صحافة البحث

نور الدين الزاهي: أرنست كيلنر ودولة الصلحاء

- الإعلانات -

بعد الإرث السوسيولوجي الكولونيالي الفرنسي، سيصبح المغرب موضوعا للسوسيولوجيا الأنجلوساكسونية. وقد شكل البحث في من يحكم المغرب السؤال المركزي إلى جانب قياس كيفيات العبور من المجتمع التقليدي إلى المجتمع العصري. في سياق الجواب على ذلك، تنجز الأبحاث حول النخب المحلية والوطنية في سياق علم الاجتماع السياسي، مثلما ستتوجه الأبحاث الأنثروبولوجية لدراسة الأنظمة القبلية وشقيقتها في علم السياسة لدراسة النسق السياسي. هيمنت المقاربة التجزيئية أو الانقسامية على أغلبية الأبحاث الأنجلوساكسونية ، ويعتبر أرنست كيلنر من الأسماء الوازنة في هذا السياق. 

من بين أعمال كيلنر التي تهم المغرب، بحثه الذي يحمل عنوان “صلحاء الأطلس”. ومن العنوان يبدو إعلان التباعد عن السوسيووجيا الكولونيالية الفرنسية واضحا. فلفظ ونعت المرابطين أو المارابو العزيز على أولئك سيدخل الأرشيف، وسيتم التعامل مع ظاهرة الصلحاء وعلاقاتهم مع كل من المخزن والقبيلة بنوع مغاير منهجيا وتحليليا. 

غلاف كتاب صلحاء الأطلس لأرنست كيلنر

من أسياد الأطلس القبليين إلى أسياد الأطلس القداسيين، ومن دولة الأمغار القبلي إلى دولة إكورامن الصلحاء تلك هي النقلة التي سيحدثها أرنست كيلنر. تقع الزاوية الحنصالية في موقع مهم من جغرافية قبيلة آيت عطا. إنها تقع في منطقة عبور بين السهل والجبل، وبما أن جزءا من القبيلة كان ينتقل بين السهل والجبل، فقد كان هذا الترحال يخلق صراعات عديدة بين مكونات القبيلة الواحدة من مستقرين ورحل. وكان من بين أدوار الزاوية الكبرى ممارسة التحكيم والسهر على إبرام الاتفاقات وضمان سريان مفعولها على جميع الأطراف. مثلما كانت تسهر على مراقبة وتوزيع أوقات الاستفادة من عمليات السقي وكذا المراعي الخصبة. 

تتباين الوظائف الاجتماعية للأجزاء المكونة للمجتمع التجزيئي، حسب كيلنر، حيث تنطلق من الأسفل إلى الأعلى، فالأسرة الموسعة تقوم بتدبير واستغلال الميراث العائلي، بينما تتكفل الوحدة السلالية في إطار القرية بالمشاكل المنعلقة بتوزيع الماء والأرض، في حين تتكلف القبيلة بالعلاقات الخارجية مع القبائل الأخرى، وخصوصا في ما يهم السوق والمراعي والحدود… 

وعلى الرغم من تمايز المهام والوظائف، فإن كل أجزاء المجتمع التجزيئي، سواء الصغيرة أو الكبيرة منها، تخضع لنفس التنظيم المؤسسي: جماعة مكونة من ذكور بالغين ينتخبون، حسب شروط معينة، هيئة تشريعية تسهر على التشريع والتنفيذ. لهذا السبب يغامر مونتاني بخلاصاته. فقبيلة أيت عطا والتي اعتبرها نموذجا للتنظيم الانقسامي لا تعرف التراتبية وتقسيم والعمل، والزعامة شروطها ضعيفة ومحدودة. إنها مجتمع مطبوع بالمساواة وبنياتها تحول دون قيام زعامات قوية، كما تحول دون بروز مؤسسات مختصة في المحافظة على النظام ومزاولة العنف المشروع. إن البنيات الانقسامية، حسب كيلنر، تتفادى تركيز السلط. إلى جانب ذلك يعتبر كيلنر أن سلطات الزعيم القبلي تحدها سلطات الصلحاء. 

لقد شكلت قبيلة أيت عطا سند الزاوية الحنصالية القبلية، مثلما شكلت الزاوية الحماية الأمنية الروحية للقبيلة. تتراتب الزاوية على عكس القبيلة وتنغم بتركيز السلط بين يد الشيخ، وسلطها لا حدود لها، وبسبب ذلك كانت مهمة الحنصاليين، حسب كيلنر، هي ضمان سير النسق التجزيئي، وذلك عبر القيام بمهمة التحكيم والوساطات، وهي مهمات سلمية. لقد لعب صلحاء الأطلس مهمات سياسية تمثلت في الحفاظ على هامش استقلالية القبيلة عن السلطة المركزية، مثلما لعبت دورا ثقافيا تمثل في منح القبيلة إمكانية الحفاظ على ثقافتها وعوائدها المحلية. وإلى جانب هذا وذاك، كانت الزاوية هي من يسهر على عملية الانتخاب وليس عملية التعيين، وهو ما دفع كيلنر إلى القول مجازا بدولة الصلحاء التي تضمن الوساطة والتحكيم.