صحافة البحث

غارسيا ماركيز: كيف تكتب سيناريو بعد كتابة القصة؟(2).. المادة والبناء

- الإعلانات -

يضمن هذا الوضوح والتتابع إنشاء بناء سردي متماسك، إذ يميز ماركيز بين المادة والبناء. أولا يقترح جمع المادة والأحداث ويعلق “يجب أن ندخل المواشي للحظيرة ثم نرى ما سنفعل بها”. بعدها يقترح التقدم خطوة خطوة لكي لا تتراكم الأحداث. التدرج مهم.  يضيف “خوفي هو من تشتت الفيلم في اتجاهات عديدة ويفلت من بين أيدينا مثل دفقة ماء”.

الحل؟

لا يمكن حل كل شيء دفعة واحدة. ودائما يجب توصيف السياق. يوجّه: حدد عدد المشاهد لتوضح تطور كل عاطفة. نوع المشاهد بين داخلي وخارجي لتهوية الفيلم بصريا. ليكن لديك أربعون مشهدا خارجيا وستون مشهدا داخليا على أن تتناوب.

ولتنويع الإيقاع يوجه ماركيز كاتب السيناريو بأن يفصل بين مشاهد الصراع بخلق زمن ميت لتصوير الحياة اليومية والجو العام للأحداث. كما يوصي بتجنب تقديم مشهدين متتابعين في ليلتين لأن المتفرج سيظن أن الحدث جرى في الليلة نفسها. هنا يظهر وعي ماركيز بالزمن وهو يقول “أنا أؤيد جلوس كتاب السيناريو لممارسة المونتاج على المافيولا” (المافيولا هي طاولة المونتاج التقليدية قبل ظهور المونتاج الرقمي). ويشرح أن المونتاج هو ظاهرة التوالي السردي. يستشهد بقولة أستاذته في روما “دون معرفة قوانين المونتاج – وهي بمقام علم النحو السينمائي – لا يمكن لكتاب السيناريو أن يكتبوا مشهدا واحدا صحيحا”. فالمونتاج يعلّم كيفية استمرار القصة الفيلمية. اللقطات تدفق متواصل والعالم لا يتوقف وكذلك تسلسل الأحداث.

المونتاج على الورق

يطبق ماركيز نصائحه على نفسه أولا. وهذا ما يُلزم كل ناصح. يقول “لا أستطيع التخلي عن تخيل القصة بمصطلحات الإخراج والمونتاج”. يضيف “في السينما لا وجود إلا للزمن الحاضر”. أي نبدأ الحكاية من اللحظة ونتجه للمستقبل وتجب الإشارة باستمرار للزمن وعلى المونتاج أن يعكس هذا التقدم الزمني للأمام. وفي حالة العكس فالمونتاج القاصر يدمر الفيلم.

ما الحل؟

يجيب: “من المفضل على الدوام ممارسة المونتاج على الورق – أي رؤية مواقع القطع مسبقا – وفيما بعد في أثناء التصوير –  تصوير ما يجب تصويره فقط – يتم المونتاج على المافيولا حيث يجب أن تكون الأمور محسومة”.

يميز ماركيز بين مستويات القصة وهي:

 المستوى الدراماتورجي – المستوى التقني – المستوى الأسلوبي – النبرة.

ويقول إنه “بعد بناء القصة أي البداية والنهاية يتم إعداد الحشوة”. يبدو أن يفكر في بناء قصصه كطباخ. يقصد بالحشوة ملء الفراغ بين الأحداث ببعض المواقف الحاذقة على أن تكون القصة متماسكة وجاذبة تتوالى فيها الأحداث بتفصيل. وفي منتصف الفيلم ينبغي البدء في حل العقدة مرحليا. وبعد الانتهاء من الصياغة الأولى للسيناريو يقترح مراجعة شاملة لما أنجز وذلك بعرض الفيلم “مشهدا بعد آخر لنر إلى أين يقودنا؟” ما كتبناه.

يطالب ماركيز  بالتوازنات، يريد أن نفحص ما فعلناه في البداية لنقرر ما سنفعله في الختام. وذلك لخلق تشابه وتواز بين مقطع البداية ومقطع النهاية.

 وهذا تذكير بالهدف الأول. يقول الخبير موجها: يجب كتابة سيناريو من أجل تصوير فيلم. لا تنس مصير ما تكتب. لذا لابد من قصة تتحمل التطوير باللغة السمعية البصرية. 

يتجلى الوعي بالصورة لدى الكاتب في روايته “مائة عام من العزلة” حين يصف القطار بأنه “مطبخ يجر وراءه قرية”. حين قرأت الكتاب لم أكن قد رأيت القطار بعد. لذلك كان ذلك الوصف محرضا على تصور دخان المطبخ يجر الغرف. في بناء القصة يتحدث عن الحشوة. وكأن القصة سمكة سيدفع بها إلى الفرن. يبدو أن ماركيز يفكر في بناء قصصه كطباخ. يتحدث عن طهي الصور في “نزوة القص المباركة” عن طهي الواقع لتجنب استنساخه لأن من يريد البقاء في الواقع لا يحتاج إلى صناعة فيلم.

تظهر عبقرية ماركيز في تكامل أعماله وتواصلها. من يكتب الرواية بالصور يستطيع أن ينتقل للسيناريو بسهولة  لم أنس أبدا سحر هذه الجملة لأني يوم قرأتها لم أكن قد رأيت القطار بعد. السيناريو قصة وصور.

هذا عن المطلوب في القصة والسيناريو. فما المطلوب في كاتب السيناريو؟ كاتب السيناريو المرؤوس من المخرج ويطلب منه: – دقة النظر – أن يروي القصة بالنبر الذي تتطلبه لأن كل قصة تحمل معها تقنيتها الخاصة ويجب أن يكتشفها كاتب السيناريو –  أن يشطب كثيرا – ألا يظن أنه بوجود الشخصية صار كل شيء محلولا – أن يفهم الواقع – أن يتوفر على غرام جنون أي إلى أي حد يمكن ليّ الواقع وما هي حدود المحتمل للتصديق – أن يمارس الحكي مثل حرفة، كالنجار مثلا – ليس هناك أسوء من قصة يتم تطويلها. يقول “الحياة مثل ليمونة، لا يمكن عصرها أكثر مما تحتويه قشرتها” – لابد من قصة عضوية لتجنب تشوش الصلة بين المشاهد – لابد للقصة من طرح، من محور تبنى الأحداث حوله، يمنح تماسكا لحركة الأكشن – مع الحرص على حكاية القصة بالصورة. أي السرد بمصطلحات بصرية: وصل، جلس، خلع…

يوجه ماركيز السيناريست لكي يعي علاقته بالمتفرج ثم ينصحه بالوضوح. يضيف ماركيز “إن الناس لا يفهمون دائما فحوى الأعمال. لهذا من الأفضل روايتها لهم مباشرة؟ ينصحه بالعاطفية لأنه “يجب أن تتوافر في الفيلم التلفزيوني حركة دائمة وإلا فإن المشاهدين سيبدلون القناة” ص151. أيها السيناريست ابحث عن الصور، لتكن فيها رموز واستعارات. ابحث عن مشاهد استدرار الدموع، فالمتفرج يريد البكاء وأنت قدم له الذريعة ولكن في النهاية اعمل أن يخرج الناس من مشاهدة فيلمك متأثرين متحمسين وليس بقلوب كسيرة.