صحافة البحث

نور الدين الزاهي: روبير مونتاني وولادة البروليتارية المغربية

- الإعلانات -

روبير مونتاني من أهم أعلام السوسيولوجيا الكولونيالية. كان عسكريا فرنسيا، ساهم في سن الثامنة عشرة في الحرب العالمية الأولى، ثم التحق بالجيش الفرنسي الموجود بالمغرب، حيث أصبح مراقبا للطيران المدني بمهدية. لاحظ الجنرال اليوطي خبرته ومعرفته (إجازة في الفلسفة)، فكلفه بمهمة أساسية هي إنجاز بحث حول أصول سلطات القياد الكبار بالجنول المغربي، وقد جاء كتابه “البربر والمخزن” جوابا عن جوابا عن هذا الطلب. 

أسس سنة 1936 مركز الدراسات الإدارية الإسلامية العليا ومجلة “إفريقيا – آسيا” سنة 1937، ثم عيّن فيما بعد مدرسا بالكوليج دي فرانس. 

مع عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، سيعرف المغرب بروز ظاهرة جديدة هي ظاهرة الهجرة من القرى نحو المدن، وستشكل هاته الظاهرة بتزايدا تهديدا للأمن الكولونيالي، وبسبب ذلك ولأجل تلافي المخاطر غير المتوقعة لعاته الظاهرة، ستعمل السلطات الاستعمارية على تنظيم بحث ميداني يخص الظاهرة عموما والبروليتاريا خصوصا. سينجز هذا البحث سنتي 1945 و1948، وذلك بمعهد الدراسات الإدارية الإسلامية العليا وتحت إشراف روبير مونتاني. 

دراسة مونتاني حول البورليتاريا

مع حرب الريف، سيعلن مونتاني أن أمر معالجتها يجب أن يعتمد، إلى جانب الأسلوب العسكري، الأسلوب السياسي الذي يفترض معرفة كاملة بالقبائل والقوى الاجتماعية التي تعبر عنها. وبسبب ذلك كان مونتاني من بين المتفاوضين مع محمد عبد الكريم الخطابي. إن معرفة مونتاني بتطورات المغرب والعالم الإسلامي، ستسمح له، ولو بعد تهدئة المغرب، أن يظل أحد أعمدة السياسة العلمية الاستعمارية. فقد كان هدف إنشاء معهد الدراسات الإدارية الإسلامية العليا هو التنسيق بين جميع الإدارات الموجودة بإفريقيا الشمالية وتمكينها من تكوين إداري متين. فزمن تأسيس المعهد هو زمن يقظة الحركات التحررية بإفريقيا الشمالية، ومهمة المعهد هي تمكين الموظفين الإداريين والعسكريين من تكوين سياسي شامل حول التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلد الذي يمارسون به مهامهم. هكذا، سيهتم المعهد بمجموع العالم العربي الإسلامي عكس المعهد العالي للدراسات المغربية، الذي ظل اهتمامه منصبا على المغرب. لقد افتتح المعهد نشاطه بإنجاز دراسات عديدة همت المجال القروي المغربي، وشغل ضمن أحضانه بحتة وازنين مثل جاك بيرك وأندري آدم. فضمنه سيتمكن بيرك من دراسة وتفسير السياسة الفلاحية، مثلما في سياقه سيتم إنجاز البحث الضخم عن البروليتاريا المغربية. لقد تم هذا البحث الميداني في إطار مسلك أو شعبة السوسيولوجيا التابعة لوزارة الداخلية، وذلك بالتعاون مع المراقبين العسكريين والمدنيين والباطرونا الفرنسية والمتطوعين من البحاتة. ولم تشارك في إنجازه لا النخبة المغربية ولا النقابات. 

جمع المعهد، تحت إشراف ر.مونتاني، كل المعطيات الميدانية المتحصل عليها، وتم تحريرها في شكل تقرير مفصل متضمن لنتائجها وخلاصاتها، وسيتم إصداره في كتاب حمل عنوان “ميلاد البروليتاريا المغربية”. 

لقد عرف عقد الثلاثينيات، حسب مونتاني، تزايد الهجرة، وتكاثر عدد اليد العاملة المغربية وكذا تنامي درجات البؤس الاجتماعي، خصوصا في مدن الصفيح العمالية، وهو ما فرض ضرورة إنجاز هذا البحث لأجل معرفة وفهم وتفسير نمط العيش الجديد وصعوباته وبعض نتائجه الجديدة، كخوض الإضرابات والاحتجاجات، وكذا ضبط الشروط الكامنة وراء هاته القوة الاجتماعية الجديدة. سيتمحور الجزء الأول من البحث حول الهجرة القروية، وسيكون الهدف من وراء ذلك هو الجواب عن السؤال: كيف يمكن تفسير حركة الهجرة وارتفاع وتيرتها؟ 

المجموعات الاثنية للمغرب (بحث مونتاني حول ميلاد البروليتارية في المغرب)

سيسجل البحث تفكك نمط العيش القروي العتيق ومعه تفكك النظام والبنيات الاجتماعية ذات الأساس القبلي. وبعدها سيرجع الظاهرة إلى عاملين أساسيين: 

تمثل الأول في الجفاف الذي عرفته البلاد وشح التساقطات المطرية الذي ستعيشه القرى، والذي سيدفع الساكنة إلى الهجرة نحو الشمال ومن القرى إلى المدن. وقد تعت مونتاني هاته الحركة بأنها تشبه حركة الجراد وهو يصعد شمالا مدفوعا بغريزته الطبيعية. 

أما الثاني، فيرجعه البحث إلى استبداد القياد الكبار واتساع الاقتصاد المالي وتجريد الفلاحين من أراضيهم من طرف الفرنسيين، وسيادة المقاولات والشركات التجارية بالمدن، والتي سترفع وتيرة النماء الاقتصادي والاجتماعي. 

وقد خلصت الدراسة إلى خلاصات تهدف إلى فرملة وتيرة الهجرة وكذا الحركة العمالية التي تتولد عنها، من بينها ضرورة فرض سيادة المخزن في المدن وإعادة تشكيل الخريطة القبلية بالمغرب، وذلك عبر تهجير القبائل المتضررة والفقيرة إلى جوار القبائل الغنية. 

لقد شكل البحث في أسس ولادة البروليتاريا المغربية، على الرغم من كل ما يمكن للباحث أن يسجله من مؤاخذات حول الأحكام الإيديولوجية والاستعمارية والمدن المستهدفة بالبحث…، بداية ظهور سوسيولوجيا جديدة لا تستقي موضوعها من مغرب الزاوية والقبيلة والمخزن، بل من ظواهر راهنة وحديثة.