صحافة البحث

نور الدين الزاهي: بداية التنقيب في أسرار المغرب المجهولة

- الإعلانات -

كيف أصبح المغرب موضوعا سوسيولوجيا؟ ومتى تم تدشين ذلك؟ هل مع المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر أم بداية القرن العشرين؟ 

قد يختلف الباحثون في الاختيار بين هاتين المرحلتين، وسيكون لكل اختيار براهينه. فالنصف الثاني من القرن التاسع عشر سيشكل مساحة زمنية استقبل فيها المغرب مستكشفين كثرا من أطباء ودبلوماسيين ورحالة مستكشفين تغيوا معرفة واستكشاف البلد وأحوال أهله وعوائدهم، وكم الخيرات التي يتمتع بها، ومدى نفوذ السلطة المركزية. ووسط ذاك الكم الهائل من الرحالة والمستكشفين يمكن تعيين كتابات ورحلات لا يمكن ولم يكن ممكنا للبحث السوسيولوجي أن يتجاوزها نظرا لطبيعتها التوثيقية وغزارة معطياتها، وهنا نخص بالذكر في المستوى الأول الرحالة المستكشف أ. مولييراس صاحب كتاب المغرب المجهول، وشارل دوفوكو مؤلف كتاب الاعتراف بالمغرب، وأخيرا إدموند دوتي برحلتيه في أحضان القبائل ومراكش. 

صورة من دراسة إدموند دوتي “عيساوة تلمسان”

كتابات ورحلات ستشكل أسس المرحلة الثانية من البحث والاستقصاء، التي تم تدشينها بتأسيس البعثة العلمية بمدينة طنجة سنة 1904، وكرسي علم الاجتماع والسوسيوغرافيا الإسلامية سنة 1906 بالكوليج دو فرانس، وبعده بعثة علمية فرنسية مختصة في دراسة الواقع المغربي، وقد اشتغل ضمنها باحثون معرّبون وملمون بالشؤون الإسلامية مثل جورج سالمون وميشو بلير الذي سيوصف بأنه مبدع علم الاجتماع المغربي. وقد تم تحديد أهداف البعثة العلمية في البحث في عين المكان عن كل الوثائق التي من شأنها أن تفيد دراسة المغرب وتمكن من تشكيل صورة عن كيفيات تنظيمه وحياة ساكنته، وكذا التجوال في الميدان لجمع المعلومات الشفوية وتدوين أعراف القبائل وتقاليدها وضبط الزوايا والأسر ذات النفوذ الوازن. 

ستتحول البعثة العلمية من بعثة إلى قسم سوسيولوجي خاص بالشؤون الأهلية، وذلك بعد إلحاقها بإدارة الشؤون الأهلية مكتسبة بذلك صيغة رسمية سنة 1920. 

ألفريد لوشاتوليي (1855 – 1929)

مع إنشاء البعثة العلمية سيعرف المغرب حركة نشر المجلات التي أشرفت عليها، وقد كانت مجلة الأرشيفات المغربية أولى هاته المجلات، ليليها تأسيس ألفريد لوشاتوليي، مؤسس ومهندس البعثة، لمجلة أشمل ستحمل اسم مجلة العالم الإسلامي، وسيكون مجالها البحث في الحضارة الإسلامية بكل معتقداتها وتاريخها ومؤسساتها، مثلما سيتم تأسيس مجلة أخرى لاحقا ستحمل اسم المدن والقبائل بالمغرب من طرف لوشاتوليي وتحت إشراف الجنرال اليوطي. 

لقد تميز الحضور الفرنسي بالمغرب، إلى جانب العنف العسكري، بتأسيس البنيات التحتية العلمية لمعرفة البلد المراد استعماره بالكامل. معرفة لغاته ومؤسساته وقبائله وإدراته وزواياه وقوانينه وأعرافه… في هذا السياق عاش المستعمر صراعا داخليا بين مكوناته سيمثله الصراع بين ما عرف بمدرسة الجزائر ومدرسة الحزب الكولونيالي المتواجدة بالمتروبول. يعتبر إدمون دوتي أحد مؤسسي مدرسة الجزائر التي كانت تدعو إلى استعمار المغرب بأية طريقة وبأي ثمن، ولأجل ذلك ستكثف من الدراسات والرحالات إلى المناطق المجاورة للحدود الجزائرية، وذلك قصد ضبط الساكنة وعدد عدتها من الخيول والبنادق، وكل ما يمكن أن يفيدهم في مقاومة الفرنسيين. أما مدرسة حزب الكولونيالي التي كان ألفريد لوشاتوليي أحد مؤسسيها، فقد كانت تفضل الإخضاع السلمي للبلد. 

عملت المدرستان معا على توجيه الباحثين إلى المغرب والعمل على ترجمة العديد من كتب التاريخ والتراث. في دراسة حول الأدب الكولونيالي يحدد ر.لوبيل اهتمامات البحث الكولونيالي في ثلاث غايات كبرى: 

– التعرف على البلاد واكتشاف خيراتها الفلاحية وثرواتها المعدنية وكذا مؤسساتها وأعرافها وقدراتها العسكرية والبشرية، وذلك لقياس درجة تقبلها للحدث الاستعماري. 

– إنجاز معرفة علمية دقيقة متعددة الاختصاصات تبتدئ بالدراسات العلمية الحقة وتنتهي بالدراسات اللغوية والاجتماعية والجغرافية والتاريخية والإثنولوجية…

– تجميع المعطيات والمعلومات المحصلة وجعلها في متناول المؤسسات العسكرية والسياسية وكذا الجمهور الفرنسي، وذلك لأجل وضعه في الصورة وتحفيزه على القدوم إلى المغرب والاستقرار فيه. 

لقد استطاعت فرنسا بمدرستيها الجزائرية والباريسية أن تنتج في الفترة ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بحوثا استكشافية غزيرة ومتفاوتة الأهمية، ستشكل الأساس الإثنوغرافي الذي ستنبني عليه البحوث اللاحقة سواء السوسيولوجية منها أو غير السوسيولوجية، مثلما ستشكل الأساس الذي سيجعل من المغرب موضوعا للبحث السوسيولوجي.