صحافة البحث

واتربوري: المغرب يبدو دائما على أهبة الانفجار الذي لا يحصل أبدا.

- الإعلانات -

من بين المقاربات التجزيئية أو الانقسامية للمجتمع المغربي التي استهلكت بشكل مهول من طرف من يتفقون معها أو يرفضونها، نجد مؤلف الباحث الأمريكي جون واتربوري المعنون بـ”أمير المؤمنين”. وقد انخرط هذا المؤلف رغما عنه في مجرى الكتب الممنوعة والمبحوث عنها لدى مناضلي اليسار ومثقفيع عموما. لذلك فهو كتاب بأزيد من حكاية سواء في سياق المناضلين القارئين، والذين لم يكونوا يرغبون في تفويت قراءته إلا لمريديهم المقربين أو مع المخابرات المغربية التي يفزعها بعنوانه فقط. 

يقول واتربوري: “لم يكن هدفي الحكم على النظام المغربي وانتقاده، بل تحليل ووصف السيرورة السياسية الخاصة بهذا البلد. وبإيجاز تمنيت أن أساهم في إغناء تخصصي، ومن تم أن أقدم أطروحة مقبولة في إطار العلوم السياسية. لقد انتهيت من عملي مع أواخر الستينات، وبما أنه لم يخرج إلى حيز الوجود إلا بعد ذلك بخمس سنوات، فقد كنت مضطرا لمواجهة ووصف ما عرفه المغرب من أحداق انقلابية مع بداية السبعينيات”.

غلاف كتاب “أمير المؤمنين”

لم تكن الدراسات الخاصة بالنسق السياسي المغربي متوفرة بشكل كاف، فالباحثون المغاربة كانوا يرزحون تحت ظل الخطوط الحمراء، والباحثون الأوروبيون، والفرنسيون خصوصا، ظلوا مشدودين إلى الأحداث والاهتمام بماضي المجتمع المغربي. فإذا ما استثنينا عمل روبير ريزيت حول الأحزاب السياسية ومؤلف جاك روبير حول الملكية المغربية وعمل أوكتاف ماري (ريمي لوفو) الأكاديمي، فلن نجد ما يذكر بهذا الخصوص. 

“إن هدفي من وراء هذا البحث – يقول واتربوري- هو إيضاح الكيفية التي تحولت بها الأحزاب السياسية المغربية إلى وضعية العاجز عن الفعل”. 

اعتمد واتربوري على النظرية الانقسامية في قراءاته للنخبة السياسية المغربية، والتي من أهم أعمدتها النظرية، ثباتية وسكون البنيات الاجتماعية والسياسية رغما عن حركة وتغيرات الوحدات الصغرى. 

من بين ما يستحضره قراء واتربوري وكذا زوجته، الحكاية التي يختم بها تمهيده الأول لكتابه، والتي يسرد فيها سنة وصوله إلى المغرب مع متم نصف الستينيات الأول، أي مع اندلاع انتفاضة 1965. لقد اختطف المهدي بن بركة والبلاد في حالة الطورائ قصوى. خرجت – يقول واتربوري – وفاجأني الوضع إلى حد الخوف والهلع، وأخبرت زوجتي أن تبلغ السفارة الأمريكية إن لم أعد بعد ساعتين إلى المنزل. تقدمت عبر دروب الرباط بحذر، ولما وصلت إلى غايتي وجدت قليلا من الطلبة بينما، في الملعب المقابل لكلية الآداب كانت هناك مباراة لكرة القدم تجمع فريقي الرباط والبيضاء. ليس لهاته الحكاية من عبرة أخلاقية – يقول واتربوري – سوى أنه في المغرب لاشيء يحصل في الواقع كما يمكن أن نتوقع منطقيا. 

يعزز واتربوري منطوق حكايته نظريا وذلك باللجوء إلى النظرية الانقسامية التي ترى غي المغرب مجتمعا راكدا وساكنا. فمنذ قرون عرف المغرب التوتر والعنف بدرجات متفاوتة، لكن هذا العنف وتلك التوترات لم تعمل سوى على تأطير الثبات والسكون. فالمغرب يبدو دائما على أهبة الانفجار الذي لا يحصل أبدا. إن الثبات خاصية أساسية للمجتمع المغربي. يعتبر واتربوري أن الخطاطة العامة للمجتمع المغربي وليدة القبيلة، والدراسات التي قام بها البحثة الأوروبيون حول القبيلة بإمكانها أن تساعدنا على فهم السلوكات السياسية للمغاربة. فالشبه الثبات الداخلي للقبيلة والحياة السياسية يبدو كبيرا. القبيلة لا توجد كدواقع سوى في حالة تعارضها مع قوة خارجية. إنها تشكيلة هلامية لمجموعات جزئية صغيرة محددة بنفس المعايير. تضمن حركتها بالتوترات والصراعات ووحدتها بالتحالفات والتضامنات على أكثر من مستوى. نفس الأمر تعرفه الحياة السياسية، فالمشاركون في الحياة السياسية داخل النسق التجزيئي يمتلكون تصورا سكونيا عن السلطة السياسية. فخسارة البعض هي ريح البعض الآخر. 

في الفصل الثالث من مؤلفه، يبسط واتربوري باستفاضة الكيفية التي طبق بها النظرية التجزيئية على الحياة السياسية المغربية. يقول بهذا الخصوص: “لقد لاحظت أنه في العلاقة مع النظام السياسي ومع الثروات المادية فإن مختلف مكونات النخبة المغربية تتصرف بسلوكات مماثلة للقبائل المنظمة حسب المبادئ التجزيئية”. تتمثل الخاصيات المشتركة، حسب واتربوري، في أربعة عناصر كبرى: 

– حضور مفهوم الهوية المرتبطة بالوضعية: الفرد لا يكون كذلك إلا بالرجوع إلى وضعية أو جماعة ما، وكلما تغيرت الوضعيات تغيرت الهويات. 

نسبية مفهوم الصداقة: نفس الشخص يمكن أن يكون صديقا أو عدوا حسب الظروف. فالصداقة تظل متحركة ومعها الإحساس بها وبالعداوة. ويمنح هنا المؤلف مثال الصداقة التي ربطت الحسن الثاني بالجنرال أوفقير وما آلت إليه. 

– تعددية التحالفات والتي تفرضها الأوضاع المتقلبة باستمرار. فرجل السياسة عليه أن يكون مهيأ لكل شيء وأن يحدد في كل وضعية من بإمكانه أن يكون صديقا أو عدوا ويبني على إثر ذلم تحالفاته. 

– الابتعاد عن السلوك المتهور والمغامر لأنه يؤدي العزلة والانعزال. لذا يكون من الأفضل عدم المخاطرة في التحالفات واعتماد أسلوب الدفاع فقط لأنه الأكثر معقولية. ويمنح واتربوري بهذا الخصوص مثال المحاولتين الانقلابيتين الفاشلتين. 

إنها العناصر الأربعة التي قام واتربوري بالتركيز عليها تحليليا لإبراز الخصائص المشتركة بين القبيلة والنخب السياسية المغربية.