صحافة البحث

نور الدين الزاهي: إيدموند دوتي.. من الرحلات إلى رصد المعتقدات

- الإعلانات -

يعتبر إدموند دوتي، إلى جانب أوكيست مولييراس وشارل دوفوكو من أهم أعلام الإثنوغرافية الفرنسية التي غطت نهاية القرن التاسع عشر بالوصف والتجوال والترحال بين المدن والقبائل المغربية. وتعتبر رحلتا “مراكش” و”في رحاب القبائل” الإنجاز الأكبر لهذا الإثنوغرافي. لقد تمكن من خلالهما من تغطية مجالات قروية وقبلية متعددة من حيث جغرافيتها ولغاتها وسلوكاتها ومعتقداتها. من مراكش سيخرج إ. دوتي ليتنقل بين أغمات وزاوية تحناوت ومولاي إبراهيم فقبائل مصمودة والأطلس الكبير، فقبلة حاحا والصويرة أو موغادور ثم الرباط فمكناس (بلاد عيساوة كما نعتها دوتي) ومولاي إدريس زرهون… وبعدها سينجز رحلته الثانية والتي سينطلق فيها من البيضاء في اتجاه أزمور عبر الشاوية ثم من أزمور عبر دكالة حيث سيعاين وسيصف ويصور الأضرحة والأسواق والدواوير ويسجل أغاني الحصاد… وبعدها سيتجه نحو الرحامنة عبر قلعة سراغنة حيث سيدون كل ما يتعلق باللباس والمأكل وطقوس الزواج والولادة وأنماط حلاقة الشعر والختان والجنازة والأعياد الدينية وطقس الاستقصاء والعنصرة ولعبة شيرة ثم الأوضاع الاجتماعية للقبيلة ليختم رحلته بالعودة إلى مراكش. 

تتخلل رحالات دوتي معطيات نظرية وسوسيولوجية موزعة بين مارسيل ماوس وإيميل دوركهايم وفرايزر وتايلور، مثلما يخترقهما الإحساس الأوروبي الذي يكتشف ويندهش من كل أنماط العيش البسيطة والتي تذكره بأوروبا القرون الوسطى، ويتأسف على بدائية العيش والملبس والمأكل، مثلما يأمل أن يتمكن الأهالي من التعاون مع الأوروبيين من أجل إدخالهم إلى قارة الحضارة وإخراجهم من وضعية العتاقة والتوحش. 

تحت ظل نزعته المنهجية الوضعية والتطورية ورومانسيته الشخصية، يقدم دوتي في رحلاته معطيات أنثروبولوجية واجتماعية ولسانية وفوطوغرافية للقبائل والزوايا، يرغب من ورائها أن يبين للأوروبيين عامة وفرنسيي الميتروبول جمال المغرب وفقره، ثرواته الثقافية والطبيعية وبساطة أهله وسذاجتهم وبدائياتهم وذلك لأجل تحميل فرنسا مهمتها التاريخية والتنويرية المتمثلة في إدخال الحضارة دون تدمير الطبيعة. 

يندهش إ. دوتي، مثله في ذلك مثل شارل دوفوكو وآخرين، من مفارقة كبرى اخترقت مغرب القرن التاسع عشر. مفارقة متعايشة بشكل عجيب وغريب إلى درجة يصعب تصديقها بالنسبة لمن لا يعرف المغرب والمغاربة. تتجسد هاته المفارقة في كون النظام الاقتصادي المغربي فقيرا ومنغلقا على ذاته ويعتمد على الكفاف والاكتفاء الذاتي للقبائل، في حين تنبني العلاقات الاجتماعية على الشرف والبذخ والاسراف والبذل سواء في فعل البناء والتخريب. وسواء في النزاعات والخصومات القبلية أو في طقوس الحياة والموت، يحضر البذل والبذخ في شكل هدايا وعطايا وأضاحي ومأكولات… 

هذا اللاتوزان واللاتكافؤ بين الاقتصادي والاجتماعي وصفته الأنثروبولوجيا مع كل من ماوس وفرايزر في المجتمعات المسماة بدائية، ويؤكده دوتي باندهاش كبير عبر رحلاته، ليلحق المغرب العتيق للمجتمعات البدائية، والتي تستطيع وحدها أن توازن بين آليات تدبير اقتصاد الكفاف وبذخ العلاقات الاجتماعية. 

غلاف كتاب السحر والدين في إفريقيا الشمالية لإدموند دوتي

لقد شكلت ملاحظات دوتي المرحلة الأولى التي ستدفعه إلى تخصيص دراسات متفرقة حول القبائل (قبيلة حاحا مثلا) وأخرى حول الزوايا، (عيساوة مثلا) وبعد سيمر إلى البحث النظري المعمق والمسنود بالمعطيات الميدانية السالفة الذكر. سينجز إ. دوتي أطروحته الأسياسية حول “السحر والدين في إفريقيا الشمالية” وهي عبارة عن تدشين لسوسيولوجية الدين بالمغرب. 

يدمج دوتي في مؤلفه السابق الذكر جزء لا يستهان به من رحلته بمراكش، وذلك لإثبات أطروحته الأساسية والمتمثلة في كون السحر إبداعا جماعيا وجمعيا، ولأنه كذلك فهو أصل الدين. بل إننا لا يمكن أن نفهم ونفسر الديانة دون فهم للسحر. لقد عمل الإسلام، في نظر دوتي، على فتح الباب أمام المعتقدات السحرية، وذلك عبر الدعوة إلى الاعتقاد في الجن. إضافة إلى ذلك، يرى دوتي أن الإسلام لم يعمل سوى على تعويض الرموز السحرية بالرموز الدينية (تعويض أسماء النجوم بأسماء الله الحسنى). 

يسند دوتي أطروحته تلك بالمعطيات الأنثروبولوجية الفرنسية والإنجليزية، مثلما يدعمها بما عاينه وجمعه خلال رحلاته عن السحر والممارسة الطقوسية والسحرية بالمغرب (طقوس العين العائنة)، طقوس البحث عن الكنوز، طقوس دفع الحسد، طقوس جلب الحظ، طقوس الخصوبة، الطلسم والحروزة…) وهي طقوس يصعب تلخيصها وإيجاز المعتقدات الكامنة وراءها. يختم دوتي  مؤلف الضخم عن الممعتقدات الدينية والطقوسية بالمغرب، بفصل خاص عن التضحية والأضحية، وذلك لكي يكمل خطاطته النظرية بالرجوع إلى الأطروحة الدوركهايمية حول الطوطامية. يجد هذا الفصل موقعه في تصور دوتي لعلاقة الإسلام المغربي بالسحر في كون علاقة بين الساحر والعالم الإلهي تتطلب أضحية/حيوانا يكون هو وسيلة التوسط والعبور. ويسرد دوتي بهذا الخصوص طقوس الزوايا، حيث ينتشر طقس التضحية بحدة وشساعة غير معهودة في باقي الطقوس، وذلك لكي يعود من جديد إلى ختم مؤلفه بالعودة إلى مجال المقدس وخاصياته في الإسلام المغربي.