صحافة البحث

“تيفو” الغرفة 101: أطلقوا سراحنا جميعا!

- الإعلانات -

كان لـ”تيفو” كروي أن يضرب عاليا في سماء الدار البيضاء، في مباراة غاية في التشويق و”السيسبانس” والفرجة.. التيفو المأخوذ من روايةٍ ( 1984) لصاحبها جورج أورويل، الكاتب نفسه الذي ضمّن في مقطع من روايته مشاهد البؤس الاجتماعي في مراكش الحمراء لسنوات الأربعينيات.

الرواية تحكي عن موظف مهمته توليف الحقيقة حسب مُبتغى ومزاج السلطة المتمثلة في الحزب الحاكم، هذا الموظف الذي لم يكن في حقيقة الأمر سوى جورج أورويل نفسه الذي اشتغل صحافيا مراسلا لدى الشرطة الاستعمارية.

في المشهد الأخير يبدو البطل ” وينسون ” متصالحا مع نقيضه (السلطة) بعد مروره المرير من غرفة التعذيب رقم 101.

فهل هي بداية الوعي الاجتماعي والسياسي لجماهير الكرة التي كان دائما يراد لها أن تظل صماء ومنتفخة بالعدم.. قبل هذا التيفو رفع أنصار الرجاء حنظلة رمز ناجي العلي رسام الكاريكاتير الفلسطيني، ثم “المغنية الصلعاء ” المأخوذة عن مسرحية يوجين يونيسكو، الأمر إذاً تجاوز الوعي السياسي المباشر إلى آخر أدبي وفكري ينهل من الدهشة الفنية لأكثر من ستين سنة، تلك الدهشة التي تختزل معاناة التموقع في كل عالم يبدو جديدا ليكتشف أبطاله أن الأمر لا يعدو أن يكون سوى عوالم قديمة بتقنيات الضبط والتوليف الجديدة.

تيفو المغنية الصلعاء المستلهمة من مسرحية “يوجين يونسكو”

في سياق عالمي منصته الشارع من الشيلي إلى بيروت، أبرز تجلياته إسقاط منظومة الفساد المحلي ومناهضة النيوليبرالية والتوحش الاقتصادي، تأتي الإشارة إلى الأدب باعتباره ليس جهازا للوصف وللمجاز بل لتفسير ظواهر الواقع . لا أقصد أنه ليست هناك أزمة للقراءة في المغرب وأزمة تواصل بين الكتاب وبيئتهم بل وأزمة إيمان بالثقافة كسلوك ونمط حياة وإرادة في الاقتصاد والناتج الداخلي الخام، بل إن ما فعله الجمهور هو الدعوة إلى تغيير النظرة إلى الجمهور نفسه وكشف أنه وراء لعبة القراءة مثلا وصورة المثقف بهالة مظهرية ولغوية سواء في الغرابة، كما في ربطة العنق تكريس لعدم فعل الثقافة نفسه، واعتبار الرقص والفنون والآداب وسائل الاستعراض والبهرجة وتسويق نموذج معين للتفكير والممارسة، هذا ما لم يعد ممكنا في ظل أدوات الاتصال وتطور اللعبة التي يرى فيها جمهورها نموذجا للحياة والموت ومعلمة كالدين والهوية.

على مر الثمانينيات والتسعينيات كانت كرة القدم في المغرب مجرد لعبة .. لعبة بمثابة الغابة التي تخفي كل شيء : مفهوم الشعب، الوطنية… في ظل محاولة النظام السياسي فرض مراقبة لصيقة حتى لا تمر إليها السياسة تنظيما وملعبا.. فجأة وفي سياق ما يشهده الشارع العالمي من مشاهد الانفجار السياسي والاجتماعي ضدا على السياسات النيوليبرالية، يأتي جمهور شبه منظم يغني عن الظلم ويستنكر الفساد ويبدع ألوانا وأشكالا جديدة في الاحتجاج ..

حيث إنه لم تكن نبوءة بتعذيب منافسٍ في آخر دقيقة من موت المباراة، لم يكن مجرد شعار صبياني مزاجي في ساحات كرة القدم من قبيل تنافس الجماهير حول ميسي ورونالدو وعلى السبق في امتلاك القميص الذهبي أو كرة طائشة، ولم تكن فرجة على سبيل مفهوم ” الشيء الثقافي ” الذي فاه به أخيرا وزير الثقافة، ولم تكن حتى رسالة مشفرة ..

كان الأمر يتعلق بخطاب واضح ومباشر وعالي الدقة، كانت صرخة شعب كرة القدم .. الشعب المنهك ليس من قهر اليومي والاستهلاكي بل من فرط التعب في ومن الشغف والحلم، الشعب الذي ضاق بغرفة التعذيب التي تتسع أو تضيق، الشعب الذي يرى في الكرة خبزا يوميا وتذكرة حضور شاقة إلى الدخول إلى أرض الملعب الأم ..

تيفو الأمس كان إيذانا بانتهاء عصر مثقفي الخدمة “النخبة” التي طالما اعتبرت المكرفون والرواية والمسرح والسينما ملكية صغيرة، أو غرفة شخصية أو صالونا سياحيا، والذين لم يكونوا (جلهم) يفعلون شيئا لجعل المعرفة متداولة مثل الحب والورد، ولا يهتمون إلا بهندامهم في الإنتاج، تيفو الأمس وقّع على إقالة وليست “استقالة” مثقف الوساطة، وقال للجهلة من الكُتاب والأحزاب والزبناء السياسيين للدولة، أسقطوا الفكرة القديمة عن الجمهور وعن الاستثناء الثقافي وعن توطين اللاسياسة في الفن والرياضة.. تيفو الأمس قال للأمنيين والمتعلمين والحرس القديم للبيت والشارع : أنا أيضا أفهم في الرواية والكتاب والسينما وأنهل منها الرسالة والرمز لكني ضقت ذرعا بتلك الغرفة ..

تيفو الأمس قال بالحرف والجملة : أطلقوا سراحنا جميعا!