، المطلبية والاحتجاجية، على امتداد رقعة الوطن ، سوى تعبيرا من تعبيراته. حراكات  تعمقت مطالبها وتجذرت، وتعقدت تأثيراتها بتنوع طبيعتها و شعاراتها (حرية، كرامة، عدالة اجتماعية، محاربة الفساد والاستبداد…).

كما أن السلطوية ، وإن اثبتت مرونتها في التعامل الاحتقان وبؤر التوتر،  ونجحت في تجديد مصادر شرعية استمرارها واستحواذها على السلطة، وعدم اقتسامها مع فرقاء المشهد السياسي، فإنها ليست حلا، وتأجيل الإصلاح والتغيير أصبح مصدرا للاحتجاج والاحتقان.

الحل هو فصل للسلط وتحديدها، بناء مؤسسات ديموقراطية يؤطرها الحق والقانون، وتوسيع قاعدة صنع القرار.

فهل تجد الملكية ونخبة الانتقال، نفسا حيويا آخرا، من أجل سلامتها، واستقرارها، يضمن مشروعية أوراشها واختياراته.

المراجع:

  1.  Bensbia . N : politique et pouvoir au Maroc , du rejet à l alternance , média stratégie,  Avril 1996.
  2.  Leveau . R :  le Maroc indécis
  3.  Saaf .A :  espérance d’un état  moderne
  4.  Vermeren.P :  Maroc , la démocratie impossible 
  5.  Dalle . I :  le règne d’Hassan 2 (1961-1999), une espérance brisée,  édition Tarek, 2001 .
  6.  Vermeren . P : Maghreb: la démocratie impossible ? Fayard,  2004 .
  7.  Vairel F. : trasitologie, language de pouvoir au Maroc , 2007
  8.  El Masslouhi A. :  la voie marocaine de démocratisation
  9.  El Mosaddeq R. : consensus ou jeu de consensus 1995
  10.  Banegas R. : transitions démocratiques 1993 
  11.  ادريس جنداري، التجربة الحزبية بالمغرب،  قصور التصور وإعاقة الممارية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012


  12. CUBERTAFON,  LA VIE POLITIQUE AU MAROC,  2001
  13.  CHERIFI :  LE MAKHZEN POLITIQUE D’HIER ET AUJOURD’HUI 
  14.  CUBERTAFON :  LA VIE POLITIQUE AU MAROC,  2001
  15.  VAIREL F. : politique et mouvements sociaux au Maroc,  2017
  16. MACIAS :   TRANSITION DEMOCRATIQUR ET PACIFICATION SOCIALE,  2005
  17.   ENHADDOU A. : L EMPIRE DES SULTANS,  ANTHROPOLOGIE POLITIQUE AU MAROC, 2005
  18.  عبد الله العروي :  خواطر الصباح 2016
  19.  محمد أحمد بنيس: لبرلة من دون دمقرطة ، مجلة سياسات عربية، ع 37/مارس 2019
  20.  المغرب الممكن، تقرير الخمسينية 2005
  21.  Bennafla k. : introduction du dossier :  maroc , changements et faux-semblants, confluences méditerranée N 78,  été 2011 
  22.  CATUSSE M. : L’ACTION PUBLIQUE FACE AUX DEBORDEMENTS DU SOCIAL AU MAROC,  IN ETAT ET REGULATION SOCIALE 2006
  23.  ABOUGHAZI A.: brèves réflexions sur les enjeux de la nouvelle politique sociale,  in la question sociale au maroc , nécessité sécuritaire ou stratégie de développement,  2008
  24.  JOBERT B. ET COMMAILLE J. : LES METAMORPHOSES DE LA REGULATION POLITIQUE 1998