صحافة البحث

[تحليل] قضية “هاجر الريسوني”.. هل حان وقت “إجهاض” صحافة التشهير بالمغرب؟

- الإعلانات -

لم يكن في حسبان من يخلط مداد محبرة صحافة التشهير في المغرب، أن تنتهي معاناة “هاجر ورفعت”  ومن معهما بهذه السرعة، ليقرر الملك محمد السادس أن يصدر عفوه على هاجر الريسوني ورفعت الأمين والطبيب جمال بلقزيز وطاقمه الطبي. وذلك بعدما استأسد بعض “صحافيو” هذه المنابر وضغطوا، عبر خط من يرسلهم إلى القنوات الفضائية، من أجل ترنيم خطاب حددت معالمه بربط هاجر بالفقيه أحمد الريسوني رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. وحسبها عُنوة على التيار الإسلامي الذي ينتمي له عمها. وأيضا بترديد رواية محضر الشرطة الذي وزّع على منابر إعلامية، نشرته دون أن تنتظر كلمة القضاء لتدين بذلك هاجر الريسوني أمام الرأي العام بنشرها “نتائج” الخبرة الطبية التي أجريت عليها بدون رضاها في ضرب لالتزامات المغرب الدولية التي تصنّف إجراء خبرة على شخص دون رِضاه، ضمن حالات التعذيب الجسدي، وهذا ما أكده الدكتور هشام بنيعيش من خلال إحالته على بروتوكول إسطنبول الذي ينص على أنه “لا يجـوز فحـص الأعضاء التناسلية إلا بموافقة المصاب، وينبغي إذا اقتضى الأمر إرجاء هذا الجانب من الفحـص إلى موعد لاحق، ولا بد من حضور رقيب إذا كان نوع جنس الطبيب مختلفا عن نوع جنس المصاب (الفقرة 185)”.

هذه الخبرة التي لم تناقش المواقع التي نشرتها، مشروعيتها من عدمه، بل عممت تفاصيلها لتتجاوز بذلك قضية هاجر “الاعتقال بدون سند قانوني قوي” و”إجراء خبرة بدون إرادة هاجر” إلى الفضح والتشهير في وسائل الإعلام المعروفة بخوضها حملات التشهير بهاجر منذ اليوم الأول لإحالتها على النيابة العامة، مع انحياز هذه المواقع إلى رواية الأمن واعتماد تفاصيل “الخبرة القسرية” دون احترام لقرينة براءة هاجر ومن معها. 

سليمان الريسوني رئيس تحرير “أخبار اليوم”(صورة خاصة)

سليمان الريسوني، رئيس تحرير جريدة “أخبار اليوم” وعم الصحفية هاجر الريسوني، اعتبر في تصريح لـµ أن “في قضية هاجر حدث تحول مهم وغير مسبوق في الأدوار المنوطة بصحافة التشهير في المغرب، حيث انتقلت من لعب دور بوق بروباغاندا السلطة إلى الابتزاز، وأيضا إلى تصدير منهجيتها في العمل خارج الحدود”. موضحا في ذات الحديث أنه “بعدما كانت صحافة التشهير تؤلف قصصا لا أخلاقية ضد الأشخاص المزعجين، أو تتلقى معلومات عن حياتهم الخاصة، من جهات داخل الأمن، وتعمل على تضخيمها وتهويلها قبل نشرها.. أضيف إلى أدوار صحافة التشهير، مع قضية هاجر الريسوني، دور آخر هو الابتزاز في المواقف؛ حيث كانت المواقع والجرائد التي يشرف عليها مسؤولان كبيران (سابقان) في السلطة، تتصرف كعصابة اختطفت ابن أحدهم وتطالبه بفدية. وقد ظهر هذا بوضوح حين تم ربط هاجر بعمها أحمد الريسوني، والقول إن اعتقالها لم يكن بسبب سلطات ظالمة، وإنما فقط بسبب قوانين ظالمة يحول الإسلاميون دون تغييرها”. ليوضح أنه “سرعان ما تبين لهذه “العصابة الصحافية” ومن يحركها في السلطة أنهما اختطفا الشخص الغلط، أولا لأن هاجر لا علاقة لها بحزب العدالة والتنمية وتنظيماته الموازية، ومواقف الإسلاميين من الحريات، وهذا الحزب لم يتضامن معها كما فعلت الأحزاب اليسارية مثل التقدم والاشتراكية وفدرالية اليسار والنهج الديمقراطي. وثانيا لأن المغاربة لم تنطل عليهم الحيلة لأنهم يعرفون أن سقف الحريات حينما تتماس مع الشأن الديني، لا يتحكم فيه الأصوليون أو الحداثيون بل المؤسسة الملكية التي إذا قررت إيقاف تجريم الإجهاض والعلاقات الجنسية الرضائية فلن يقوى البيجيدي على رفض ذلك”. التحول الثاني، يضيف الريسوني، الذي عرفته صحافة التشهير في ملف هاجر هو “أنها أصبحت عابرة للحدود، حيث لاحظنا نفس الأسلوب المغربي في التشهير بهاجر وعائلتها لدى صحافة محور الثورات المضادة، وخصوصا السعودية، التي أرادت أن تخندق هاجر في صفوف الإخوان المسلمين لتصفية حسابات كبيرة مع دولة قطر، قبل أن تصدمهم عدد من المواقع المستقلة وضمها موقعكم، بنشر تدوينات ومواقف عبرت عنها هاجر ذات نفس حداثي وليبرالي واضح من مسألة الحريات الفردية”.

مقال موقع mupresse حول حقيقة تبني هاجر لأفكار إسلاموية

وجوابا عن إمكانية ضد محتوى البلاغ الملكي الخاص بالعفو على هاجر الريسوني على المجلس الوطني للصحافة لتحريك مسطرة ضد هؤلاء المواقع والجرائد؟ يوضح الريسوني: “كان يمكن أن يتحرك المجلس الوطني للصحافة، ضد صحافة التشهير، التي نكلت بأخلاقيات مهنة الصحافة، لو لم يكن رئيس المجلس، الزميل يونس مجاهد، متورطا بدوره في التشهير بزملاء له. ويكفي أن أذكركم بأنه عندما كان مجاهد نائبا لرئيس الفدرالية الدولية للصحافيين (fij) قدم نساء لا علاقة لهن بمهنة الصحافة إلى رئيس الفدرالية السابق فيليب وروث، على أساس أنهن صحافيات “اعتدى عليهن بوعشرين بوعشرين”، فتورط بعث فيليب وروث وبعث رسالة إلى هؤلاء النساء يعلن تضامنه معهن و”يلعن” فيها زميله الصحافي المعتقل، ومن محاسن أو مساوئ الصدف أن إحدى هؤلاء نشرت الرسالة التي على صفحتها بالفايسبوك، وفضحت اللعبة”.

أما فيما يتعلق بإعادة تنظيم حقل الصحافة والنشر وجعل أخلاقيات المهنة فوق كل الحسابات سياسية أو الإشهارية وغيرها من الرهانات؟ يوضح الريسوني: “ تنظيم حقل الصحافة والنشر وإعادة “الزملاء الضباط” إلى مخافرهم بدل مقرات الجرائد، سيتم عندما نصل إلى ديمقراطية كاملة، وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة”. 

عزيز إدمين (الفايسبوك)

من جانبه أوضح عزيز إدمين، الباحث والخبير الحقوقي لدى مجموعة من المنظمات الدولية أن “صحافة التشهير لم ترتبط فقط بقضية هاجر الريسوني، بل يمكن ملامستها من سنوات، حيث مجموعة من المواقع التي تشن حملات تشهير باستعمال الأخبار الكاذبة والسب والقذف في حق مجموعة من الشخصيات العمومية والصحفية والمدافعين على حقوق الإنسان”. مضيفا أن “هذه الصحافة تتمتع بحماية خاصة، حيث لا تتم متابعتهم قضائيا كما أن مصادر دخلها وتمويله مجهولة، مما يوحي بوجود صناديق سوداء داعمة لها، إذن فهي بالإضافة إلى الحماية من المتابعات القضائية تتمتع بدعم مالي مجهول”.

وأضاف إدامين أن “ما وقع مع الضحفية هاجر، هو كون هذه الصحافة زادت في ميوعتها وفي أسلوبها الرخيص في تعاطيها مع امرأة ومع جسدها أيضا، مما جعل كل المهتمين ينتبهون إلى تغلغل صحافة التشهير في الإعلام والصحافة، وأنها أخطبوط مُفكر فيه ومخطط له جيدا ويوجد “عقل” ينسق بين عشرات المواقع الإلكترونية، فيكفي أن يلاحظ الملاحظ نفس المواد الإخبارية بنفس الصيغ والتوجه يتم الترويج لها في أي حملة تشهير”.

وبخصوص قضية هاجر أوضح إدمين “لا أعتقد أن قضية هاجر سوف تُجهض هذا الإعلام الرخيص، نظرا للأدوار التي يقوم بها وحاجة بعض الجهات لهذه الأدوار في حملات أخرى قادمة، كما أن الإرادة السياسية والقضائية غائبة في وقف هذا النزيف الإعلامي”، موضحا “كما أن المجلس الوطني للصحافة غير قادر على التصدي لهذه المواقع، فيكفي تدقيق بلاغه المتعلق بقضية هاجر، حتى يتبين كيف تم لي عنق قانون المجلس حتى لا تكون أي إجراءات تأديبية في حق هذ الصحافة التشهيرية، والأيام بيننا، هل سوف يصدر المجلس عقوبات أم لا؟”.

نقابة الصحافة أيضا، يضيف إدمين، لا تستطيع أن تحد من التشهير، مع العلم أن نقابة الصحافة ومجلس الصحافة وجهان لعملة واحدة، وذلك لكون عشرات من الصحفيين المنتمون لهذه المواقع الإلكترونية هم أعضاء في أجهزة وتنظيم النقابة .

وختم إدمين كلامه “نظرتي سوداوية وغير مُتفائلة، ولكن واقع الحال هو هذا، فهذه المواقع لها حماية من جهات ربّما تسمو على القانون والدستور”.