صحافة البحث

“تعذيب الزفزافي ورفاقه”.. فُصول قضية واكبت مُحاكمة نشطاء “حراك الريف”.

- الإعلانات -

أثارت تصريحات ناصر الزفزافي (عبر تسجيل صوتي من داخل سجن راس الما بفاس) التي اتهم فيها السلطات بتعذيبه، وأيضا تعذيب بعض معتقلي حراك الريف، لحظة اعتقالهم وطيلة فترة الاعتقال خلال أطوار المحاكمة الابتدائية أو الاستئنافية، الكثير من ردود الأفعال، سواء من قبل النيابة العامة التي أكدت أنها مستعدة “لإعادة فتح البحث من جديد إذا ما قدم المعتقل ناصر الزفزافي أي دلائل أو قرائن جديدة تسمح بذلك”، أو من خلال مندوبية السجون التي سارعت إلى إعفاء مسؤولين في سجن راس الماء بفاس بمن فيهم مدير السجن واتخاذ قرارات تأديبية في حق هؤلاء السجناء، حيث قامت بتوزيعهم على مؤسسات سجنية متفرقة، ووضعهم في زنازين التأديب الانفرادية (الكاشو) ومنعهم من الزيارة العائلية ومن التواصل عبر الهاتف لمدة 45 يوما. 

الفصل الأول: اتهامات بالتعذيب 

قام دفاع معتقلي حراك الريف بالدفع أمام قاضي التحقيق وأيضا في المُحاكمة الابتدائية والاستئناف، بتعذيب رجال الشرطة لمعتقلي الحراك أثناء إلقاء القبض عليهم، وهي الاتهامات التي سرد جزء من تفاصيلها، مجموعة من المعتقلين سواء الذين كانوا معتقلين أثناء محاكمتهم بسجن عكاشة بالدار البيضاء أو الذين توبعوا بمدينة الحسيمة. 

هذه الدفوعات رفضتها بشكل مطلق المحكمة سواء في الدرجة الابتدائية أو في الاستئناف، معتبرة في قرارها أن“العنف كان مبررا لشلّ حركة المتهم، وأن الإجراءات الملازمة له كانت شرعية بسبب تنفيذ أوامر سلطة قضائية، وأن تسجيل هذا العنف كان نتيجة مقاومة الزفزافي ومرافقيه لعناصر القوة العمومية ولضباط الشرطة القضائية، وهو ما يرفع عنه صفة التعذيب ويدخله في خانة الأعمال المبررة طبقا للمادة 124 من القانون الجنائي”.

صور اعتقال ونقل الزفزافي وبعض نشطاء حراك الريف إلى الدار البيضاء عبر هليكوبتر

وأعاد الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء،  في بلاغ له، صادر بعد التسجيل الصوتي لناصر الزفزافي تكرر فيه اتهامه لرجال الأمن بتعذيبه وتهديده بالاغتصاب، التوضيح أن “المعني بالأمر (الزفزافي) قد ادعى أثناء تقديمه أمام النيابة العامة لأول مرة بتاريخ 5 يونيو 2017 بحضور دفاعه أنه تعرض للعنف فقط أثناء إيقافه بالحسيمة مستدلا في ذلك بآثار بعض الإصابات الخفيفة التي عويِنت عليه ساعتها والتي تبين أنه تم إثباتها في محضر إيقافه نتيجة المقاومة العنيفة والشرسة التي أبداها لحظة ضبطه في حق عناصر الأمن”.

كما رفضت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، في  قرارات مكتوبة فتح تحقيقات في اهتهامات العنف والتعذيب من قبل مجموعة من معتقلي حراك الريف، وذلك بناء على شواهد طبية أجريت بناء على فحوص طبية من قبل أطباء بسجن عكاشة تنفي وجود أثار العنف أو التعذيب.  

قضية الاتهامات بـ”التعذيب” ونزع اعترافات تحت التهديد، التي صرح بها نشطاء “حراك الريف” في جلسات محاكمتهم ابتدائيا، لم تقف بعد إصدار الأحكام الابتدائية الثقيلة على الزفزافي ونشطاء الحراك، بل تعالت مجموعة أصوات مجموعة من  المنظمات الحقوقية الدولية  تطالب السلطات المغربية بإجراء محاكمة عادلة أمام الاستئناف، منددة بما أسمته “أحكام الإدانة المستندة إلى اعترافات منتزعة تحت وطأة التعذيب” وبظروف احتجاز المتهمين غير الإنسانية”.

الفصل الثاني: الزفزافي عاريا

في عز النقاش القانوني والحقوقي بخصوص تصريحات نشطاء حراك الريف أنهم تعرضوا لـ”التعذيب” من قبل رجال الامن لحظة اعتقالهم، نشر موقع برلمان.كوم فيديو يظهر الزفزافي وهو شبه عاري أمام كاميرا توثق لأثار الضرب التي على جسده، وهو رهن الاعتقال. هذا الفيديو الذي أثار مجموعة من ردود الفعل، خصوصا من قبل الجمعيات الحقوقية التي اعتبرت أن هذا الفيديو “انتهاكا لحرمة معتقل المفروض أنه يوجد في حماية قانونية من طرف الجهة التي اعتقلته وأمرت بسجنه”. 

صورة من الفيديو المسرّب للزفزافي وهو يظهر شبه عاري

في هذه النازلة أيضا طالب دفاع معتقلي حراك الريف من المحكمة عبر شكاية  فتح تحقيق في “تسريب فيديو للزفزافي وهو شبه عاري”، لكن المحكمة رفضت الشكاية بحسب ما أوضح النقيب عبد الرحمن الجامعي والمحامي عبد العزيز النويضي، في  رسالة نشرت لأول مرة على جريدة “أخبار اليوم”،، موضحين أن “القاضي المصدر للحكم اعتبر أن نشر فيديو ناصر الزفزافي وهو عاري، ودون موافقته لا يشكل في نظره مسا بالكرامة أو بالحق في الصورة، وأن النشر كان فقط، للاطمئنان على صحته وسلامته الجسدية”.

وهو مادفع المحاميان للتساؤل “أليست تعرية أي شخص، سواء في السجن أو في مخافر الشرطة أو غيرها، وتسريب صوره ونشرها على العموم دون موافقته، انتهاكا للكرامة، وخرقا فاضحا للقانون، خاصة المادة 89 من قانون الصحافة والنشر؟”.

الفصل الثالث: خبرة طبية تؤكد “مزاعم التعذيب

في سياق الإدانة الحقوقية لاتهام نشطاء حراك الريف رجال الأمن بتعنيفهم أثناء الاعتقال أو لحظة استنطاقهم, قام المجلس الوطني لحقوق الإنسان، في عهد رئيسه إدريس اليزمي وأمينه العام محمد الصبار، بإيفاد أطباء شرعيين للقيام بخبرة طبية على معتقلي حراك الريف في كل من سجني الحسيمة وعكاشة بالدار البيضاء، هذه الخبرة التي خلصت أن مزاعم تعرض معتقلي الحسيمة للتعذيب “ذات مصداقية”، مدعومة بدلائل مادية ونفسية، وأوصى بضرورة إجراء بحث معمق مع المتهمين بممارسة التعذيب وضمان نيلهم العقاب.

هذه الخبرة التي أشرف عليها كل من البروفيسور هشام بنيعيش، والدكتور عبد الله الدامي، الطبيبين الشرعيين بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، قامت في 35 صفحة بتوثيق الفحوصات والمقابلات التي أجريت مع 19 معتقلا بسجن عكاشة و16 معتقلا بسجن الحسيمة. 

تقرير الخبرة الطبية التي أجريت على معتقلي حراك الريف by Sammouni Mohamed on Scribd

وسجل البروفيسور بنيعيش في تقرير الخبرة أنه أثناء اللقاءات التي أجراها مع الزفزافي ومعتقلي الحراك بالدار البيضاء صرحوا أنهم “كانوا ضحية سب وإهانة أثناء الاعتقال ونقلهم إلى مفوضية الشرطة بالحسيمة؛ وذلك بعبارات عنصرية من قبيل: “أولاد الصبليون”، و”بغيتو ديرو دولة ديالكم” وتهديد بالاعتداء الجنسي عليهم بإدخال زجاجات في مؤخراتهم”.

كما أكدت وثيقة الخبرة التي أحيلت على وزارة العدل من قبل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والتي أحالتها بدورها على الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء أن “الزفزافي أبلغ الطبيب الشرعي أنه تلقى ضربة بواسطة عصا على رأسه، بالرغم من أنه لم يظهر مقاومة خلال التدخل لاعتقاله في منزل أحد أصدقائه، وتلقى ضربة في العين اليسرى وأخرى على مستوى المعدة، كما وضعوا عصا بين رجليه، وهو ما اعتبره اعتداءً جنسياً عليه”.

الخبرة الطبية التي أحيلت على النيابة العامة ولم تعتمدها في ملف القضية، حسب ما صرح دفاع نشطاء الحراك، دفع بمحاميي النشطاء إلى وضع نسخة من تقرير الخبرة الطبية التي أشرف عليها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مع طلب فتح تحقيق في نتائج الخبرة التي تظهر تعرض نشطاء الحراك للعنف. لكن المحكمة الابتدائية في حكمها الصادر في حق النشطاء، التي وصلت إلى 20 سنة سجنا في حق الزفزافي، ووزعت أحكاما ثقيلة أيضا على باقي النشطاء أنه “بناء على تقييم الطبيب المكلف من المحكمة، أن سبب إصابات الزفزافي هو “مقاومته العنيفة لعناصر الأمن خلال اعتقاله في 29 ماي 2017، وليس عنفا غير قانوني من قبل الشرطة”، كما لم يتطرق الحكم إلى  أسباب الإصابات التي وجدها الدكتور العباسي على الرَجلين الآخرين للزفزافي.

الفصل الرابع: الزفزافي يحرج السلطات 

لم تنته قضية “تعذيب الزفزافي” بنطق الأحكام الاستئنافية التي أيّدت أحكام المحكمة الابتدائية “الثقيلة”، فالتسجيل الصوتي الذي سرّب من زنزانة الزفزافي بسجن راس الما بفاس، أعاد فتح النقاش حول تعذيب قائد حراك الريف، يقول فيه  “إنه تعرض للضرب والركل والرفس واغتصاب بعصا أثناء مداهمة البيت الذي أوقف فيه في ماي 2017”، وهو ما أدى إلى معاقبته هو ومجموعة من النشطاء من قبل مندوبية السجون بإيداعهم السجن الإنفرادي “الكاشو” لمدة 45 يوما، وتفاعل النيابة العامة مع التسجيل وتأكيدها على أنها مستعدة لفتح تحقيق إذا قدم الزفزافي دلائل جديدة تسمح بذلك، وفي هذا السياق يوضح خالد البكاري الناشط الحقوقي أن “النيابة العامة، فرغم انها احترمت الجانب الشكلي المرتبط باختصاصاتها في بلاغها عكس بلاغات مندوبية السجون، إلا أنه نستغرب استعدادها لفتح تحقيق في تصريحات ناصر الزفزافي بخصوص تعرضه للتعذيب حين إلقاء القبض عليه”، موضحا أن هذه “لنيابة العامة هي نفسها من رافعت ضد فتح التحقيق حين أثار الزفزافي هذه الوقائع أمام المحكمة الابتدائية، بزعم أنها أثيرت أمام قاضي التحقيق ،وكذا في شكاية مباشرة، وتم حفظ الشكاية، الأنكى أن النيابة العامة تطالب ناصر بدليل، وهذا مخالف لما صادق عليه المغرب بخصوص اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تلزم النيابة العامة بالتحرك وفتح تحقيق فور علمها بأي مزاعم للتعذيب”. 

رسم عبد العزيز موريد في كتاب “نحن نجوع الفئران!” © 2000

وفي ذات السياق أوضح البكاري أن بلاغ النيابة العامة اقتصر على تصريحات ناصر في الأوديو، وأعرضت عن ادعاءات التعذيب الجديدة التي حدثت يوم الخميس بسجن راس الما”، وبخصوص طريقة تعامل المندوبية العامة للسجون يضيف البكاري أن “هناك تناقضات في بلاغي المندوبية العامة والنيابة العامة، فبلاغات المندوبية العامة للسجون المتواترة تحمل إشارات سياسية لا تدخل في صلب عمل المندوبية واختصاصاتها، فمرة تلعب دور النيابة العامة في توجيه اتهامات خطيرة، ومرة تخوض في تحليل الخطاب، وأحيانا تصل حد قراءة النوايا، وفي كل بلاغاتها لم تستطع أن تنفي ادعاءات ممارسة التعذيب المتهم بها موظفوها، فلا هي قبلت تحدي إطلاع محاميي المعتقلين أو أي لجنة تحقيق على محتويات الكاميرات المثبتة في مكان نازلة التعذيب المتهمة بها، أو نازلة اعتداء المعتقلين على موظفيها كما تدعي، ولا هي قبلت بخبرة طبية من طرف أطباء شرعيين”.  

البكاري في وقفة احتجاجية بالرباط

وأوضح البكاري في ذات التصريح لـ µ: “العقوبات التأديبية القاسية التي انزلتها بالمعتقلين مخالفة لقواعد مانديلا الخاصة بمعاملة السجناء، وما يعرف بالقواعد الدنيا لمعاملة السجناء، والتي تمنع السجن الإنفرادي لأكثر من أسبوع، مع العلم أنها تعتبر احتجاز شخص في مكان منعزل لمدة تفوق 22 ساعة سجنا انفراديا، وحتى خلال هذه المدة لا يجب حرمانه من الزيارة العائلية ومن التطبيب، كما يجب تمتيعه بمراقبة طبية متواترة، لتمكينه من رفع حالة السجن الانفرادي إذا كانت ستكون له عواقب نفسية أو ذهنية أو جسدية على المعتقل، وبالتالي فليس تجنيا على إدارة السجون إذا اعتبرنا أنها لم تكن مقنعة في رد الاتهامات الموجهة لها، وأنها كانت تتعمد الاستفزاز في بياناتها بغية تحوير النقاش إلى متاهات البوليميك، عوض الاقتصار على موضوع التعذيب”.