صحافة البحث

نور الدين الزاهي: روبير مونتاني.. ثورة في المغرب.

- الإعلانات -

تعتبر السوسيولوجيا الكولونيالية معرفة سوسيولوجية بالمعنى الكامل للكلمة. إنها معرفة مجهزة منهجيا ونظريا وميدائيا. وهي معرفة كولونيالية من حيث إن ما تحكم فيه ليس فهم المجتمع المغربي وضبط آلياته وتحولاته فقط بل فهمه لأجل التحكم فيه من طرف المؤسستين السياسية والعسكرية الاستعماريتين.

ضمن هذا السياق يمكن القول بأن المجتمعات التي تعيش وضعيات إستعمارية يتحكم فيها نوعان من الصراع: صراع القوة وصراع المعنى،  الصراع السياسي والعسكري الخاضع لمنطق الغلبة والصراع المعرفي الخاضع لامتلاك أدوات ومؤسسات البحث العلمي. يعتبر عبد الله العروي روبير مونتاني من أهم علماء السوسيولوجيا الكولونيالية. فعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت لنظريته – يقول العروي – تظل أطروحته الأطروحة الوحيدة بالمعنى الدقيق للمصطلح طيلة الفترة الاستعمارية، حيث سيبلور نظرية تفسيرية عامة للمجتمع الإفريقي الشمالي. فإلى جانب أطروحته حول الكشف عن أصول سلطات القياد الكبار بالجنوب وبحثه في شروط ولادة البروليتاريا المغربية،  سيختم هذا العالم اهتمامه بالمجتمع المغربي بكتاب هامجدا عنونه بثورة في المغرب. وضمنه يرصد التحولات الكبرى التي سيعرفها المغرب طيلة الفترة الاستعمارية وإلى حدود النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي. 

كتاب مونتاني: ثورة في المغرب (1953)

يتكون الكتاب من مقدمة وخلاصة وثلاثة فصول: 1- مظاهر ثلاثة: القبائل، المدن، المخزن. 

2 – رجالات ثلاثة: ليوطي، عبد الكريم الخطابي، سيدي محمد بن يوسف.

 3 – أزمات ثلاث: أزمة البروليتارية الحضرية، أزمة الشباب، أزمة الدولة. 

يشكل الفصل الثالث في مقامنا جوهر المقصود. فضمنه يوضح مونتاني الأزمات الكبرى التي ستلاحق المغرب ليس فقط إلى ما بعد الاستقلال بل إلى أيامنا هاته. فبسبب فانون تحفيظ الأراضي الذي فرضته فرنسا، سيفقد الفلاحون الصغار أراضيهم ليصبحوا عمالا في أراضي القائد والباشا، وبما أن بطش هؤلاء – يقول مونتاني- كان شديدا، فقد اضطر جلهم إلى الهجرة إلى المراكز الحضرية. وبسبب ذلك ستعرف الحواضر اتساعا سيدعمه تنامي التصنيع وتوافد المنتوجات الأوروبية المصنعة، الأمر الذي سيؤدي إلى تقهقر الهياكل الاقتصادية من صناعة حرفية وتقليدية وكذا التجارة المرتبطة بها. من نتائج كل ذلك بروز ظواهر جديدة لم يعرفها المغرب من قبل: انتشار ظاهرة النساء الخادمات ببيوت الأوروبيين – بروز ظاهرة المدن الصفيحية – انتشار ظاهرة الجريمة الحضرية – ارتفاع نسبة الطلاق – بروز ظاهرة الحرف الهامشية – انخفاض المستوى المعيشي – تنامي ظاهرة البطالة بالمدن… 

سيعرف المغرب إلى جانب ذلك، ولأول مرة في تاريخه، بروز ظاهرة الشباب بما هي ظاهرة حضرية بامتياز. إنها حسب مونتاني، نتاج لعدم تكيف الأجيال الجديدة مع الدولة العصرية التي شيدها الفرنسيون. وسيساهم التعليم الموزع بين العصري والأصيل والعسكري والحر في ظهور سلوكيات شبابية جديدة. فرواد التعليم الأصيل سيصفون رواد التعليم العصري بالجحود، وهؤلاء سيصفونهم بالجمود والتخلف. وستختلف قيمهم وسلوكاتهم تجاه الأسرة والمجتمع. مثلما ستتمايز أوضاعهم الاجتماعية، فخريجو التعليم الأصيل سيعانون من ندرة فرص العمل عكس أقرانهم في التعليم العسكري والعصري. وبسبب ذلك سيلجأ الكثير من الشباب إلى تنظيم أنفسهم في جمعيات وتنظيم أنشطة ثقافية والانخراط في تنظيمات الحركة الوطنية. إلى جانب ذلك – يقول مونتاني – ستعمل فرنسا على تهديم الأسس التقليدية للدولة المغربية. وذلك عبر تغيير البنيات الإدارية في المدن والقرى. وقد تمكنت فرنسا من ذلك بفضل ارتكازها على عاملين أساسيين: 

تمثل الأول في اعتمادها على الأعيان وشبكات الوسائطية التي كان المخزن يستخدمها في تفكيك البنيات الإدارية للقرية والمدينة، وثانيها تفكيك البنيات الدينية بفاعيليها ومؤسساتها، وهو ما عرف بالسياسة الإسلامية للجنرال ليوطي. 

إن اعتماد سلطة الحماية على ترسيخ جهاز إداري جديد إلى جانب إدارة المخزن واستثمار الأعيان وبعض العلماء وشيوخ الزوايا في توسيع مجال سيطرتها ستكون نتيجته، كما يقول عبد الله العروي، أن مغرب ما بعد الاستعمار سيجد نفسه ضمن جهاز مخزني عتيق يعج بحاشيته من أعيان القصر والشخصيات الدينية، يتعايش مع جهاز إداري عصري لا يعرف أحد المغاربة كيفية تسييره باستثناء الفرنسيين بطبيعة الحال.