صحافة البحث

نور الدين الزاهي: جورج دراغ.. تاريخ المغرب الديني

- الإعلانات -

جورج دراغ أو جروج سبيلمان هما اسمان لمسمى واحد. وشم المغرب والباحثين السوسيولوجيين المغاربة بمؤلفه الطامح إلى رسم معالم التاريخ الديني المغربي. ضمن تقديمه لمؤلف دراغ، يقول روبير مونتاني، بعد أن أصبح أستاذا بكوليج دو فرانس، إن جوج دراغ لا يقدم لنا كتابا أكاديميا فقط بل عاش لمدة ربع قرن بين المغربة واعتمد في كتابه كل الدراسات السابقة والمعاصرة له، مثبما سند معطياته ومعلوماته بمصادر متعددة، منها ما جمعه ضابط الشؤون الأهلية والمراقبون المدنيون والعسكريون، ومنها ما استقاه مباشرة من شيوخ الزوايا, قام جورج دراغ بمقابلات عديدة مع شيوخ الزوايا، وذلك لكي يمدوه بالمعطيات الخاصة بزواياهم وفروعهم وعدد أتباعهم ومبادئ طريقتهم وشجرات أنسابهم. وكان الشيخ عبد الحي الكتاني أحد المساعدين الأساسيين في التقرب من فهم الوضع الفعلي للزوايا في المغرب. لقد اشتغل جورج دراغ بهاته الطريقة كي يتلاقى نواقص الأبحاث السابقة في المجال، وفي الآن نفسه لكي يضع المؤسسة الاستعمارية امام التاريخ الفعلي للمؤسسات الدينية المغربية ومقدراتها على الفعل والتأثير في الحاضر الاستعماري. 

يعتبر جورج دراغ في تمهيده لمؤلفه أن القصد من وراء بحثه ليس هو سرد الحركات الدينية وبيان مرجعياتها، بل موقعتها ضمن سياقها التاريخي المحلي. في هذا السياق يقول إن تاريخ المغرب ليس معروفا بالشكل الحقيقي، فالمؤرخون المغاربة لم يقوموا سوى بسرد الأحداث المتعلقة بالسلاطين والامراء الحاكمين وكذا معاركهم ودسائس قصورهم. وهو ما لا يسمح، حسب نفس الباحث، باستنباط الوجه الحقيقي للمجتمع المغربي. بناء على ذلك، ينبه دراغ الباحثين الأروبيين إلى ضرورة العمل على كتابة تاريخ القبائل وإعادة تشكيل هجراتهم وصراعاتهم وحياتهم الاجتماعية. هذا المطلب والمشروع العلمي يعتبر لصيقا بمشروع كتابة تاريخ الطرق والزوايا والتي تشكل الوجه المميز للإسلام المغربي. 

غلاب كتاب جورج سبيلمان “التاريخ الديني للمغرب”

يستهل دراغ كتابه بالتطرق إلى مرحلة ما قبل الإسلامية على شاكلة سابقيه، فالمقصود هو بيان أن كثيرا من المُعتقدات والشعائر كانت موجودة قبل الإسلام، وبعدها يمر إلى عملية أسلمة المغرب وتأسيس أول دولة إسلامية والتي هي دولة الأدارسة. لا تشكل الفصول المتضمنة في الكتاب، والتي ترصد التاريخ الديني إلى حدود الدولة السعدية، أهمية كبرى مقارنة بغيرها، بل إن قوة المؤلف تكمن في إرسائه للشكل الذي اعتمدت فيه الدولة السعدية على الصلحاء لإرساء الطابع الشريف للدولة الجديدة مقارنة بسابقتها المرينية، وكذا بيان المفارقة الأساسية الكامنة في لجوء سلاطين هاته الدولة إلى امتحان الصلحاء والشيوخ الزوايا لحظة قوتها، لقد أسس السعديون دولة الشرف المتجاوزة لدولة العصبية القبلية، وكان الصلحاء من أتباع الجزولي عماد هذ التأسيس، لكنهم سيشكلون الضحية الأولى لهاته الدولة الشريفة. بموازاة ذلك، سيخصص جورج دراغ فصولا خاصة بالزوايا التي عاشت مساندتها وكذا صراعاتها مع السعديين وبعدهم العلويين. 

مع الدولة العلوية سيرسي جورج دراغ أطروحة أساسية سيعتمد عليها سوسيولوجيون مغاربة وازنون من مثل بول باسكون، وتتمثل في أن الدولة العلوية لم تنشأن بناء على دعم الصلحاء كما كان الأمر مع الدولة السعدية، بل إنها لا تدين من حيث نشأتها بشيء للزوايا والصلحاء. لقد انبنت الدولة العلوية على القوة العسكرية وبناء على تدمير الزاوية الدلائية وتغريب محمد الحاج إلى تلمسان، ومن تم السيطرة على البلاد. 

لم تترك الدولة العلوية، حسب دراغ، للزوايا من اختيار سوى الخضوع أو النفي والقتل، ويدلل، إضافة إلى لحظة التأسيس، بلحظة حكم المولى إسماعيل. فهذا الأخير بقدر ما سيتعامل مع الشرفاء الأدارسة بنوع من الليونة واللطف والاعتبار، سيمتحن، على شاكلة محمد الشيخ السعدي، شيوخ الزوايا مثلما سيفرض عليهم الحصول على ترخيص للقيام بتحركاتهم. سيصارع المولى إسماعيل الزاوية الناصرية رغم قوتها وسيحارب زاوية آل مهاوش وكذا زاوية أحنصال مثلما سيقرب إلى دائرته الزاوية الوزانية، وسيراقب العلماء. وقد دونت رسالة العالم الحسن اليوسي الموجهة إلى السلطان مولاي إسماعيل بلهجتها العنيفة ما سماه الراحل بول باسكون سيرورة المخزنة التي مارستها الدولة العلوية في حق الزوايا والعلماء. 

تجد أطروحة بول باسكون جذرها في مؤلف دراغ، ففي سياق رصده لعلاقة الزوايا بالمخزن، يسجل دراغ الكيفية التي سيتحول بها شيخ الزاوية الوزانية إلى عامل على منطقة توات بالمنطقة الشرقية للمغرب، مجسدا بذلك جدلية الدولة العلوية في اعتمادها على متغيرة الشرف ودفع الشرف المنافس لها إلى الحقل الزمني السياسي، والذي ليس غير حقل الخدمة والمخزنة. 

إلى جانب ذلك، يحتضن مؤلف جورج دراغ معطيات غير مسبوقة عن الجانب التنظيمي للزاويا ومبادئها الطرقية وفروعها وأدوارها السياسية ونوعيات صلاتها بالمخزن وشجراتها السلالية، وهو ما يمكن اعتباره مدخلا ضروريا ومؤسسا لكتابة جينالوجيا عامة بكل تراتباته ورهاناته السياسية والقداسية.