صحافة البحث

نور الدين الزاهي: إليغ بين المختار السوسي وبول باسكون

- الإعلانات -

لم تكن دراسة إليغ من طرف بول باسكون تشغل باله أو تدخل مشروع أبحاثه، بل إنها الصدفة وبعض من التحدي. “ذات مساء من شهر دجنبر 1965، وصلت إلى إليغ – يقول باسكون- بعد أن عبرت راجلا تازروالت. حينها لم أكن أعرف عنها سوى ما قرأته في الكتيب الصغير الذي ألفه جيستنار والذي يحمل عنوان: “تازروالت: المملكة البربرية الصغيرة” وكذا مقالات نفس المؤلف الغزيرة حول نفس الموضوع المنشورة بالأرشيفات المغربية وفي مجلة هسبريس تامودا ومجلة القبائل والمدن. لقد استقبلني عند وصولي الحسين بن علي زعيم دار إليغ وكان أخوه الحسن موجودا حينها. لقد انبهرت بالمكان وعمرانه وموقعه وغمرتني الرغبة في خوض غمار البحث فيه فقد يكون سندا لتفسير وفهم جزء كبير من المغرب الجنوبي”. سيترك باسكون الفكرة والرغبة تستوطن في جوفه لمدة 12 سنة ودون أن يقطع الصلة والعلاقة مع الحسين وبالخصوص مع أخيه الحسن. سيعود إلى إليغ سنة 1977 بعد أن أنهى بحثه حول الحوز، وسيجد في الحسن شخصية غير منتظرة وذكية. لقد خبر الحسن العلاقة مع أنثروبولوجيين مثل كنيث براون بل حاول الإيقاع به في فخه. الحسن يود أن يكتب تاريخ تازروالت وإليغ بطريقته وبناء على تصوره ولكن بقلم أحد الباحثين المرموقين. لقد عبر لبول باسكون عن ذلك بقوله: إليغ شبيهة بامرأة حسناء، لكن لا رجال هنالك قادرون على تثمين هذا الجمال والحُسن. بدأ الحسن غوايته بوعد باسكون بأنه يملك من الوثائق مالم ولا يمتلكه غيره. بل سيظهر له ذات صباح بعض الوثائق مخاطبا إياه: “في هاته الوثائق معطيات تاريخية لا تتوفر في كتاب المختار السوسي: إليغ قديما وحديثا”. 

سيلاحق بول باسكون وثائق الحسن وسيجمعها. سيموت الحسن قبل أن يتوفر لباسكون على ما يرغب فيه، وما قد يجعل مؤلفه متجاوزا مؤلف المختار السوسي. إنه فخ الحسن الجديد والذي منعه الموت من لعبه بإتقان كامل. سيعلق باسكون على ذلك بنوع من الحسرة الخفية وسيقول إن البحث في التاريخ الاجتماعي هو أساسا صلة بين الناس. سينجز باسكون بحثه وسيصدر مؤلفه: “دار إليغ والتاريخ الاجتماعي لتازروالت” وهو كتاب لا يعد أعمق أو أفضل أو أسوأ من إليغ المختار السوسي. إنه كتاب مغاير عن إليغ لكن لفهمه وتتميه يفترض في كل قارئيه أن يقرأو أولا أو ثانيا إليغ قديما وحديثا. ولنا عودة إلى إليغ بول باسكون. 

إليع المختار السوسي تاريخ من نوع خاص للمنطقة. وهو كذلك لأن صاحبه ليس من طينة من يدونون ما لا علم لهم به خبرا أو وثيقة أو معايشة أو قراءة. هذا السوسي الذكي والمتصوف الدرقاوي المنكمش على ذاته، المولود بإليغ، خبر الكتب بتخصصاتها المختلفة مثلما انخرط في ثقافة زمنه بكل تموجاتها، اعتبرته نخبة أهل فاس السلفية بزعامة علال الفاسي من الآفاقيين الوافدين على القرويين، بكل ما تحمله لفظة الآفاقي من ازدراء عند أهل فاس الأقحاح، لا لسبب سوى أنه علق على التحولات التي عرفتها قيم وسلوكات أهلها ودرجة استهلاكهم للآداب والمعاملات والفنون الفرنسية. وخبر السجن مع المستعمر وظل يرد الدين بطريقة العلماء لمنطقته الجنوبية. 

لمن يهتم بسوسيولوجيا الأسر وامتداداتها السلالية، عليه أن يطل على الكم الوفير الذي أنجزه المختار السوسي عن أسر الجنوب، والتي يصعب حصرها في هذا المقام الصغير. ولمن يهتم بالسوسيولوجيا الدينية عليه أيضا أن يعبر الكتاب ويرتوي من تصنيف الشرف والشرفاء بالمنطقة، ومن يهتم بالزوايا والطرق عليه أن ينتقي ما يوافق أسئلته بخصوص الشيخ أحمد وموسى وزاويته وشيوخه وأتباعه وأبنائه وأنواع صلاتهم بالسلط المركزية المتعاقبة على المغرب. كيف تأسست مدينة إليغ، وكيف توسعت واستعادت بعض أحوازها، وما الذي قاله الشعراء فيها، وما هي حروب السلطة والزعامات القبلية التي اخترقتها، وما هي علاقات الإليغيين بالدلائيين والزيدانيين. أسئلة يفصل المختار السوسي فيها بلغته العربية البهية. إلى جانب ذلك يرصد الكتاب علاقات إليغ الخارجية والتجارية مع أوروبا: هولندا وإنجلترا وفرنسا. وعلى شاكلة الدورة الخلدونية المتحكمة في صعود الدول والأمم واضمحلالها، يخصص المختار السوسي فصوله الأخيرة لإليغ الحديثة والصراعات والحروب التي عاشها رجالاتها، سواء فيما بينهم أو مع الزعماء القبليين الراغبين في إنشاء إماراتهم، أو مع السلاطين العلويين، ليعبر بعدها إلى إليغ وقد فقدت عصبيتها وألقها وقوتها، وانخرطت تحت إمرة السلطة المركزية كراهية لا طوعا. لقد ضعف المغرب أمام قوة الأوروبيين، وما كان لإليغ سابقا من قوة جأش سيصبح حياة عادية لقرية لم تعد تمتلك سوى تاريخها.