صحافة البحث

كليفورد كيرتز: السوق مؤسسة تساعد على فهم المجتمع المغربي.

- الإعلانات -

لم يتوقف الأنثروبولوجي الأمريكي عن الإنتاج والعطاء إلى حدود وفاته سنة 2006. أقام بمدينة صفرو الصغيرة والجميلة وبالأطلس طيلة عقد الستينيات، وأثارته ظاهرة الأسواق الصغيرة بهاته البلدة، فأنجز بحثا حول سوق صفرو: اقتصاد البازار. وبعدها انتقل إلى الاهتمام بالبعد الثقافي العام للمجتمع المغربي عبر دراسة الإسلام وتمظهراته: ملاحظة الإسلام، ثم العمل على إدراجه ضمن المقارنة وذلك عبر مواجهته بالكيفية التي يحضر بها لدى ساكنة جافا عاصمة إندونيسيا وبالي… إلى جانب دراساته الميدانية، سيسند كيرتز مساره العلمي بدراسات نظرية وإبستمولوجية حول طبيعة العلاقة بين المعرفة المحلية والمعرفة الكونية وكذا تفصيل الصلات بين المعرفة اليومية أو الحس المشترك والمعرفة العالمة فلسفية كانت أم دينية. 

يعتبر كيرتز من أعمدة الأنثروبوجيا الثقافية المعاصرة. وبما أن لفظ الثقافة المعاصرة يغمره التباس كبير، فقد توقف كيرتز عنده لتحديده وإيضاحه. في سياق ذلك سيلجأ إلى السوسيولوجيا الفيبيرية، وسيقول مع هذا الأخير إنه إذا كان الإنسان، حسب فيبر، حيوانا مغلفا وملفوفا بالدلالة التي ينتجها بنفسه، فمن المفروض على الأنثروبولوجيا أن تهتم بهاته الدلالات. وبفضل ذلك ستصبح الثقافة نسقا من المعنى والدلالة يتطلب البحث والفهم والتأويل. سيقلب كيرتز، إلى جانب سوسيولوجيين من مثل بيير بورديو وأنثروبولجيين من عيار جورج بلانديي، التحديدات الكلاسيكية للعدة المنهجية الأنثروبولوجية. ستتغير العلاقة بين الملاحِظ والملاحَظ والعلاقة بين البحث ومفهوم الميدان البحثي، مثلما ستتغير معادلة العلاقة بين الوصف الميداني وعملية التحرير أو الكتابة. 

سيبتعد كيرتز بدراسةالعالم الاجتماعي عن كل من الوضعية والنظرية الانقسامية، وسيستثمر النظرية الفينومينولوجية كما حضرت عند ألفريد شوتز بخصوص المعرفة اليومية وبول ريكور والياد وكودولوليي بخصوص الرمز وكيفيات تفكيره وفهمه وتاويله. وبفضل ذلك سيعتبر من مؤسسي الأنثروبولوجيا الرمزية وكذا السوسيولوجيا الفينومينولوجية أو الإثنوميتودولوجيا.

في مؤلفيه “المعرفة المحلية والشاملة” و”الحس المشترك”، يقدم كيرتز رؤية جديدة للمعرفة اليومية تتجاوز التعارض التقليدي بينها وبين المعرفة العالمة. يقول كيرتز إن المعرفة اليومية تستهلك لكنها لا تفكر على الرغم من أنها تتمتع بنفس قواعد وآليات المجالات الأخرى، إنها معرفة طامحة إلى الحقيقة وإدراك للأشياء كما هي. إنها نسق ثقافي حامل للمعنى والدلالة. ويعطي كيرتز، في إبرازه لمعقولية المعرفة اليومية،  أمثلة عديدة من داخل تجاربه

الميدانية سواء بإندونيسيا أو بالي أو المغرب. ليست المعرفة اليومية أدنى من المعرفة العالمة في شيء، إنها، حسب كيرتز، معرفة مختلفة ليس إلا. 

في أحد فصول المعرفة المحلية والشمولية، وعلى طول كتابه “ملاحظة الإسلام”، يقدم كيرتز قراءته لسلطان السياسي المغربي الثقافية والرمزية. وبعيدا عن التفسير الانقسامي السكوني، يعتبر كيرتز أن الاعتماد على المعطى التاريخي في التحليل السوسيولوجي لا يجب أن يعتمد على فرضية عدم وجود أي شيء جديد، الحاضر غير الماضي، فالأمر غير صحيح. مثلما أن المماثلة بين المؤسسات التي خمدت ونمط العيش لا تبدو متينة. إن فعالية المعطى التاريخي في تحليل المجتمع تكمن في أنه على الرغم من كون بنية الحياة ومعها تعبيراتها الاجتماعية تتغير، فإن الضرورات الداخلية التي تحركها وتنشطها لا تتغير. قد يكون العرش مسألة عتيقة ومتجاوزة، لكن السلطة السياسية تستمر في حاجتها إلى إطار ثقافي يحدد هويتها ومطالبها، مثلها في ذلك، حسب كيرتز، مثل المعارضة. يتعلق الأمر مع كيرتز برصد دقيق للثابت والمتغير في الأنساق السياسية بكل متكآتها الرمزية والثقافية. 

لقد رسخ كيرتز رؤيته للعالم الاجتماعي عموما والمغربي خصوصا منذ إقامته وزوجته بمدينة صفرو والتقاطه لموضوع بحثه حول اقتصاد البازار. لقد رأى كيرتز في السوق مؤسسة اجتماعية تميز الحضارة المغربية، وشكلا ثقافية ونمطا اقتصادية واجتماعيا يمكن من خلاله تأويل أبعاد المجتمع المغربي. ففي السوق تبرز علاقات السلطة متداخلة مع العلاقات القبلية والمعتقدات الدينية أنماط التبادل الاقتصادي، وأهم من هذا وذاك، حسب كيرتز، أنماط تبادل المعنى والدلالة.