صحافة البحث

[تحليل].. كيف أسقط الحراك الشعبي في التشيلي الحكومة و حالة الطوارئ؟

- الإعلانات -

تجري، منذ يوم السبت الماضي، داخل قصر “لامونيدا” بالعاصمة التشيلية سانتياغو نقاشات و ترتيبات مكثفة و سريعة ينسقها الرئيس “سيباستيان بينييرا” مع لجنتين للاقتصاد و السياسة في محاولة لإيجاد مخرج للأزمة السياسية الطاحنة التي ضربت البلد في الأيام العشرة الأخيرة، ربما لبلورة ما يكفي من القرارات المدروسة بعناية لإضافتها إلى الحزمة الهزيلة من القرارات المستجيبة لبعض مطالب الشعب التشيلي، فضلا عن اختيار الأسماء الوازنة، و غير المتورطة في فساد سابق، لتشكيل حكومة جديدة بعد أن طالب ، الرئيس، يوم أول أمس، من كل وزراء حكومته الاستقالة الفورية، في وقت أصدر فيه، لاحقا، مرسوما يعلن بموجبه عن رفع حالة الطوارئ ابتداء من أول صباح يوم الاثنين، و حالة الطوارئ تم إعلانها، كما هو معلوم، في العاصمة و المناطق المحاذية لها قبل أن يتم تعميمها  على 12 جهة من البلد كرد فعل على الحركة الطلابية التي انتفضت على زيادة 30 بيسو في ثمن تذاكر المترو.

و بالطبع، هذه الخطوات والتحركات من قبل الرئبس بينييرا، هي من أجل إنقاذ حكمه من السقوط جراء مطالبة الشعب التشيلي، من خلال حراكه الشعبي الذي أطلقه على الصعيد الوطني، بالتنحي عن الحكم و فسح المجال لانتخابات سابقة لأوانها بعد أن عانى من سياسته سواء في ولايته الأولى أو في ولايته الثانية الحالية المتسمة بنوع من الديكتاتورية “الناعمة” والمعتمدة على إجراءات تفقيرية، بكل ما في الكلمة من معنى، أضرت كثيرا بمصالح الأغلبية الساحقة من عموم الشعب بما في ذلك الطبقة الوسطى.

صورة من مسيرة الجمعة الماضية بالشيلي (رويترز)

وما جعل الرئيس وفريقه الحكومي و مؤسسة الجيش و السلطات الأمنية في حالة فزع هو الخروج اليومي المنظم للمظاهرات في كافة مناطق البلد على الرغم من إعلان حالة الطوارئ التي لم يعبأ أحدا بها، حيث توجت تلك المظاهرات بمسيرة تاريخية كبرى يوم الجمعة، جابت أهم شوارع العاصمة، إذ انتظم فيها مليون و مائتي ألف مشارك (تقديرات رسمية) استجابة لدعوة المؤطرين لها من المجتمع المدني، توازت مع مظاهرات أخرى في كل المدن و القرى التشيلية، يضاف إليها مظاهرة ضخمة نوعية لسائقي الشاحنات الذين احتجوا على طول طرق السيار (4300 كلم) الرابطة بين شمال البلاد و جنوبها رفقة راكبي السيارات و الدرجات النارية في احتجاج قوي على ثمن استعمال تلك الطرق الذي يتراوح بين 45 و 135 دولار شهريا،  وأخذت مسيرة سانتياغو شكل كرنفال سياسي سلمي، طغى فيه الفرح على المتظاهرين والتنظيم المحكم و القدرة الفائقة على ترديد الشعارات السياسية المستمدة من واقع الفساد و اللا مساواة و الفوارق الاجتماعية الساحقة و استحواذ أقلية صغير على الثروة، كما تصدرت مطالبهم الصريحة و القوية مطلب تنحي الرئيس “بينييرا” و حكومته اليمينية معلنين، في نفس الوقت، إدانتهم لسياساته العمومية المجحفة و الظالمة ومطالبين بعودة العسكر إلى ثكناتهم و بمحاكمة الفساد و المفسدين، كما عكست تلك المسيرة الكبرى مشاركة كل أجيال المجتمع التشيلي من أطفاله و شبابه و نسائه و رجاله و كبار السن، و كان منهم من لجأ إلى الضرب على الأواني و المقالي كأسلوب احتجاجي حضاري، و بعضهم اختار حمل اللافتات و الأعلام، و آخرون مارسوا الرقص و استحضروا بقوة أغاني الشهيد المغني فيكتور خارا خصوصا أغنيته الشهيرة: “الحق في العيش”، كما رفعت صوره و صور رموز أخرى ضمنها “سالفادور أليندي” و الشاعر العالمي “بابلو نيرودا”.

محتجون في وسط عاصمة سانتيغو يوم 22 أكتوبر 2019

هذه المظاهرة التاريخية ليوم الجمعة الماضي والتي عدت أم المظاهرات، كانت تتويجا لحراك استكمل يومه الثامن بعد انبثاقه من رحم أنفاق المترو على يد الطلبة الذين أغضبتهم الزيادة في ثمن تذاكر المترو، مما جعلهم يهاجمون بشكل يومي معظم محطاته للاحتجاج داخل أنفاقه بقوة، و كانوا يتعرضون للعنف من قبل رجال الشرطة، كما كان بعضهم يرد بعنف مضاد، غير أن المواجهات أخذت في العديد من المحطات منحى آخر نتج عنه تكسير و إضرام النيران فيها، و لم تنج العشرات من الحافلات، هي الأخرى، من الحرق و التدمير، فردت الحكومة بإغلاق المترو و توقيف العمل بالحافلات مما استحال على ساكنة سانتياغو، مدينة السبعة ملايين، التحرك نحو مقرات عملهم و قضاء أغراضهم.

لكن رئيس الدولة بدل أن يتفهم حركة هؤلاء الطلبة و مطلبهم البسيط المتمثل في إلغاء تلك الزيادة على بساطتها خاصة و أن أسرهم الفقيرة تنفق عليم أموالا طائلة لمتابعة دراستهم، ركبه الجنون و أعلن الحرب على “عدو يهدد البلد و أمنه”، إذ أمر رئيس الدفاع الوطني بإعلان حالة الطوارئ استغرب لها الرأي العام الوطني و الدولي، و كانت بمثابة الشرارة التي ستجعل الشعب التشيلي يدخل معترك السياسة من باب الحراك الشعبي و يبلور أشكالا تنظيمية يومية مستقلة عن الأحزاب، واجه فيها داخل كل مدينة و قرية القوى الأمنية و العسكرية  على حد السواء، معلنا مطالبه المشروعة دون خوف، و كان رد هذه الأخيرة عنيفا، حيث مارست على العديد من المواطنين المحتجين القمع و العنف، سواء بالضرب أو رمي القنابل المسيلة للدموع على حشود المتظاهرين السلميين و أحيانا إطلاق الرصاص مما تسبب في عدة قتلى بلغ عددهم عشرين شخصا، و هو الأمر الذي رفع من منسوب الغضب الشعبي، و بدأ الحراك يرفع مطلب محاكمة المرتكبين لجرائم القتل، و تجاوب المعهد الوطني لحقوق الإنسان معه عندما قام بتوثيق دقيق و سريع لكافة الانتهاكات لحقوق الإنسان، و قدمها للسلطة القضائية بغية فتح تحقيق فوري و تحميل المسؤوليات بما يترتب عنها من جزاء.

و في هذا السياق، تدخلت مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ميشيل باشيليت (الرئيسة السابقة لدولة التشيلي)، و أخبرت الرئيس “بينييرا” بأن لجنة من مؤسستها ستحل في التشيلي لإجراء تحقيق في شكاوى حول انتهاكات حقوق الإنسان، فيما أكدت “إيريكا غيفارا” ممثلة منظمة العفو الدولية في منطقة أميركا اللاتينية، أن هذه الأخيرة سترسل فريقا إلى التشيلي بهدف توثيق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان و الجرائم المحتملة التي قد يتورط في ارتكابها موظفون للدولة.

صورة من المسيرة المليونية التي نظمت يوم الجمعة الماضية بساتياغو (أ ف ب)

لكن مفارقة الرئيس عندما رأى بأم عينه عبر شاشة التلفزيون المظاهرات، بما فيها مظاهرة سانتياغو، تغير بشكل جذري، و اعتذر للشعب التشيلي معبرا عن “تفاعله” مع مطالبه و حراكه، و وقف مع فريقه الحكومي داخل قصر “لامونيدا” دقيقة صمت “ترحما” على ضحايا القمع الدموي، و هو ما اعتبره العديد من الشيليين ضحك على الذقون، و وعد ببلورة برنامج إصلاح استعجالي سيقدمه للبرلمان للمصادقة عليه، فضلا عن تشكيل حكومة جديدة تكون مهمتها الاستجابة لمطالب الشعب في إصلاحات سياسية و اقتصادية و مالية، و قام باتخاذ إجراءات لتنفيذها بسرعة حتى لا يحصل ما لا يحمد عقباه، من قبيل التراجع على الزيادة في ثمن المترو، و بزيادة 20 في المائة من معاشات التقاعد، و زيادة 16 في المائة في الحد الأدنى للأجور، و مشاريع لخفض أسعار الأدوية التي تعد الأعلى في منطقة أميركا اللاتينية، و خفض دخل البرلمانيين الذين يحصلون على ما يصل إلى 14.000 دولار شهريا. و لا احد يدري إن كانت هذه الإجراءات الهزيلة و الوعود بالإصلاحات غير المعروف طبيعتها و بحكومة في حلة جديدة، ستكون كافية لإخماد لهيب الحراك الشعبي و تنازل الشعب عن مطلبه في إسقاط الرئيس و نظامه و عودة أفراده إلى منازلهم سالمين بعد أن أسقط الحكومة و حالة الطوارئ و إجبار العسكر على العودة إلى ثكناتهم. هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.