صحافة البحث

إليغ.. قدسية وتسامح سيدي احماد موسى

- الإعلانات -

حكاية بول باسكون مع مُخبره الحسين ابن الأسرة الإليغية المتزعمة للأسرة الشريفة ليست بالبسيطة على المستوى الإبستمولوجي. أن تصادف مخبرا مثله يعرف كينيث براون وما كتبه جيستينار عن إليغ، ويدرك ماهية العلم السوسيولوجي ويلم بما كتبه المختار السوسي، بل ويلعب دور المخبر الذي يوجه الباحث العالم بحكم استوائه على عرش الوثيقة التي لا يمكن للباحث في العلوم الاجتماعية إلا أن يحصل عليها ولو باختراق قيم وأخلاقيات البحث العلمي، بل وفي كثير من الأحيان تشغيل الإغراء المالي (الرشوة). صدفة وحظ بول باسكون أو عدم يقظته وحذره الكافيين، كا ما يقول في تقديمه لكتابه حول إليغ، سيجعلان من بحثه هذا ترميقا علميا بالمعنى الذي يمنحه كلود ليفي ستراوس لهاته الكلمة. فعوض الكشف عن الطبيعة المركبة بدقة للمجتمع الإليغي سيقدم بحثا مركبا من حيث تيماته والمشاركين فيه (الباحث أحمد عاريف ومحمد الطوزي وشراوتير وفان دير ووستن). 

سيتكلف باسكون بما راكم البحث فيه من أمور متعلقة بالأراضي والمياه وكذا التجارة العابرة للصحراء وموت سي هشام، وسيشترك مع الآخرين في رصد المقبرة اليهودية وكذا موسم سيدي احماد موسى. 

ليس هنالك باحث أو عالم يستحق التقديس مثلما ليس هنالك باحث ليس له ضحاياه. والمقصود بذلك في حقل العلوم الاجتماعية، هو أننا حينما نختار كباحثين موضوعا للبحث الميداني فإننا ضمنيا نقصي مناطق ومواضيع أخرى، وفي الأمر ظلم مسؤوليته يطول التفصيل فيها, حينما يكون الباحث صاحب حظوة اجتماعية وعلمية وشهرة إعلامية وثقافية فإنه يفوض جزءا من كل ذلك لموضوع بحثه ومنطقة ميدانه البحثي، وبذلك يضفي الظلال على مناطق وموضوعات أخرى. لقد فازت أحواز مراكش ببحث بول باسكون فيها، واشتهرت لدى الباحثين والطلبة من داخل المغرب وخارجه. لكن إليغ ستشغل موقعا أسفل في التراتب الرمزي والعلمي. 

لا تقدم فصول الكتاب الأولى بول باسكون المميز مثلما تعوص ذلك برسومات ومخطوطات لا يمكن للقارئ فك شيفرتها. إلى جانب ذلك يعرض الكتاب صورا لا دلالة علمية لها في سياق البحث. 

وإذا ما استثنينا استحضار الحديث عن اليهود وعن مواسم سيدي احماد موسى، فإن البحث بأجمعه لا يعدو أن يكون تقريرا لإعداد بحث مستقبلي. ليس في الأمر ما يقلل من قيمة بول باسكون العلمية، بل هو درس إبستيمولوجي يقدمه بكل أريحية بول باسكون للباحثين في العلوم الاجتماعية. إنه ما يضفي على باحث مماثل قيمية عليا. 

يسلط بول باسكون الضوء على يهود إليغ وإن من باب إحياء الحديث عن موتاهم. ويخرج إلى العلن تاريخ مقبرة إليغ اليهودية من سنة 1751 إلى 1955، من خلال الوثائق، ويلحق دراسته هاته بالتاريخ الديمغرافي. 

يقدم باسكون وصديقه دانيال شراوتر إحصائيات وصورا عن القبور وأعداد الموتى وقياس معدلات الارتفاع والانخفاض حسب طبيعة الأوضاع المغربية ونوعية الأمراض الفتاكة التي تعرضت لها البلاد. لقد عرفت إليغ هجرة اليهود المغاربة من إفران وارتبطت حياتهم بالتجارة المحلية, وبحكم اتساع حضورهم التجاري سيطلبون من الإليغيين تمكينهم من قطعة أرضية يدفنون فيها موتاهم. هكذا ستصبح لليهود المغاربة بإليغ، إضافة إلى ملاحهم، مقبرة خاصة بهم. بعد هاته الدراسة الجماعية عن الموسم الأكبر لسيدي احماد موسى، والتي ستحاول أن ترفع التحدي مع ما سجله المختار السوسي بشكل متفرق في المعسول وبشكل مركز ووفير في إليغ. وسيتم إعلان أن البحث، وكما هو معنون هو وصف للمواسم المحلية في الجنوب الشرقي المغربي. وبالفعل، فإن الأمر لا يتعدى الوصف الوزع بين محاولة البحث عن ناقب الشيخ المؤسس بعيدا عن المختار السوسي، والاشتغال على طريقة ميرسيا الياد في رسم الحدود بين المقدس والمدنس، سواء على مستوى المكان المقدس وأحوازه الدنيوية، أو على مستوة الزمان والأشخاص والسلوكات الاجتماعية. سيندهش باسكون ومجموعته البحثية من الاختلاط الحاصل داخل فضاء مواسم المنطقة، من التداخل الحاصلبين القدسي والدنيوي أو المدنس بلغة الياد، مثلما لن تتردد الدراسة في وضع الحدود بين المعتقدات الدينية الخالصة وتلك الباطنية أو المدنسة، ومن تم التساؤل عن كيفية تفسيرها وفهمها. سيطرح احتضان ضريح سيدي احماد موسى داخل حرمه شجرة سيدي شمهروش مشكلا أمام عملية الفهم، وسيكون التفسير المقدم من البحث هو أن موقع الشجرة يظل مخفيا ومحجوبا داخل الحرم (الحزام القدسي للشيخ الذي يستوطن الضريح)، وهو يقع على الحدود الترابية المخترقة بنجاسة الماء الحزينة للمجازر والمقاهي المجاورة؟ 

شمهروش له موقع كبير في متخيل المغاربة وحقل الزوايا، مثله في ذلك مثل للاعيشة، وسنعود إليه لاحقا مع باحث مغربي سماه سلطان الآخرين. لكن ما يجب تسجيله هو أن البحث حول هذا الموضوع داخل إليغ، سيقود بول باسكون ومجموعة البحث التي رافقته إلى أن الحل في تفسير التداخل بين المعتقدات الإسلامية وغيرها من المعتقدات في مواسم سيدي احماد موسى، يكمن في فكرة التسامح التي تسم شيخ إليغ لكونه أجاز لشمهروش غير الإنساني (الجني أو قاضي الجن…) أن يتعايش معه على تربة حرمة المقدس.