صحافة البحث

نور الدين الزاهي: مغرب الزاويا والصلحاء

- الإعلانات -

لم يفت المستعمر الفرنسي أن يوجه باحثيه لتغطية المجال الديني بضلحائه وزواياه وطرقه الصوفية. فالزوايا شكلت طرفا أساسيا في الثلاثية المشكلة للمغرب العتيق إلى جانب المخزن والقبيلة. وقد بدأ الاهتمام بهذا المجال مع مدرسة الجزائر، وذلك من خلال أعمال إثنوغرافية مهمة على رأسها مؤلف لويس رين “الصلحاء والإخوان” وكذا مؤلف كزافيي كوبولاني ول. ديبونت “الطرق الدينية الإسلامية” وذلك مع متم نهاية القرن التاسع عشر، لتليها أعمال أ.دوتي وجورج سبيلمان أو جورج دراغ. 

غلاف دراسة “ألصلحاء والإخوان” للويس رين

مع لوين رين سيتم البحث في العقيدة السياسية للإسلام، حيث سيشكل إسلام البدايات في المشرق موضوع الفصل الأول، وبعدها سيصب المؤلف على البحث في الولي والولاية في المنظومة الدينية الإسلامية. ممهدا بذلك الطريق لولوج موضوعته الرئيسية المتمثلة في الطرق الدينية. في الفصل الثالث والمخصص للزوايا، سيتم تعداد الطرق الدينية المتواجدة بالمغرب العربي والبحث في أصولها: الطريقة الصديقية والعيساوية والجنيدية والقادرية والنقشبندية والخلوتية والطيبية… مثلما سيقوم رين بإحصاء مراكزها وعدد مريديها ومقدميها وفروعها وفقرائها، وذلك لضبط عدتها وعددها. يقول لويس رين إن رجال الدين في الإسلام يواجهون النموذج الحضاري الأوروبي، ولذلك لا بد من تسليط الأضواء على هاته القوى الدينية التي تشكل خطرا على هذه الحضارة بحكم طبيعتها التنظيمية والسياسية. وبسبب ذلك من المفروض على فرنسا أن تتعرف على هاته القوى وعلى تصوراتها وطرق عملها واتجاهاتها ومبادئها. لا يكمن الخطر، حسب لويس راين، في الإخوان والفقراء والأتباع. فكل هؤلاء أناس سذج وبسطاء ولا مرامي سياسية لديهم، بل كل الخطر يجسده من يستغلونهم من القيادات السياسية للزوايا: الشيوخ والمقدمين. ولذلك يختم المؤلف كتابه بدعوة فرنسا إلى القيام بعملية انعتاق لهؤلاء المحرومين والمستغلين من الإخوان والفقراء والعمل على إدخالهم إلى فلك الحضارة الأوروبية. 

غلاف كتاب “الطرق الدينية الإسلامية”

مع كتاب “الطرق الدينية الإسلامية” سينتقل البحث الكولونيالي إلى مستوى أعمق من سالفه. سيتطرق كزافيي كوبولاني ولوكتاف ديبونت باستقاضة وعمق للإسلام ونشأته وتطوره عبر التاريخ، وبموازاة ذلك البحث في التصوف بكل أعلامه ومدارسه وبعدها العبور لرصد الطرق الدينية وكيفيات تنظيمها وأشكال تراتبيتها: الشيخ، الخليفة، المقدم، الفقير، الدرويش… ثم نظامها الملالي وأنشطتها الاقتصادية. لم يركز هذا البحث على البعد السياسي للطرق الدينية بل سؤطرها ضمن السياق الصوفي والثقافي الإسلامي العام. وهو ما يجعله يرسي أطروحته حول الزوايا بوصفها مدارس تقوم بأدوار تربوية وتأطيرية للجماعة الإسلامية، مثلما تسهر على توجيه سلوكات المسلم في محيطه الاجتماعي والثقافي. 

لقد شكلت هذه البحوث الإثنوغرافية، رغم أهميتها، لحظة أولية في دراسة الطرق الدينية، ومدخلا للدراسة السوسيولوجية الأكثر تمحيصا وتدقيقا. وستشكل مقالات ميشو بللير وأطروحة جورج دراغ نماذج دالة في هذا المجال. سينتقل م. بللير بالبحث في الزاويا إلى المقاربة التاريخية السياسية الدقيقة. وسيصنف تاريخها في ثلاث مراحل كبرى: الأولى وتمتد من الجنيد إلى الشادلي أي من القرن الثالث الهجري إلى السابع، والثانية من الشادلي إلى الجزولي أي من القرن السابع إلى العاشر الهجري، والثالثة من الجزولي إلى أتباعه الذين انتظموا في زوايا كثيرة إلى حدود الآن. اترتكاز على هذا التصنيف التاريخي، يموقع بللير الزوايا في سياق النظام الاجتماعي والسياسي المغربي، وبدأ بالمرابطين والموحدين والشرفاء السعديين، والذيم يعتبرهم محطة أساسية في اقتران النظام السياسي بحركة الزوايا، بل إنهم انبعثوا كنظام حكم من صلب هاته الحركة. لقد لاحظ بليير أن حركة الزوايا التصقت التصاقا قويا بالتاريخ الاجتماعي والسياسي المغربي، ويدلل على ذلك بالدور الذي لعبته أثناء الاستعمار البرتغالي للثغور المغربية. سواء على مستوى المرابطة في الثغور أو على مستوى تأطير الحركة الجهادية. إن الانتقال بالدراسة عن الزوايا إلى هذا المستوى سيشكل الأرضية الأساسية للبحث الذي سيقوم به جورج دراغ، والذي سيعمل هاته المرة على الجواب عن الدور الذي ستلعبه الزوايا في المجتمع المغربي، وكذا عن الصلات المتعددة التي ستربطها بالمخزن.