صحافة البحث

الذبيحة والمسخرة بالمغرب: بين الأنثربولوجيا الكولونيالية والتأويلية لعبد الله حمودي

- الإعلانات -

ملخص:

كتاب أصدر سنة 1988 تحت عنوان la victime et ses masques essai sur le sacrifice et la mascarade au Maghreb، قام بترجمته إلى العربية الأستاذ عبد الكبير الشرقاوي، عن دار توبقال للنشر سنة 2010. الكتاب الكتاب يتضمن 205 صفحات،  ومقسمة على النحور التالي تقديم ومدخل وجزئيين عبر عنهم الباحث بكتابين:

الكتاب الأول: تحت عنوان محاولة في أثنوغرافيا العيد، ويتضمن سبع فصول، وقد خصّ الباحث هذا الكتاب لسجال إبستيمي مع الأثنوغرافيون المستعمرون، والذين قدموا حسب الباحث تأويلات مغرضة، تعكس رؤية إستعمارية والتي أحدثت صدام داخل الدورة الطقسية للعيد، عبر خلق دين منافس لدين. بين الطقس الإسلامي والبقايا الوثنية للأمازيغ حسب تعبيرهم.

الكتاب الثاني: تحت عنوان “المسخرة والذبيحة مؤولتين”، والذي يتضمن خمس فصول، خصّها الباحث لتأويل الذبيحة والمسخرة، عبد الله حمودي يبتدأ في الكتاب الثاني بطرح سؤال، كيف يمكن اجراء تأويل للعيد؟ والذي يحاول الإجابة عنه عبر التفسير المحلي للفعل الطقوسي، والذي يربطه فيه العيد بسلسة من القضايا، عبر أداتين: الملاحظة المباشرة و شهادات الاثنوغرافيين القدماء (مولييراس، دوتيه، لاوست، ويسترمارك )، والذين عجزوا عن ملاحظة وتفسير هذه الممارسة.

تقديم:

يسعى الباحث عبد الله حمودي من خلال هذه الدراسة إلى تتبع السيرورة الطقسية لعيد الأضحى في المغرب، والتي تتميز بطابعها الفريد والخاص مقارنة بباقي الدول الإسلامية، وإن كانت الذبيحة الإسلامية الدينية مشتركة بين جل الدول الإسلامية. إلا أن معظم الطقوس الإسلامية اكتسبت تجذراً محلياً وشعبيا. فالدورة الطقسية لعيد الأضحى في المغرب، تبتدأ من الذبيحة وتتلوها، أيام من الفرجة والمساخر بالأقنعة، وموكب لعب لا يكف أصحابه عن خرق القواعد نفسها التي يقوم عليها العيد الإسلامي، هذه المساخر تتمحور حول شخصية تدعى “بيلماون”، أو “بوجلود” وفي مناطق اخرى “هرمة”.

اختار عبد الله حمودي قرية ايت ميزان بحوز مراكش كمجال للدراسة، وهي قرية أمازيغية يتحدث سكانها تاشلحيت وهي لغة ايت ميزان وجميع جيرانهم حتى نهاية وديانهم شمالا. ويقدم من خلالها طقس العيد كشكل من الدراما ” في بنية إجتماعية تتسم في غالب الأحيان بصرامة في القواعد والأعراف، تبتدأ بصلاة العيد متبوعة بالذبيحة في جو مليئ بالطهارة والقداسة والخشوع، وفي ثلاثة أيام التالية تحتل القرية أجواء من المساخر واللعب، وإنقلاب في القواعد والأعراف وفي التراتبات الإجتماعية.”

إن مقاربة الباحث في هذه الدراسة تسعى إلى تخليص الطقس من الخطاطات المهيمنة التي أسستها الأنثروبولوجيا الكولونيالية، والتي استلهمت أسسها من الخطاطة الفريزيرية[1]، من جانب، ومن جانب أخر فهو يريد إعادة تأسيس لأنثروبولوجيا مستقلة تدرس الذبيحة والمسخرة من خلال سياقها الإجتماعي.  لهذا سجلت أطوار الدراسة مساجلات للخلاصات التي قدمها الباحثون السابقون والتي دافع من خلالها الباحث عن الأنثروبولوجيا التأويلية[2]

سنحاول إبراز أهم أفكار الباحث المقدمة في هذه الدراسة من خلال قسمين أساسين:

  • أولا: الذبيحة والمسخرة في المغرب بأي منهج؟ سجال حمودي مع الأنثربولوجيا الكولونيالية.
  • ثانيا: من الذبيحة إلى المسخرة في المغرب: أطروحة عبد الله حمودي التأويلية للدورة الطقسية.

أولا: الذبيحة والمسخرة في المغرب.. بأي منهج؟

لقد شغلت الذبيحة والمسخرة إهتمام الباحثين الرحالة منذ نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين، وتبقى مساهماتهم ذات أهمية، وإن ارتبطت بالسياق التاريخي الإستعماري، فعلى عكس الكتابات العربية الإسلامية التاريخية التي لم تنطق بحسب الباحث بكلمة واحدة حول الذبيحة والمساخر، والتي اهتمت بدراسة تتطور المجتمعات العربية الإسلامية من منطلق إستشراقي، دون الإهتمام بالمجتمعات والطقوس المحلية، وهذا يعني أننا مدينون حسب الباحث عبد الله حمودي إلى اكتشاف المساخر في شمال إفريقيا لنظرة خارجية لوحدها.

وبالرجوع إلى الأنثربولوجيا الفرنسية على وجه الخصوص، والتي كانت تدفعها أطماع إستعمارية، بمعرفة ودراسة المجتمعات المحلية، وهذا ما جعل الأنثربولوجية في هذا الفترة مرتبطة بدراسة الثقافة الأمازيغية. لذا كانت الذبيحة والمسخرة جزءا من اهتمامات هؤلاء الباحثين. ولكن قبل الحديث عن طروحاتهم، لابد من الإشارة من أن البحث الميداني في القرن 20، كان تكتنفه بعض الصعوبات والتي أثرت على خلاصات واستنتاجات الباحثين الكولونياليين، أبرزها كون المجتمعات المستعمرة في تلك الفترة كانت تطابق على حد قول الباحث عبد الله حمودي بين الباحث الأنثنوغرافي والانثربولوجي وهو دائما مسيحي، وبين المستعمر، إضافة إلى عدم معرفة الباحثين باللغة الملحية الأمازيغية واعتمادهم في غالب الأحيان على مخبرين أبناء هذه المجتمعات، لذا يطرح سؤال جدية وصدقية هذه الخلاصات حول المجتمعات، وخاصة المجتمع المغربي.

إستلهم الفرنسيون إدموند دوتي (1867-1926) ومن بعده إميل لاوست الذين اهتموا بدراسة الذبيحة والمسخرة طروحاتهم من المقارنة التطورية الفريزيرية، والتي تطرح فكرة إنكار التعايش والجدلية داخل السيرورة الطقوسية، وإعتبار الكرنفال الأمازيغي داخل سيرورة العيد، هي بقايا وثنية للدين الأمازيغي القديم، وأطروحة موت وبعث الإله. هذه الأطروحة تفصل وتصادم بين الذبيحة والمسخرة.  ويمكن ربط هذه الأطروحة بالمصالح الظرفية للسياسة العلمية الموجهة للبحث عن دين أمازيغي، دين له روافد مسيحية ورومانية تجعل الثقافة المغربية قريبة من القيم الغربية.

فأطروحة إميل لاوست الذي تابع خطى أستاذه دوتي  ، حول موت وبعث الإله التي تحتفل بالسنة المنصرمة، والتي تجسدها المساخر، ضمت إليها الممارسات الجديدة التي ادخلتها الديانتان الجديدتان، المسيحية ومن بعد ذلك الإسلام. إلا أن إدوارد ويسترمارك الأنثربولوجي الفيلندي (1862- 1939)  له وجهة أطروحة تعارض التوجه الفريزري لزملائه الفرنسيين، بالرغم من أنه لا ينفي أن تكون هذه الطقوس من مخلفات ممارسات سابقة عن الإسلام, فهو في اتفاق مع الباحثان دوني ولاوست بهذا الصدد. إلا أنه يعتبر أن فرضيات لاوست حول وجود طقس موت وبعث الإله مصحوب بجنس جماعي عند الأمازيغ لا تستند غلى أي دليل تاريخي، ولادليل على تجسيد الإله في جسد قوي لأن فكرة بعث الحيوان الذبيحة، لها موضع في المعتقدات الإسلامية. في المقابل أسند لكل من الذبيحة والمسخرة نفس الوظيفة، إتصال بالمقدس، طرد الشر، والتحلل من المقدس. وقد تساءل باحثنا عبد الله حمودي ونتساءل معه بدورنا عن ماذا يفهم بالتحلل من المقدس في مجتمع يبحث بالعكس من ذلك عن الإتصال الدائم بالله.

عبد الله حمودي يعتبر أن شكلانية ووظيفية ويسترمارك التي استلهمها من أطروحات هوبير ومارسيل موس[3]، لم تُخفي أهمية دراسته حول الذبيحة والمسخرة والتي حاول من خلالها وضع بيلماون في إطاره الإجتماعي والأيديولوجي العام. ولربما تكون هذه منطلقات عبد حمودي في تأويل هذه السيرورة الطقسية.

ثانيا: من الذبيحة إلى المسخرة في المغرب: الدورة الطقسية.

ينطلق عبد الله حمودي في الكتاب الثاني بطرح سؤال، كيف يمكن إجراء تأويل للعيد؟ فالباحث ينطلق من الواقع الإجتماعي لإعادة تأويل السيرورة الطقسية المصاحبة للذبيحة. فالعيد الذي ينظر له بكليته، عكس الأنثربولوجيا الكولونيالية، هو عيد يتخذ شكلاً دراميا حيث الجماعة المثالية، توزع فيها الأدوار بشكل تراتبي يعكس طبيعة المجتمع المحلي، فهي تمر أولا عبر ثلاثة مراحل: صلاة الجماعة في المصلى على غير طبيعة الصلاة في الأيام العادية، والتي تسبق فيها الصلاة خطبة العيد. هي صلاة خارج الاسوار يراها حمودي كما لو كانت قطيعة كلية مع الدنيا، اجتماع المضحين في المصلى لهذا الطقس هو النهاية الباهرة لهذه القطيعة التي تبحث عنها الجماعة التي صارت مثالية في القرية كما في المدينة .

 ثم يليها مرحلة الإجتماع وتناول الفطور، ثم مرحلة ذبح الأضحية في أجواء من الطهارة و القدسية والخشوع والوقار. والتي  تتم خارج المسكن بحكم الرواية الأكثر شعبية للأسطورة الابراهيمية تؤكد ان ذبيحة الابن ينبغي ان تتم بعيدا عن البيت الابوي, والتي تسبقها طقوس أنثوية المرأة ( استعمال الكحل، الحناء …)، الحناء  باعتبارها مادة من الجنة على قوم التفسير المحلي، كما يستعمل في بعض طقوس العبور ( الختان، الزواج) لانهما بالضرورة يمهدان بنحر ضحية . من خلاله يتضح ان الدم المسفوح والحناء يجدان نفسهما مترابطين باستمرار.هذا الجو الروحاني ينقلب بشكل عنيف، كما لو أنه إنقلاب على القيم والسلطة الإجتماعية، حين يحتل مواكب من المساخر القرية في ثلاثة أيام اللاحقة على العيد.

الفعل الطقوسي للمسخرة يتم وفق وقفات يجرى الاعداد لها لفترة طويلة في مكان يسمى ” تخربيشت ” سماها حمودي الحزمة الأولى : الفعل في الكواليس : الذي يبدا بدخول الشباب الى تخربيشت وهناك تدور وقائع الاستعداد للاحتفال، حيث يتم تعيين شخصيات التقنع الأساسية وتنكيرها. ويعد بلماون، وهو شبه حيوان فاحش ذو قائمتين، الشخصية الرئيسية. يتنكر بفراء الحيوانات المنحورة في الصباح، ويتقمصه عادة رجل من القرية: «يتجرد من جميع ملابسه باستثناء السروال القصير، ثم يرتدي الفراء مباشرة على لحمه دون أن تغسَلَ أو تنظف، تخاط عليه أولا الفراء التي ستشكل سرواله.

أما رأسه، فهو رأس أضحية ذات قرنين. ونظرا للطبيعة الفاحشة لهذه الشخصية، فإنها ستشدد طوال مراحل التقنع على تعرية الأوصاف الجنسية. أما باقي الشخصيات، فتتكون من أربعة يهود، ضمنهم حبر واحد، يحملون أقنعة مشنقية ويرتدون بذلات متجانسة، ثم عبد الواحد. وستشكل هذه الشخصيات حرَس بلماون.

يتم إحتلال القرية من الشبان، “حديثو العهد بالزواج أو غير المتزوجين” ويتم تحريم مشاركة الشيوخ والأطفال في عيدهم، كما لو أنه إنقلاب على السلطة الأبوية في إخلال واضح بالأعراف والقواعد. فتقسيم العمل الإجتماعي مبني على سطوة الأب وإشرافه على الأسرة. دون قيامه بأي عمل شاق، بل مكانه “الجماعت” حيث يتم تدبيره شؤون القبيلة. الولوج إلى القرار داخل هذه المجموعة “الجماعت” لا ينتقل اليا بواسطة الزواج، بل لابد من موت الأب. الكرنفال الذي يحل القرية في الأيام الاحقة بالعيد. هو إنقلاب على هذه السلطة الأبوية, وعلى القيم المحافظة التي تتمسك بها الجماعة طيلة السنة.

كما أن المسخرة وهي تستحضر رموزاً سياسية، والتي تتجسد في بعض الشخصيات، القائد وحراسه، والقاضي الذي يحكم بعكس العرف والمنطق، هي صور الإستبداد الحاضرة في أذهان سكان هذه القرية. إلى مرحلة الإستقلال عرفت القرية إستبدادا سياسيا من قائد فرض سلطته على هذا التجمع أي ايت الميزان، مدعوما بأسر قوية. ولازالت حسب الباحث عبد حمودي الذاكرة الجمعية لسكان القبيلة، تذكره فقد كان يمارس قضاءه بنفسه وغالباً في السوق الأسبوعي. فلم تكن السلطة الإستبدادية ماقبل القرن 20 مجهولة عند هذه المجموعات، فشخصيات المسخرة ” بيلماون، العبد، اليهود”، منظوراً إليها من هذه الزاوية تجد نفسها حسب الباحث في الواقع المحلي.


[1]  استمد تايلور نظريته من  مقدمات تايلور التطورية، حيث حدد مراحل تطور البشرية في ثلاثة مراحل، السجر ثم الدين ثم العلم. بالتالي فهو يقرر أسبقية السحر عن الدين، ويعتبرها مرحلة سابقة عن بروز العلم. سير جيمس فريزر، الغصن الذهبي، دراسة في السحر والدين، ترجمة نايف الخوص،

[2]  تعد أبحاث الباحثان كليفورد غيرتز، وديل أيكلمان، الأعمال المؤسسة للأنثربولوجية التأويلية، والتي استخدمت لدراسة المجتمع المغربي  فالأنثروبولوجية  التأويلية تسعى إلى  فهم طبيعة النظام الاجتماعي المغربي وضبط آليات تغيره انطلاقا من تصورات الأفراد وتمثلاتهم الثقافية حول الوجود وحول علاقاتهم الاجتماعية.

[3]حاول موس وهوبير إبداء مجموعة من الملاحظات حول التصور الذي قدمه R.smith سميث لشعيرة الأضحية، والذي بعد تأمله لها في مجموعة من الحضارات المختلفة توصل إلى كون الأضحية عبارة عن هدية يقدمها الإنسان لمخلوقات خارقة للعادة “الآلهة تحديدًا” بهدف التعلق بها، وأيضًا ليستمر في التقرب منها كلما ابتعدت عنه، ومن هنا تصبح الأضحية هدية وتكريمًا للآلهة، وقد أدى تطور فهم الإنسان وتمثله للأضحية إلى الانتقال من التضحية بالحيوان إلى التضحية بالنفس وهي بذلك تمنح المؤمن امتيازًا عند ربه، يمكن الإطلاع على المزيد من التفصيل في المقال على الرابط التالي: http://bit.ly/2mTYe9d  تم الإطلاع عليه على الساعة 18 يوم 29 شتنبر  2019 .