صحافة البحث

السود في هوليود.. “تيتانيك” و”أميستايد” عبوران متناقضان إلى أمريكا

- الإعلانات -

 يبدأ الفيلم بنضال يدوي لفك القيد، مشهد اختلط فيه العرق والدم. تمنح الإضاءة مشهد الافتتاح قوة تعبيرية كثيفة. تعصر الكاميرا وجه البطل سينكي (دجيمون هونسو) فيسيل العرق… تتوالى لقطات بالأبيض والأسود ثم يضيء البرق السلاسل الجراح ويظهر الأحمر فيثور العبيد في سفينة أمستايد. من جهته يبدأ الفيلم النقيض بالأسرة المرقعة محملة بالغالي والنفيس تدخل الميناء لتركب سفينة تيتانيك. وأثناء الرحلة تأكل بطلة تيتانيك في صالون فاخر وتستلقي ليرسمها عاشقها وعلى صدرها قلب ماس.

هذان فيلمان عن العبور لأمريكا  كلاهما يحمل إسم سفينة، واحدة تمثل عظمة الغرب وأخرى تفضح إذلاله للشعوب. يعكس الفيلمان روح عصريهما، وهما مقتبسان من وقائع تاريخية. تقصد تيتانيك شمال أمريكا وتقصد أمستايد جنوبها حيث حقول القطن والبن. تاريخيا تفصل سبعين سنة بين الحدثين، لكن الفيلمان صدرا معا في 1997 وغطى احدهما عن الآخر.  فيلم أمستايد لستيفن سبيلبرغ هو نقيض تيتانيك لجيمس كاميرون. هنا نرى عبور العبيد وعبور مستغليهم. يقطن الفقراء في قعر السفينة المظلم ولم يحظوا في الفيلم إلا بلقطات قليلة بينما يحلق الأغنياء في القمة حيث النور والهواء والصالونات وقد صورتهم الكاميرا عن قرب ليظهروا كبارا مؤثرين.

بعد مشاهدة فيلم تيتانيك خرج المتفرجون والمتفرجات من قاعة السينما مبتهجين، بعض الشابات بكين تأثرا. لقد جعل الفيلم من الحب موضوع الساعة لأنه تزامن مع إعجاب بيل كلينتون بتنورة الشابة مونيكا لوينسكي. حينها اهتزت علاقة المرأة بالرجل وشاهد العالم هيلاري رودام كلينتون مجروحة بسبب ممارسات زوجها. وهي الآن تسوي الحساب مع الماضي بتقدمها الكبير في انتخابات الرئاسة.

نكتشف في تيتانيك مصاهرة بين أسرة عريقة مفلسة ومحْدث نعمة مملوء الجيب تحتقره زوجته. يشتري لها لوحات بسعر مرتفع إرضاء لها وليس تقديرا لخربشات بابلو بيكاسو. هذا واحد من تجليات موقف الطبقات العليا الأوروبية من المادية والسوقية لسكان العالم الجديد حسب الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت.

كانت تيتانيك رمزا لعظمة الغرب حتى بداية القرن العشرين، كانت ضخامة التوربينات التي تدفع السفينة علامة نجاح الثورة الصناعية، كان ذلك عصر مجد الرأسمالية العزباء والبرجوازية الثورية التي هيمنت على العالم واحتكرت خيراته فأفادت حتى فقرائها، حتى أن جاك – ليناردو ديكابريو – يمارس البطولة وتفتح له أبواب المجتمع الراقي…

جاك رومانسي يتبنى التمجيد البطولي للألم، لذا ينقذ حبيبته ويموت شهيدا من اجل الحب. جاك وروز نسخة عصرية من روميو وجولييت. ماذا تعلمت روز من جاك؟

تعلمت منه أن تبصق على طبقتها الاجتماعية التي وفرت وسائل الإنقاذ لنفسها فقط… لم يدم ذلك طويلا بسبب جبل الثلج: غرقت تيتانيك وتغير العالم. فبعد ثورة الروس في 1917 صارت البرجوازية رجعية وبعد أزمة 1929 أهينت الرأسمالية وغزت نزعة الشك والعدم الفلسفة الغربية.

تجري أحداث فيلم “امستايد” سنة 1839، 22 سنة قبل حرف الانفصال بسبب إلغاء الولايات الشمالية للعبودية. وهو الموضوع الذي عاد إليه ستيفن سبيلبرغ في فيلم “لنكولن”. يقدم المخرج صورة مشرفة للسود في السينما الأمريكية. فعادة، يحرص العبد على خدمة أسياده على حساب باقي العبيد. في هذا الفيلم قتل العبد سيده لينقذ باقي العبيد. حصل سينكي بطل أمستايد على خلاصه بأظافره وعرق جبينه، بينما حصل جاك على خلاصه بالقمار. مفارقة أخرى تنوي روز – كيت ويتسلي – أن تنتحر بسبب الملل بينما تنتحر الأفريقية المختطفة وابنها بسبب العنف والجوع والذل.

هذان مساران متناقضان لرحلتين بين من تمثل لهم أمريكا الحرية ومن تمثل لهم العبودية. إن رفاهية أولئك من عرق ودم هؤلاء.  

تعرفون تيتانيك، لن نخصص لها مساحة كبرى. في فيلم أمستايد يظهر أن سبيلبرغ يحمل مشروعا وليس مخرج أفلام تجارية فقط. وقد اهتم بالعبودية مبكرا، كما في فيلم ” اللون الأرجواني” The Color Purple 1985 و”لنكولن” 2012، وطبعا أميستايد وهو واسطة العقد بين الفيلمين، وفيه اعتمد سبيلبرغ على كاستينغ ملكي، فهناك أنتوني هوبكينز في دور الرئيس الأمريكي السادس، ومورغان فريمان في دور العبد الذي صار حرا ويدافع عن تحرير العبيد. وهناك الممثل البينيني الكبير دجيمو هونسو في دور سينكي والذي اشتهر بدوره في فيلم “ماسة الدم” blood diamond مع ليوناردو ديكابريو.

 يحكي أمستايد عن ملحمة سفينة فيها أربعة وأربعين عبدا مقيدا والبيض طلقاء، في لحظة تمرد يقاتل السود بالسكاكين بينما يقاتل البيض بالبنادق… هناك خلل في موازين القوى. كانت السفينة الأسبانية تنقل العبيد من سيراليون، وقد وصلوا أمريكا في عهد الرئيس الأمريكي الثامن مارتن فان بيرن وهو على وشك الدخول في حملة انتخابية ويحتاج استرضاء ملاك العبيد في الجنوب الأمريكي.

تسببت تجارة العبيد بين القرنين الخامس والتاسع عشر في ترحيل أكثر من أربعة عشر مليون أفريقي مات منهم أكثر من مليونين في عرض البحر بسبب الجوع والمرض والعنف.   

وصلت سفينة العبيد لأمريكا، وهنا كان العبيد ثروة لمالكيها وقد حولت طاقتهم العضلية أمريكا إلى مناجم للتبغ والأرز والقطن. لوضع القارئ في الصورة ارتفع عدد العبيد في الولايات المتحدة من سبع مائة ألف في 1790 إلى ثلاثة ملايين ومائتي ألف في 1850.  وكلما زاد الإنتاج زاد ثمن العبيد. وقد بنى مالكو العبيد قصورا تعكس ثراءهم. وكان أحدهم يملك 1834 عبدا. وكان يعتبر نفسه من النبلاء ويتعاطى السياسة. كان العبيد يقاومون بالهروب والتخريب والقتل.

 صار وضع العبيد رهينة الانقسام الأمريكي حول العبودية. تجري المحاكمة أمام القاضي أربعة أطراف، أولا ملكة أسبانيا الواثقة أن الأفارقة ملك لها، وثانيا ربان السفينة وهو قرصان نخاس يزعم أنه اشترى العبيد ولم يخطفهم من أفريقيا. ثالثا ورابعا أنصار العبودية وخصومها في أمريكا. كانت مقدمات حرب الانفصال حاضرة في المرافعات. وهكذا فإن فيلم أمستايد هو بذرة لفيلم سبيلبرغ القادم “لينكولن”. وليس صدفة أن يتولى رئيس أمريكي سابق المرافعة لصالح الأفارقة، وقد بنى إستراتيجيته في الدفاع بأن طلب من الرجل الأفريقي سينكي أن يحكي قصته ليقنع المحكمة.

هنا نكتشف وصفة هوليود لاستخدام السرد كحجة للإثبات. يسمح التذكر للمتفرج باستكمال المعلومات عن كيف وصلت الشخصيات إلى هنا،

يكتشف كيف اختطف سينكي من قريته في غرب إفريقيا. يكتشف حال السفينة – السجن حيث الدم والسلاسل… كانت هذه من لقطات الفلاش باك النادرة في أفلام سبيلبرغ، ويبدو أن اللقطات تستلهم سيرة كونتا كينتي في رواية “جذور” Roots لأليكس هيلي وهي نص مرجعي عن تاريخ النخاسة الثلاثية والعبودية.

بهذا التذكير يربط سبيلبرغ ماضي أمريكا بحاضرها. فالسينما مرآة المجتمع الأمريكي. ففي غشت 2014 قتل مراهق أعزل أسود على يد شرطي ابيض فعاد الماضي دفعة واحدة إلى شاشات أمريكا. اتضح أن البوليس يتصرفون كجنود لا كشرطة في تعاملهم مع الشبان السود. وفي يونيو 2015 قتل شخص ذي بشرة بيضاء تسعة أشخاص في كنيسة تاريخية خاصة بالأمريكيين من ذوي الأصول الأفريقية .

حصل كل هذا في الجنوب الأمريكي. ومن علامة تفاعل السينما والواقع الأمريكي كثرت الأفلام التي صورت السود منذ وصول باراك أوباما إلى الرئاسة. ومن تلك الأفلام “اثنا عشر سنة عبودية” لستيف ماكوين وهو مأخوذ من سيرة حقيقية وحصل على أوسكار في 2012، وطبعا فيلم “جانغو” لكونتين ترانتينو وفيه صور أسودا يركب فرسا مثل كاوبوي لأول مرة في تاريخ السينما الأمريكية.

رغم هذا الاهتمام بالسود فالعنصرية هي جبل الثلج الذي يهدد سفينة أمريكا، وقد اعترف أوباما بأن أمريكا لم تشف من العنصرية بعد، وها هي امريكا تعلن عن وضع صورة امرأة ملونة على الدولار. هذه علامات وعي صحي بالذات. وصرح بطل “امستايد” الممثل الكبير مورغان فريمان”التغيير الوحيد الذي حصل بعد انتخاب أوباما هو أن العنصرية صارت واضحة”. هذا في السياسة والمجتمع، أما في السينما فيقول فريمان أنه “نادرا ما يبقى السود أحياء في نهايات أفلام هوليود”. مازال هناك إذن في أمريكا من ينكر حق السود في الحياة، في الواقع، في جهاز الشرطة وفي الشاشة.