صحافة البحث

نور الدين الزاهي: ديل إيكلمان والعلاقة بين المعرفة والسلطة في البوادي المغربية

- الإعلانات -

ديل إيكلمان باحث أمريكي غاير التقليدي الأنجلوساكسوني سواء على مستوى المنهج أو الموضوع. وقد اختار ثقافة البادية

المغربية ومثقفيها المحليين لقراءة المجتمع المغربي بكل تحولاته. يقول إبكلمان: إن منهجيتي في الدراسات الأنثرويولوجية تكمن في طرح الأسئلة على هؤلاء المثقفين من أجل التأسيس للإجابات التي تحيل على أسئلة أخرى. أما اختياري فينصب على محاورة مثقفي

وفقهاء البوادي والمدن الصغيرة والابتعاد ما أمكن عن محاورة المثقفين العصريين في المدن الكبرى للإرتباطهم غالبا بإيديولوجيا معينة وغلبة اللغة الفصيحة على اللغة الشعبية في أحاديثهم. ارتبط اسم الباحث  الأمريكي بمنطقة بجعد وبزاويتها الشرقاوية. ففي كتابه “الإسلام في المغرب” جمع وثائق الزاوية وفكك مضامينها عبر الاستعانة بمن هم أدرى برسومها وطريقة خطها. فجاءت علاقته البحثية والشخصية مع القاضي عبد الرحمان المنصوري، والد ياسين المنصوري مدير الديرية العامة للدراسات والمستندات المغربية (المخابرات الخارجية) حاليا، الذي ساعده على ذلك.

يقول إيكلمان عن شرقاوة في “الإسلام في المغرب”، إن وجاهة الشرقاويين ومكانتهم كنماذج حية تجسد التركيب الديني لمعتقدات الزوايا، من معرفة بالعلوم الدينية وشهرة بالصلاح والقدرة على منح البركة، وإلى يومنا هذا يشكل الشرقاويون حلقة وصل بين المعتقدات المحلية الشعبية والمعتقدات الإسلامية العالمة. 

ديل إيكلمان

يكشف إيكلمان عن الموقف السلبى لعلماء الحواضر من معتقدات الزوايا، ويعتبره تجسيدا لقوة هاته المعتقدات وقدرتها على البقاء والاستمرار. مثلما يوضح مكمن الخلل الحاصل فيه والمتمثل في كون الأنتيليجينسيا الحضرية لم تستطع التمييز بصورة

واضحة بين المعتقدات الأصيلة والمعتقدات الشعبية، وهو ما جعل العلاقة بينها ومعتقدات الزوايا تتسم بالارتياب والرفض. 

في بحثه عن صورة وحياة مثقف البادية ضمن كتابه “المعرفة والسلطة”،  يلاحظ إيكلمان أن ضيق المجال السياسي الذي تحرك فيه العالم الديني قد دعم النظرة الضيفة لمسؤولية العالم, كما تطورت في تقاليد التعليم الإسلامي, والتي تميزت، كما يقول إيكلمان، باكتساب المعرفة الدينية واستثمارها حسب الطرق الموضوعة لها وليس للسعي إلى تغيير المجتمع.

لقد فشل المثقف الديني في إعطاء بدائل إيديولوجية وعلمية لما كان عليه النظام الاجتماعي: فمن جهة أولى لم يقدم بديلا لمفهوم اللامساواة الاجتماعية الذي كان سائدا والذي يعني أن اللامساواة هي الحال الطبيعي للنظام الاجتماعي. 

إن مسؤولية العالم كما هي مرسومة تبعد العلماء عن العمل السياسيء مثلما تحد حتى من عملهم ومسؤولياتهم الدينية المحضة. نتيجة لذلك يخلص إيكلمان، سواء في كتابه “الإسلام في المغرب” أو “المعرفة والسلطة” إلى أنه لم يكن للعلماء بالمغرب أي تطلع كي يشكلوا طليعة إيديولوجية سواء في الأوقات العادية أو فى أوقات الاضطراب الاجتماعي. ما كانوا يقومون به هو التعبير عن بعض الأحاسيس العامة دون أن يتطور لديهم تقليد لتشكيل تلك الأحاسيس أو قيادة التغيير الاجتماعي وتوجيهه. يقول إيكلمان إن الصلة القائمة بين التصور الشعبي لما يجب أن تكون عليه المعرفة في نظر العامة والمعرفة التي يبثها وينقلها التعليم الإسلامي الأصيل يمكن أن تفسر لنا استمرارية المشروعيىة الشعبية التي يحظى بها هذا الصنف من المعرفة، مثلما يمكن أن تفسر لنا من الناحية المبدئية على الأقل المشروعية الشعبية التي يحظى بها حاملو هذه المعرفة. 

لقد عرف الحقل التعليمي الإسلامي تحولات عديدة ستفقده حظوته وأدواره، وسينظر الكل، حسب إيكلمان، بازدراء إلى التعليم الديني سواء من حيث طرقه البيداغوجية أو المضمونية، وبدأت المعرفة تتحول من علم مختزن في الذاكرة إلى معطيات متضمنة في الكتب، وهكذا بدأ شيوخ المساجد أنفسهم يرسلون أبناءهم إلى المدارس الفرنسية، وقد صادفت هاته التحولات ظهور أشكال جديدة من المعرفة الدينية ستقودها حركات دينية بأفكار جديدة عن العدالة الاجتماعية والمسؤولية السياسية للعالم.