صحافة البحث

بول باسكون.. حياة صعبة ونهايات غامضة

- الإعلانات -

بول باسكون من أبرز أعمدة السوسيولوجيا المغربية، سواء في شقها الميداني أو التعليمي والتنظيري. شكل العمل معه والاحتكاك به فرصة ذهبية لكثير من الباحثين ورجالات السياسة: التهامي الخياري، الحليمي، محمد الطوزي، حسن رشيق، محمد الناجي، عبد الحي الديوري، الملكي بن الطاهر… 

ولد باسكون بمدينة فاس وبالضبط في أحوازها القريبة سنة 1932م من أبوين فرنسيين، وحصل على الجنسية المغربية سنة 1964م. وبمجرد حصول ذلك سيعين على رأس مكتب الحوز. يقول باسكون: عندما كنت مديرا لمكتب الحوز كان يصلني مهندسون جرى تكوينهم بفرنسا ولم يكونوا على معرفة بحقائق البلاد. لذلك ينبغي أن يكونوا بالمغرب وأن يقضوا في رأيي ستة أشهر سنويا بالبادية لكي يتعرفوا عليها بالفعل. وأدخلت علم الاجتماع القروي المغربي إلى المعهد قبل أن التحق به، وحين التحقت به بصفة نهائية اقترحت إنشاء دورات يذهب فيها الطلبة للعيش في القرى مع سكانها، متعرفين جميع الأنشطة القروية ومنفتحين على قضية التحول الاجتماعي، وهو أمر لم يكن يحصل في السابق، إذ كانوا يركزون خاصة على الضيعات العصرية ويهيئون لتسيير المنشآت العمومية. 

في سياق إقامته بمراكش، سينجز باسكون أطروحة لنيل دكتوراه الدولة وذلك حول موضوع: “حوز مراكش: التاريخ الاجتماعي والهياكل الزراعية” وستصدر في مجلدين سنة 1983م. التحق بول باسكون للتدريس بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة سنة 1970، وظل به إلى حدود آخر خطوة في حياته. يقول بهذا الخصوص: “أنا مدرس بمعهد الزراعة والبيطرة، ويقوم تدريسي على علم الاجتماع القروي، وأنا أتابع أبحاثا شخصية في الميدان وأغذي دروسي من هذه الأبحاث، وأحاول رفقة بعض الباحثين الآخرين خلق شروط مقاربة شخصية أفضل لمشاكل البادية يقوم بها طلبتي وزملائي، وذلك بتنظيم فترات تدريب ميداني في إطار المعهد. ويوفر معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، من وجهة النظر هذه، شروطا نادرة في بلد كالمغرب. ففي إمكان الطلبة فعلا أن يقيموا لفترات طويلة وعديدة بين المزارعين بكل حرية وفي غيبة أي مشاكل إدارية. إننا لم نتمكن بعد من استخلاص كل الفوائد التربوية البشرية من مثل هذه الوضعية، لكننا نتقدم كما أظن في هذا الاتجاه”. 

لم تكن حياة بول باسكون سهلة ويسيرة. لقد قضى طفولته بالبادية المغربية بعيدا عن معاشرة أهل وطنه. مثلما لم يعثر على اختياره الجامعي منذ البداية. لقد حصل على إجازته في العلوم التجريبية وبعدها سيغير مساره نحو السوسيولوجيا. اختياره للجنسية المغربية وطلبه لها سيستغرق الرد عليه أكثر من أربع سنوات. طيلة حياته العلمية بالمغرب تعرض لأكثر من نقد جارح ومشكك في مغربيته ونزاهة مقاصده، مثلما لم تخل وزارة الداخلية على عهد البصري من زرع الأشواك أمام خطواته. سنة 1976م سيختفي فجأة ولداه ندين وجيل، وسيبحث عنهما بول باسكون لمدة تسع سنوات دون نتيجة. فالسيناريو المقدم من الجهات الرسمية، آنذاك، هو أن الابنين اختطفا من طرف عناصر البوليساريو. وبعد انقطاع التسع السنين من البحث سيعثر على الطفلين مقتولين في ظروف غامضة. ونفس الظروف الغامضة هي التي ستعصف ببول باسكون يوم 22 أبريل من سنة 1985 وفقة صديقه أحمد عاريف، وقد لمح الراحل الخطيبي إلى غموض حادثة السير تلك في روايته “ثلاثية الرباط” بسخرية كبيرة قائلا: “يشبه المغرب صندوق العجائب، حادثة سير تقع في الصحراء…؟”. 

لمع اسم باسكون في السوسيولوجيا القروية، وشكلت إعادة قراءته للمجتمع المغربي أطروحته الأساسية والتي مازالت تستهلك علنا وخفية من طرف باحثين كثر. المجتمع المغربي ليس مجتمعا انقساميا أو فيوداليا أو قيداليا أو رأسمالياـ إنه كل مركب من هذه النماذج المجتمعية. ليس المجتمع المغربي مجتمعا انتقاليا بل إنه مجتمع مركب. يقول باسكون: “في المجتمعات المماثلة للمجتمع المغربي والتي لم تكن تمتلك مشروعا مجتمعيا خاصا بها يمكنها من صنع التراضي العام ويوجهها إلى سبل للخروج من التبعية، لم يكن النموذج الرأسمالي هو السائد والمهيمن فقط، بل ثمة، علاوة على ذلك، شيء آخر: هنالك نماذج عدة من التنظيمات الاجتماعية تتصارع داخل المجتمع, لسنا أمام مجتمع معين بل أمام مظاهر جزئية من مجتمعات عديدة تتعايش أحيانا في نفس اللحظة ونفس المكان هكذا ينتمي فرد معين وحسب سلوكاته المختلفة إلى عدة مجتمعات. والدلائل على ذلك بسيطة ويومية: مجموعة من الفلاحين لهم الحق في الأراضي الجماعية وتذهب نساؤهم يوم العنصرة لسكب السوائل على قبور الأجداد، ويطلبون من خماسيهم أن يأتون بالبغلة صباحا ثم يتمنطقون بالخناجر ويذهبون المكتب ليطلبوا القرض الفلاحي جماعيا. ألا يمكن لنا بدلا من تحديهم تحديدا تقريبيا عبر السن والسلالة والمنطقة ردهم إلى تعايش نماذج اجتماعية متعددة، وهي بالمناسبة خمسة نماذج”. يعين بول باسكون في مقام آخر النماذج الخمسة التي تعمل داخل المجتمع المغربي تارة بالصراع وأخرى بالتعايش. هنالك نموذج المجتمع المبني على القرابة العصبية وهو ما يعرف بالمجتمع البطريركي أو الأبوي، ونموذج المجتمع المبني على التضامن الإيديولوجي ذي الصبغة الدينية والصوفية، إنه مجتمع الزوايا والطرق. ثم نموذج المجتمع المبني على التضامن السياسي الإقليمي وهو مجتمع القبيلة، ونموذج المجتمع المبني على الوصاية الفيودالية وهو مجتمع القياد، وأخيرا نموذج المجتمع المبني على التضامن التقني والصناعي وهو مجتمع الرأسمال. يقول باسكون إن التضامن الأول يهيمن على الأشكال الأخرى هيمة واضحة، أما الثاني فلقد كان دائما عابرا ويصعب الاحتفاظ به ولعلنا نستطيع كتابة تاريخ المغرب، بما في ذلك العضر الحديث، بوصفه سلسلة من الهجومات التي تشنها النماذج المجتمعية المخلتفة (اللاهوتية والقبلية والقائدية والصناعية) على المجتمع البطريركي الذي لم يترك الميدان بعد تركا نهائيا.