صحافة البحث

العالم في عصر الإرهاب.. هذه وصفة أمريكا لاجتثاث الكليانية الدينية

- الإعلانات -

من أشهر الكتاب الذين استشارهم الرئيس باراك أوباما قبل إلقاء خطابه في القاهرة، الصحفي اللامع توماس فريدمان، وهو صاحب عمود ثابت في جريدة نيويورك تايمز، يتكلم العربية وزار جل دول العالم الإسلامي يتحدث إلى النخب، وتضع الجريدة تحت تصرفه ميزانية غير محدودة ليكتب مقالين في الأسبوع.

في كتابه “العالم في عصر الإرهاب” الصادر عن دار الجمل في ألمانيا، والمتضمن لمقالات كتبت جلها بين أحداث 11 سبتمبر 2001 وبدء الحرب على العراق في أبريل 2003، يقول فريدمان “منذ البدء كان لدي دافعان للكتابة: أولهما ناتج عن الرغبة في فهم هؤلاء الانتحاريين الذين دخلوا حياتنا يوم 11/9… وما هو دافع شريحة كبيرة من العالم العربي والإسلامي لمساندتهم في ذلك”، يجيب من خلال أربعة أسئلة: من هم؟ من نحن؟ لماذا يكرهوننا؟ ما العمل؟

1- من هم الإرهابيون؟

إنهم أشخاص قادمون من دول فاشلة في تبني الحداثة  ويعكسون المزاج العام في بلدانهم، وهي بلدان الرب الواحد والحقيقة الواحدة والطريق الواحد والقائد الواحد، لديهم رؤية مستقبلية لمجتمع إسلامي مثالي، يريدون عالما إسلاميا نقيا من الكفار  أي نقيض أمريكا التي هي بالنسبة لهم مجتمع ملحد وفاسد ومادي بنى ثروته وقوته بتخليه عن القيم.

كتاب توماس فريدمان لعالم في عصر الإرهاب

الإرهابيون شبان محبطون لديهم فقر في الكرامة ويلومون أمريكا على ذلك لأنها تدعم أنظمة فاسدة وعلى هذا الأساس فبن لادن ليس حالة شاذة وله صلة بمعاناة الناس، شبان يرون أن أمريكا تتحمل مسؤولية ما حصل لها، يغيظهم تأثيرها في حياتهم  يلومون غيرهم على ما حل بهم بدل مراجعة أنفسهم.

إنهم مجموعات نشطاء يصعب تحديد هويتهم  لديهم كفاءة ونجاعة، لديهم قدرات تنظيمية عالية وخيال جامح لا نظير له في أمريكا إلا في هوليود، شبان لا يقبلون بأقل من النصر الكامل… مشحونون بأيديولوجيا زائفة ذات قناع ديني وهم غير قابلين للردع، يتعاملون بمنطق إما قاتل أو مقتول.

 ينبههم فريدمان “الجهاد اليوم ليس باختطاف الطائرات بل بصناعتها” ص81 

2- هذه أمريكا، لماذا يكرهونها؟

إنهم يكرهون أمريكا أكثر مما يحبون الحياة. يكرهون أمريكا وما تمثله، لذا يقتلون أنفسهم ليؤذوها.

هؤلاء إرهابيون لأنهم يكرهون العلمانية والمساواة مع المرأة واحترام الفرد وروح التسامح وحرية التفكير وحرية التجارة، يكرهون حرية المعتقد الديني والحرية السياسية والحداثة والتجارة والرقي والمجتمع المفتوح…  يكرهون إسرائيل لأنها تذكر المسلمين بحالة عجزهم الدائم…

يضيف فريدمان متحدثا باعتباره ممثلا لأمريكا: يكرهوننا لأننا كفار ودينهم أفضل من ديننا. لكن إذا كان الإسلام أفضل ديانة فكيف أن إسرائيل أقوى عسكريا واقتصاديا من أية دولة إسلامية؟

 هناك من يقول أنهم يكرهوننا بسبب سياستنا الخارجية، لكن إذا كانت السياسة الخارجية الأمريكية خاطئة لماذا يقوم المسلمون بعمليات انتحارية ضد أمريكا ولا  يفعل ذلك الهندوس والصينيون؟ يشتعل العالم العربي إن قتل فلسطينيون، بينما لا يشتعل إذا قتل الهندوسُ مسلمين في الهند.

3- من أين جاء الإرهابيون؟

 جاء الإرهابيون من عالم عربي ألقى بنفسه في هوة عميقة منذ زمن طويل، من مصر والسعودية، من دول تحكمها أنظمة تعيق التطور وحكام لا يقومون بأي نقد ذاتي، كل ما يعنيهم هو البقاء في السلطة، دول مترنحة، دول أشبه بعائلات غير مرؤوسة، دول فقيرة، والفقر يسبب اليأس.

بالأرقام إسبانيا تنتج أكثر من الدول العربية مجتمعة. وما تصدره كوستاريكا ذات أربعة ملايين نسمة يفوق ما تصدره مصر ذات 70مليون نسمة، يمثل المسلمون 20% من سكان العالم ويساهمون ب 4% في التجارة الدولية.

في هذه الدول مجتمعات تفتقد الثقة بالنفس، تنتج أجيالا تهرب إلى الخارج أو إلى المساجد، وحكام يستخدمون عقيدة دينية متكلسة للبقاء في الحكم، يستندون على عشائرية راسخة، على الجيش والمسجد للبقاء في السلطة مقابل السماح لرجال الدين بالسيطرة على التعليم لخلق شرعية دينية والحرس القديم من القوميين بالسيطرة على وسائل إعلام تقول للناس ما يريدون سماعه وتعرض عليهم ما يرغبون في مشاهدته،. يعتمدون على أشباه مثقفين ودعاة ينشرون التزمت، مثقفون مهتمون بحماية امتيازاتهم وإيجاد أعذار لأنظمتهم، مثقفون يستمرون في طرح الأسئلة الخاطئة، وعاجزون عن النقد الذاتي.    

جاء الإرهابيون من بلدان فيها حكام يغذون شعوبهم بالخبر ومهرجانات السيرك  ونظريات المؤامرة، يحملون المسؤولية للخارج ولبراعة مؤامرة اليهود فيبرؤون أنفسهم ويتجنبون أية محاسبة أو مسؤولية، يوجهون حالة الغضب لدى شعوبهم ضد أمريكا  فيتسببون ويستفيدون من كراهية الشارع العربي لأمريكا، حرية التعبير الوحيدة المتاحة هي نقد إسرائيل وأمريكا.

 هؤلاء حكام غير شرعيين غير منتخبين يخافون قول الحقيقة ويختلف ما يقولونه لشعوبهم بالعربية عما يقولونه للغرب بالإنجليزية.

كشف ألاعيب؟

  كشفت 11 سبتمبر ألاعيب القادة  العرب وخربت القنوات الفضائية والإنترنيت قدرتهم على السيطرة الإعلامية على شعوبهم  وهم يدركون أنهم لا يستطيعون النجاة من العاصفة، إلا أنهم “يجهلون الطريقة المثلى لإحداث التغيير بدون أن يفقدهم ذلك ما يتمتعون به من سلطة.  وهذا ما سيجعل من هذا التوتر مأساة السياسة العربية الإسلامية على مدار العقد القادم” ص293.

 4- وصفة لاجتثاث الكليانية الدينية

يلوم فريدمان أمريكا على ثلاث مستويات، أولا تمت أحداث 11 سبتمبر لأن أمريكا فقدت قدرتها الردعية بسبب سياسة كلينتون المسالمة، ثانيا فشل الأمريكيون في تسويق سياستهم، بينما نجحوا في تسويق الكوكاكولا والماكدونالدز، ثالثا كانت أمريكا – بالنسبة للعرب – تمثل الطابع الثوري في ملابس الجينز والمسلسلات التلفزيونية، بينما سياسيا حافظت على سلطة الموالين لها” ص336

ما العمل؟

 أن تستخدم أمريكا قوتها الثورية في العالم العربي سياسيا أيضا، في وصفة مركبة:

لابد من خطة إستراتيجية متعددة الأبعاد، لابد من حرب عالمية ثالثة ضد الكليانية الدينية، الإرهاب سببه الغضب من الأوضاع القائمة وليس الدين، الإرهاب لا يتم احتواؤه إلا من الداخل لذا يجب على كل دولة أن تدرك أن من الخطأ القاتل رعاية الحركات الإرهابية المعادية لأمريكا، ثم إن الصراع ليس بين الحضارات بل ضمنها، بين المسلمين المتنورين والمتشددين.

  ستتولى أمريكا مطاردة بن لادن، بينما يجب على المجتمعات العربية أن تحارب البن لادنية، أي فكره الجهادي، وذلك بسحب الشرعية من الإرهابيين وكبح أنشطتهم.

مهام أمريكا

  1. يجب أن تخوض حربا إعلامية وعسكرية ضد الإرهاب بشرط “يجب أن نقاتل الإرهابيين دون أن ندمر انفتاح مجتمعاتنا”.
  2.   يجب أن تفند أفكار خصومها في العلن لذا تحتاج أمريكا منبرا.
  3.  يجب عليها كسب قلوب سكان العالم العربي والإسلامي.
  4.  يجب أن تكون أمريكا أكثر خشونة من الروس، لأنه إن لم تقم بزيارة جيرانك السيئين سيقومون بزيارتك. لقد زار بن لادن نيويورك وفزار بوش قندهار، يستحق الإرهابين العنف، هذه هي الوصفة الروسية، في 1985 خُطف دبلوماسيون روس في بيروت، فاختطف الروس أحد أعضاء المجموعة الخاطفة، اقتطعوا أحد أطرافه وأرسلوه بالبريد فتم إطلاق الرهائن فورا، حاول الإسلاميون السيطرة على مدينة حماة، دك حافظ الأسد المدينة كاملة، لذا لا مشكلة لسوريا اليوم مع الإسلاميين ص48.

مهام العرب

يرى فيها أنه لابد:

  1. من أيديولوجيا تعددية لتجاوز فكرة دونية غير المسلمين  لأن الإسلام “لم يطور أي فلسفة دينية تعترف بحق بقية الأديان في المساواة” ص86
  2.  من فهم عقلاني نير وتقدمي للدين وزيادة قابلية الإسلام لاستيعاب الحداثة.
  3.  من هدم الجدار الموجود في العقل العربي تعريف الإسلام في أمريكا، بعد 11سبتمبر تضاعف مبيعات الكتب التي تعرف بالعالم الإسلامي في الغرب، لكن لم يحصل العكس.
  4.  من خلق دول ناجحة ديمقراطية عبر دعم القوى الحية في المجتمعات العربية.
  5.  أن يقدم القادة المسلمون المعتدلين بديلا أيديولوجيا عن البن لادنية، يجب أن يعلموا أبناءهم بطريق مختلف لينظر الجيل القادم إلى بن لان كصعلوك.
  6.  من تجنب أن تقود معاداة أمريكا وإسرائيل إلى رفض الحداثة.
  7.  من العلمانية وهي حل بدليل أنه لا هندي مسلم واحد في القاعدة، وتقدم   الهند نموذجا لعلمانية برز فيها أصحاب الملايين بسبب أدمغتهم وليس بسبب الطبقة أو الميراث.  
  8.  من تشجيع حرية التفكير والبحث العلمي وحرية الصحافة.
  9.  من خلق دولة ديمقراطية إسلامية مع اقتصاد حديث ورؤية دينية معتدلة.
  10. مداواة فيروس الكراهية بالتعليم المتفتح.
  11. من فتح المجال السياسي كي لا يبقى المسجد هو الخيار الوحيد للشبان.
  12. من توفير قدوة للعالم العربي، والعراق هو أفضل مجال لذلك لنشر النفس التحريري لدى الجيران وترهيب باقي الحكام.

هذه هي الوصفة التي طبقها جورج بوش حرفيا، عسكريا  بمقاتلة الإرهاب، وإعلاميا بقناة الحرة وراديو سوى. سياسيا عبر دعم وتمويل جمعيات المجتمع المدني العربي لتتقوى في وجه السلطة…

الرئيس الأمريكي الجديد يعد بتغيير الطريقة، يا مرحبا، وقد ذكّر بأن المغرب هو أول بلد اعترف بالولايات المتحدة، وهو يريد المصالحة، مصالحة أمريكا مع ذاتها، أمريكا التي وصفها أليكس هيلي في روايته الرهيبة “جذور”، أمريكا التي شخصتها توني موريسون في روايتها المذهلة “أكثر العيون زرقة”…

أوباما يريد المصالحة مع العالم الإسلامي الذي استهدفه المحافظون الجدد، أوباما شخص مختلف، دعى ست صحافيين أساسيين من العالم الإسلامي إلى القاهرة، منهم فهمي هويدي،  حضر اللقاء الصحفي ناحوم برنياع من يديعوت أحرونوت وكتب ” من على المنصة، بدا اوباما لامعا. في اللقاء الحميمي هو شخص آخر، أكثر انطواء، يحاضر في مذهبه كمعلم في مدرسة، ينصت لغيره، ضالع في التفاصيل، يجتهد ليقنع. وهو لا يغازل سامعيه مثل كلينتون أو يجتهد لتسليتهم مثل بوش. ‘كول’ بالمعنيين: حبيب وبارد” عن القدس العربي 6-6-2009.

هذه فرصة أخرى للعالم الإسلامي، ليجدد نفسه وينهض، لكن التخلف عميق، الأزمة الاقتصادية شديدة، الشباب يعاني الفراغ، الشعبوية الإعلامية تتملق الجمهور  وتعمق رضاه على نفسه بدل أن ترجّه ليستفيق، صوت المثقفين النقديين باهت ومهجور… وكل هذا يخنق الأمل الوهاج الذي يغمرني حين أسمع الرئيس باراك أوباما يتحدث.