صحافة البحث

[حوار].. جلبير الأشقر يتحدث عن حراك لبنان، الطائفية والسيرورة الثورية في المنطقة

- الإعلانات -

في هذا الحوار الحصري لـµ مع جلبير الأشقر الأكاديمي والأستاذ في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، يتحدث عن رأيه في الاحتجاجات التي تعرفها لبنان، وكيف يمكن أن تتجاوز هذه الاحتجاجات الطائفية الكبيرة؟ كما يتحدث عن رهانات فصل الدين عن السياسة، وكيف أن الإسلاموية تتخذ شكلا طائفيا في المجتمع اللبناني؟ فضلا عن تحليل السيرورة الثورية طويلة الأمد ورهانات موجات هذه السيرورة في المنطقة الناطقة بالعربية؟

حاوره: محمد سموني

ما رأيك في الاحتجاجات التي يشهدها المجتمع اللبناني؟ 

تندرج هذه الاحتجاجات في إطار الغليان الذي عمّ المنطقة الناطقة بالعربية منذ ما سمي بـ”الربيع العربي“، أي منذ ما بدأ في تونس بدجنبر 2010. وقد رأينا موجة كبيرة من النضالات الشعبية امتدّت إلى مختلف بلدان المنطقة من المغرب إلى العراق، ووصلت في عامي 2011 – 2012 إلى مستوى الانتفاضة على نطاق واسع في ستة بلدان. وقد أصيبت هذه الموجة في سنة 2013 بانتكاسة قاسية، حتى ظنّ كثيرون أن ”الربيع العربي“ كان فورة عابرة انتهت بلا رجعة. وطبعا كان هذا التصوّر خاطئاً مثلما كان خاطئاً التوهّم في عام 2011 بأن ”الربيع“ سيكون سريعاً وسهلاً. فنحن أمام أزمة بنيوية عميقة، وقد شدّدت منذ البداية، أي منذ 2011، على الأخص في كتابي ”الشعب يريد“ الذي صدر في عام 2013، شدّدت على أننا أمام أزمة بنيوية في منظومة الدول العربية وفي الاقتصاد الإقليمي الذي يتميّز بنمو شديد البطء ومستويات بطالة شبابية مرتفعة للغاية، هي الأعلى في العالم، بحيث أن انفجار هذه الأزمة قد أطلق ما أسميته ”سيرورة ثورية طويلة الأمد“. 

غلاف كتاب الشعب يريد لجلبير الأشقر

وقد استمرّت النضالات والانفجارات الاجتماعية تنتقل من بلد إلى آخر في السنوات الماضية، من تونس إلى المغرب (حراك الريف على الأخص) والسودان والأردن وغيرها. ونحن الآن بكل وضوح أمام موجة كبيرة جديدة، بدأت مع الانتفاضة السودانية التي انطلقت في دجنبر 2018 وتبعها حراك الجزائر ومؤخراً احتجاجات العراق، علماً بأنها بقيت هناك في حدود أضيق، وأخيراً الحراك الذي حصل في لبنان. وفي جميع الحالات المذكورة، جمعٌ للمطالب السياسية والاجتماعية واحتجاجٌ على الفساد واللامساواة والظلم الاجتماعي الفاحش، بما يشير إلى أن الشعوب لم تعد تتحمّل وزر الأنظمة الاستغلالية القائمة وسياساتها الاقتصادية. 

كيف يمكن لاحتجاج خرج في لبنان من أجل التنديد بفرض الضريبة على اتصالات VOIP أن يتحوّل إلى احتجاج سياسي يرفض النخبة السياسية الحالية؟ 

تدرك الناس تماما أن أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية مرتبطة بطبيعة الأنظمة السياسية القائمة. فإن السيرورة الثورية طويلة الأمد التي بدأت في عام 2011 سوف تستمرّ حتى يحصل تغيير جذري في طبيعة دول المنطقة وتركيبتها السياسية والاجتماعية. وبدون هذا التغيير الجذري لن تتوقف السيرورة، كما بيّنت الهبّات التي ظلّت تحصل هنا وهناك. ولأن الناس تدرك تماما أن أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية ناتجة عن الأوضاع السياسية القائمة وطبيعة الأنظمة، كان الشعار السائد في الانتفاضات ”الشعب يريد إسقاط النظام“. ولا تحتاج الناس إلى مستويات عالية من التعليم لتدرك أن الظلم الاجتماعي القائم متعلّق بالنظام السياسي القائم، وأن أرباب الأنظمة هم أول الاستغلاليين الذين يثيرون سخط الناس. 

لماذا في رأيك تأخر التحرك الاحتجاجي في لبنان رغم أن المنطقة تغلي منذ تسع سنوات رافضة تحكم الطبقة السياسية التقليدية؟ 

هذا سؤال وجيه لأن الأوضاع الاجتماعية لا تُطاق في لبنان منذ فترة طويلة وقد أخذت تتفاقم في السنوات الأخيرة. يتميّز لبنان بنظام سياسي طائفي أرساه الاستعمار الفرنسي، والتركيبة الطائفية هي العائق الأكبر والأهم أمام النضالات الاجتماعية. وهذا أمرٌ قديم في لبنان حيث جرى تحويل انتفاضة فلاحية ضد الاقطاع في القرن التاسع عشر إلى اقتتال طائفي. وأقرب إلينا زمنياً، جاءت حرب لبنان سنة 1975 تقضي على صراع طبقي كان يتصاعد، وتكرّرت القصة ذاتها مراراً. ونجد حالة مماثلة الآن في العراق حيث أرسى الاحتلال الأمريكي نظاماً طائفياً شبيهاً باللبناني، غير أن الفرق بين الحراك اللبناني والحراك العراقي أن هذا الأخير لم يتخطّ حتى الآن الحاجز الطائفي. وهناك حاجز آخر مهم جداً لم تتخطّاه الاحتجاجات في العراق يتمثّل بالمشاركة النسائية، حيث لا ظهور لنساء فيها، بينما تتميّز النضالات في السودان والجزائر واليوم في لبنان أيضاً، تتميّز جميعها بمشاركة نسائية بارزة جداً. 

… والجيد أن الاحتجاجات في لبنان تجاوزت شيئا ما النظرة الطائفية الضيّقة أيضا. 

بالضبط، وهذه سمة خاصة بالحالة اللبنانية ولا تخصّ الجزائر أو السودان حيث لا نظام طائفي. فقد تجاوز الحراك الجاري في لبنان عقدة الانقسام الطائفي، وتطوّر كحركة قاعدية شاملة تخطّت الحواجز بين الطوائف وبين الجنسين. وهذا أفضل دليل على أنه فعلا حراك يمثّل الشعب بأسره ضد النظام وأهل النظام وأتباع النظام، لأن هناك طبعا، كما في كل مكان، جزءاً من الشعب مرتبط بالجماعات الحاكمة. وهذه الجماعات تضمّ ”حزب الله“ في لبنان. فمن المستجدّات الهامة فيما يحصل اليوم هناك أن جماهير المناطق التي يسيطر عليها تقليدياً ”حزب الله“ تشارك في الانتفاضة بالرغم من موقف الحزب المناهض للحراك.

هل يدلّ رفض الجمع بين الدين والسياسة في الاحتجاجات الأخيرة التي يشهدها لبنان على تخطّي التنظيمات الدينية الحاكمة بما فيها ”حزب الله“؟ 

في الحقيقة، الدين الشيء والطائفية شيء آخر، فالصراعات في لبنان ليست دينية، وقد تجد ناس لا تصلّي ولا تؤمن لكنها تتعصّب لطائفتها، فالطائفية تختلف عن التديّن. طبعاً، يوجد ”حزب الله“ الذي يتبع إيديولوجية دينية، لكنه حالة فريدة ومع ذلك فجمهوره الأوسع لا يسانده لأسباب دينية عقائدية، بل لأسباب طائفية واجتماعية حيث يرى فيه ممثلا لمصالح الطائفة ومصدر إعانات. أما الجماهير المنتفضة حالياً فهي ضد التركيبة الطائفية بأكملها، وأحد شعاراتها الرئيسية يقول ”كلهن يعني كلهن“، بمعنى أن الحراك ينبذ جميع أطراف النظام بلا استثناء.

صورة لشعار “كلكن يعني كلكن.. أنتم الطائفيون ونحن العيش المشترك” من احتجاجات لبنان 2019©

كيف تتصوّر مستقبل لبنان السياسي خصوصاً أن الدولة، بمعنى المؤسسات السياسية، هشّة للغاية؟ 

المستقبل ليس مرهوناً بالدولة بل بالحراك. نشاهد منذ أشهر عديدة حراكين مهمين في الجزائر والسودان، ونرى الفرق العظيم بينهما، أي بين حراك الجزائر الذي ليس له قيادة شرعية معترف بها وحراك السودان الذي أفرز قيادة تتمثّل بقوى ”إعلان الحرية والتغيير“ وخاصة ”تجمع المهنيين السودانيين“. شكّل وجود القيادة الديمقراطية التقدمية ذات الشرعية الشعبية الجماهيرية أمراً أساسياً سمح للسودانيين بأن يفرضوا على الجيش الاعتراف بقيادتهم وعقد مساومة معها. وبالرغم من أن الوضع في السودان يقوم الآن على مساومة وهو وضع انتقالي، أي أن الأمور لم تنته بعد ولا تزال التعبئة قائمة، يبقى أن هناك فرق كبير بين هذا الوضع وما يحصل في الجزائر حيث تنزل الجماهير بشكل مستمر إلى الشارع لكنّ الجيش يتصرّف وكأنه لا يبالي. هذا فرق كبير، ولبنان حالياً أقرب إلى الجزائر منه إلى السودان من حيث عدم وجود قيادة شرعية للحراك، الذي هو حراك قاعدي عفوي. ولا أتوقع بالتالي أن تحصل تغييرات جوهرية: بالتأكيد، فرض الحراك على الحكومة التراجع وانتزع عدداً من المكاسب وسوف ينتزع غيرها، لكن لا أتوقع أي تغيير نوعي. 

صورة من مشاركة المرأة اللبنانية في الاحتجاجات 2019© Reuters

أهمّ ما أتمنّاه هو أن يكون هذا الحراك محطة أولى نحو تشكيل تنظيم قاعدي يُفرز قيادة ديمقراطية، وهناك محاولات قائمة الآن تستوحي من التجربة السودانية، تسعى وراء تشكيل ما يشبه ”تجمع المهنيين السودانيين“. وقد حصل اجتماع لأساتذة جامعيين ضمّ حوالي مئتين منهم وهناك اجتماعات واتصالات في أوساط مهنية أخرى، وكلها مساع من أجل تشكيل تمثيل تقدمي وديمقراطي للمجتمع المدني. 

… بهدف تأطير الحراك والاحتجاجات؟ 

نعم، بهدف تأطير الاحتجاجات وقيادتها نظراً لغياب قوى سياسية شرعية في نظر غالبية الناس. فقد فقدت القوى السياسية مصداقيتها والناس تبحث عن الجديد. وهذا ما ادّى بالسودانيين إلى إفراز قيادة جديدة انبثقت عن المجتمع المدني وتحوّلت إلى قوة كبيرة انضمّت إليها نقابات عمّالية وصارت فعلا تمثيلاً من الأسفل للقوى الحيّة الاجتماعية وليست قيادة حزبية آتية من فوق، وهذه تجربة مهمة تحتاج لدراسة عن كثب. 

إن الموجة الثانية الحالية من السيرورة الثورية التي بدأت في عام 2011 هي في نظري أرقى من الأولى سياسياً لأنها استوعبت دروس ما حصل في الأولى. فقد أجادت الحركات الراهنة في تفادي الوقوع في فخ العنف، ولم تنطل عليها محاولات الجيش الظهور بمظهر المنقذ كما حصل في مصر في عام 2011. فقد حصل إنضاج سياسي للحركة، ويمكننا أن نأمل أن هذه الموجة الثانية سوف تفرز موجة ثالثة أرقى منها بعد. ويبقى الشرط الرئيسي بروز قيادات شعبية ديمقراطية تقدّمية تعترف بها الجماهير وتتوفّر فيها الشروط التي ذكرناها، بما فيها المشاركة النسائية.