صحافة البحث

بانوراما الأزمة السياسية المتوجة بسقوط الرئيس البوليفي “إيفو موراليس”

- الإعلانات -

جرت يوم 20 أكتوبر انتخابات رئاسية في بوليفيا. لكن نتائجها، كما أعلنتها المحكمة العليا للانتخابات، كانت الشرارة التي أججت غضب الشعب البوليفي في مجمل المناطق التسع للبلد الذي يبلغ عدد سكانه 10 ملايين نسمة. و بمجرد إعلان المحكمة أن الفائز هو “إيفو موراليس” حتى انفجر الوضع على شكل حراكات شعبية عارمة تتهمه بالتلاعب و تطالبه بالتنحي عن الحكم، فيما كان يعلن إنه فاز في الدورة الأولى للانتخابات بفارق يزيد على 10 في المائة من الأصوات على منافسه كارلوس ميسا.

إيفو موراليس الرئيس البوليفي المستقيل © رويترز

ولكن المفارقة أنه بعد 20 يوما على إجراء الانتخابات الرئاسية، ستصبح بوليفيا بدون رئيس بعد استقالة إيفو موراليس من الرئاسة والتوجه إلى منفاه في المكسيك تاركا فراغا سياسيا تجري المشاوارات حاليا داخل البرلمان لمعالجته باختيار رئيس مؤقت يتكلف بالإعداد لانتخابات جديدة قبل 20 يناير المقبل من العام المقبل.

فما هي بالضبط طبيعة الصراع والعوامل التي فجرت الأوضاع السياسية و جعلت الشعب البوليفي ينتفض ضد الرئيس؟

بانوراما الوقائع كما جرت في الساحة البوليفية وحدها تفيد في معرفة ما جرى بالضبط بعيدا عن القراءات الإيديولوجية المتكلسة. و ما جرى منذ انتخابات 20 أكتوبر إلى يوم استقالة موراليس، سبقه وجود أزمة سياسية و دستورية انطلقت بالذات منذ أن أصر على الترشح للمرة الرابعة على الرغم من أن الدستور، و هو القاعدة التي يحتكم إليها النظام الديمقراطي، يقضي بحق أي مواطن أن يكون رئيسا لولايتين لا أقل و لا أكثر.

والغريب أن ولايته الثالثة كان فيها انتهاك صارخ للدستور عندما ترشح لانتخاباتها دون اعتراض من المحكمة الدستورية، ومع ذلك، و بالرغم من الاحتجاجات، تركوه لحال سبيله، غير أن إصراره زاد عن حده، حيث اقترح تعديلا في الدستور للظفر بحق الترشح لولاية رابعة. لكن المعارضة الليبيرالية رفضت أي تعديل، و لتفادي أي أزمة سياسية، قام البرلمان بالدعوة إلى إجراء استفتاء شعبي يوم 22 يناير 2016، على أساس أن يقول الشعب الفينزويلي كلمته الحاسمة: إما نعم لتعديل الدستور والسماح بالترشح لولاية رابعة للرئيس إيفو موراليس أو لا لتعديل الدستور والسماح بترشحه، فكانت نتيجة التصويت في الاستفتاء الشعبي، هي لا واضحة بنسبة 51.3 بالمئة و نعم بنسبة 48.7 بالمئة.

شرطة بوليفيا تنظم للمحتجين ضد الرئيس موراليس

وكانت هذه النتيجة بمثابة هزيمة انتخابية لموراليس، كان يجب أن يبني عليها قناعته المستمدة من الوعي الديمقراطي و بالتجاوب مع إرادة الشعب و أن يترك الرئاسة عند نهاية الولاية الثالثة لكي يفسح المجال لترشح رجل آخر من حزبه (الحركة من أجل الاشتراكية)، لكنه زاد إصرارا، في تحدي كامل لنتيجة الاستفتاء ولمقتضيات الدستور الواضحة، و بدعم من مناصريه للقيام بحملات كلها تفيد أن إيفو موراليس يجب أن يترشح للانتخابات للمرة الرابعة، مدفوعين بهوس القفز على المنهجية الديمقراطية و الدستورية. و المفارقة الغريبة هو أن “إيفو موراليس” سيتأتى له ذلك، بتواطؤ مع المحكمة الدستورية التي تجاوب قضاتها مع هوس إيفو موراليس و حققوا له جشعه في إدامة وجوده على رأس السلطة بأن قرروا و أباحوا له الترشح لولاية رابعة تحت مبرر أن “لكل مواطن الحق في الترشح للانتخابات” بمبرر تطبيق الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان، و ما علاقة حقوق الإنسان بالانتخابات التي تنظمها الدساتير؟

وعلى هذا الأساس، و بالرغم من الاحتجاجات الشعبية القوية و انتقادات لاذعة للمعارضة على هذا الخرق الواضح الذي يقفز على الدستور و على نتيجة الاستفتاء الشعبي، تقدم “إيفو موراليس” للمرة الرابعة في انتخابات 20 أكتوبر الماضي رفقة المعارض الليبيرالي “كارلوس ميسا”، حيث ما أن اقتربت، منتصف الليل، عملية فحص الأصوات، إلى 84 في المائة، حتى تبين خلالها أن إيفو موراليس حصل على 45،28 في المائة و كارلوس ميسا على 38،16 في المائة بفارق في الأصوات لا يزيد على 10 نقاط، علما أن تفادي الذهاب إلى الجولة الثانية يقضي بوجود فارق يتجاوز هذا العدد من النقاط.

ماذا حصل بعد ذلك، قبل الانتهاء من عملية احتساب الأصوات؟ بشكل مفاجئ توقف النظام الآلي مما جعل المعارضة الليبيرالية و المراقبين الدوليين يحتملون حدوث عملية احتيال، مما تسبب في تأجيج الغضب في كل الأقاليم التسعة للبلد، و ما أن أعلنت المحكمة العليا للانتخابات فوز “إيفو موراليس”بنسبة 47،08 في المائة مقابل 36،51 في المائة بفارق يتجاوز 10 نقاط، حتى خرجت حشود المدنيين في مظاهرات قادتها منظمات المجتمع المدني، و صاحبتها أعمال عنف في بعض المناطق، كما أغلقت معظم الطرق الرئيسية و تحرك عمال المناجم في حركة إضراب عام لدعم الحراك الشعبي المنتفض، و قام جموع المدنيين بإحراق مقرات المحكمة للانتخابات في أقاليم “سوكري”، “بوتوسي” و “باندو”، و بدأ رجال الشرطة في قمع المتظاهرين، لكن تصاعد منسوب الحراك الشعبي، جعلهم يرفضون تنفيذ الأوامر بتفريق المظاهرات، بل أكثر من ذلك، ذهب رجال الشرطة و رؤساؤهم أبعد من مجرد رفضهم لتفريق المتظاهرين بالقوة، بعد أن أطلقوا حركة تمرد و أعلنوا انضمامهم إلى المتظاهرين و تبني مطالبهم بتنحي الرئيس و إجراء انتخابات جديدة و تشكيل محكمة عليا للانتخابات، إذ أول إقليم تحرك في هذا الاتجاه، هو “كوتشابامبا، تبعه “سانتا كروس”، و هو أكبر إقليم محايد للبرازيل، و تلاه “تشوكيسياكا”، و فيما بعد، أعلنت إدارات الشرطة في باقي الأقاليم الأخرى انضمامها إلى الحراك الشعبي و التظاهر وسط الشعب في حركة عصيان لسلطة “إيفو موراليس”، بينما كان موقف مؤسسة الجيش هو الصمت قبل أن تعلن النأي بنفسها عن الصراع و رفضها لمواجهة الشعب المنتفض.

في هذا الجو المشحون، و إطلاق المعارضة الليبيرالية مزاعمها بحدوث تزوير، كان الرئيس موراليس يتهم معارضيه بأنهم يريدون الانقلاب عليه، لكنه أخذا بالاعتبار لملاحظات المراقبين الدوليين، اضطر للسماح بان ترسل منظمة الدول الأميركية لجنة افتحاص عملية التصويت التي عمل خبراؤها بالتدقيق الشامل لمجمل عملية التصويت، فكانت المفاجأة قاسية على الرئيس، حيث خرجت نتيجتها بوجود تحايل خطير و تزوير ملموس تضمنه بيان منظمة الدول الأميركية التي نشر على نطاق واسع يوم السبت الماضي، و كان ذلك كافيا لصب الماء في الزيت الساخن، حيث أخذ الانفجار الشعبي منحا لم يسبق أن عرفته البلاد، و بعد أن كان يتهم موراليس المعارضة بالانقلاب عليه، كان إعلانه بإجراء انتخابات جديدة و بتشكيل محكمة عليا للانتخابات، اعتراف ضمني بان التزوير حقيقة لا غبار عليها، ما جعل قادة الجيش يصدرون بيانا يعلنون فيه ضرورة تنحي الرئيس حفاظا على وحدة البلد و السلم و الاستقرار، و نفس الشيء اقترحته الكنيسة الكاثوليكية و المؤسسة الأمنية، و الاقتراح بالاستقالة التي طالبت به هذه المؤسسات هو تجسيد لمطلب الشعب في الشوارع.

وبالطبع عندما أصبح إيفو موراليس بدون سند، لا من المؤسسة العسكرية و لا الأمنية و لا الدينية، و بعد أن حكم بوليفيا لمدة 13 سنة و 9 أشهر و 18 يوم، يعلن تقديم استقالته بسهولة قائلا بأنه تلقي انقلابا مدنيا و سياسيا و بويسيا (في إشارة واضحة إلى تحالف الشعب و رجال الشرطة و أحزاب المعارضة) بعد كان هاجسه هو الوصول بحكمه كرئيس إلى سنة 2025 الذي انطلق عام 2006.