كيف يقوم CNDH بتكريس التمييز المؤسساتي ضد الأشخاص ذوي الإعاقة.

يعقد المجلس الوطني لحقوق الإنسان ظهيرة يوم الإثنين 23 من هذا الشهر (دجنبر)، لقاء وطنيا تواصليا حول الآلية الوطنية الخاصة بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة. وقد سبق أن عبرت رفقة عدد من المناضلين والمناضلات في حركة الإعاقة يوم 13 أكتوبر على حائطي الافتراضي بالفاسيوك، غداة إعلان المجلس عن استكمال هياكله التنظيمية عن رفضنا لتغييب صوت الأشخاص المعاقين وأسرهم من تركيبة المجلس وعلى رأسها الآلية المشار إليها أعلاه.

وفي الوقت الذي تدعي فيه أمينة بوعياش رئيسة المجلس أن اعتماد هذه الآلية يأتي إعمالا لمقتضيات الاتفاقية الدولية لحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وخصوصا ما تنص عليه المادة 33 للقيام بعملية الرصد، يبرر عدد من الفاعلين المدنيين والمناضلين رفضهم لخطوة المجلس الوطني بكونها تشكل، أولا انتهاكا سافرا لمبادئ الاتفاقية الدولية للنهوض بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة؛ وخصوصا المبدأ الثالث المتعلق بضمان المشاركة الكاملة والفعالة، وثانيا هي انتهاكا لمبادئ باريس المتعلقة بالمؤسسات العمومية لتعزيز حقوق الإنسان.

وعلى الرغم من تبني نفس مواقف الأصدقاء والصديقات في الحركة بدون تحفظ، إلا أنني قلت يومها أن التنظيمات المدنية للأشخاص المعاقين مدعوة إلى القيام بنقد ذاتي لتطور خطابها وآليات اشتغالها وموقعها ضمن الحركة المدنية الوطنية. وفي اعتقادي أن هاته الخطوة قد تساعدنا في فهم ماذا حدث خلال العشرين سنة الماضية حتى عادت الدولة ومؤسساتها إلى إحياء منطق الوصاية ليس فحسب في تدبير شؤوننا وإنما في كل قضايا حقوق الإنسان الخاصة بالفئات الهشة.

إلا أنني اليوم أذهب أبعد من ذلك، بالقول أن المجلس الوطني بخطوته هاته يقوم بانتهاك أسمى مبدأ للحركة الدولية للأشخاص المعاقين المتمثل في مقولة “لا شيء لنا بدوننا”. وقبل الخوض في بسط تفاصيل موقفي من خطوة المجلس، أجدني مضطرا إلى تأطير كلام السيدة الرئيسة تأطيرا ينسجم مع مبادئ منظومة حقوق الأنسان في شموليتها، إذ تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن مكون الرصد في جميع معاهدات حقوق الإنسان يرتبط ارتباطا وثيقا بمدى تنفيذ إعمال الحقوق المنصوص عليها في كل اتفاقية. لكونه (أي الرصد) يسنح من جهة بتقييم مدى اعتماد وتطبيق التدابير المتخذة لتنفيذ الاتفاقية ومن جهة أخرى لتقييم نتائجها للاستفادة منها في التنفيذ.  وفي ما يتعلق  برصد إعمال الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، يجب التمييز بين صنفين من إجراءات الرصد وهما الإجراءات الدولية والوطنية. أما على المستوى الدولي ودون الخوض في التفاصيل، هناك ثلاث إجراءات وهي التقارير الدورية والتي يعهد النظر فيها إلى اللجنة الدولية المعنية بحقوق الأشخاص المعاقين ثم هناك إجراء البلاغات الفردية وإجراء التحقيق المنصوص عليهما في البروتوكول الاختياري الملحق بالاتفاقية.

أما على المستوى الوطني، تقتضي المادة 33 إحداث هيكل يسهر على تنفيذ الاتفاقية ورصد تنفيذها. وهما وظيفتين مختلفتين ويعهد بمسؤولية القيام بكل واحدة منهما إلى كيانين منفصلين، كما أن وظيفة الرصد تقتضي إنشاء كيانا مستقلا ينسجم مع مبادئ باريس الخاصة بتشغيل المؤسسات الوطنية لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها. لاسيما ما تنص عليه هذه الوثيقة في شقها الخاص وضمان الاستقلالية والتعددية. وتلح مبادئ باريس على توفير جميع الضمانات اللازمة لكفالة التمثيل التعددي للقوى الاجتماعية.

وبالعودة إلى مبدأ “لا شيء لنا بدوننا”، فهو مبدأ ينسجم مع فلسفة وتاريخ حركة الأشخاص المعاقين عبر العالم. إذ ظل المطلب المحوري لمنظمات الأشخاص المعاقين وذويهم عبر العقود الأربعة الأخيرة للقرن الماضي يتلخص في دعوة كل بنيات المجتمع إلى الاعتراف بحقوقهم الإنسانية بل وفي دورهم المركزي في رسم هذه الحقوق وبطرق الاستجابة لها.

ولقد قدم الأشخاص المعاقين من خلال تشابه تجاربهم واختلافها في مختلف السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية البرهان على امتلاك وعي بذواتهم وبتطور العالم من حولهم. وكان لهذا الفهم الجديد أثر كبير على تطلعات كل الأشخاص ذوي الإعاقة ومسؤولياتهم السياسية والمجتمعية. وهكذا انتبهوا إلى ضرورة فهم وتحليل الجذور المادية للتمييز الذي يتعرضون له وبمكانة قضايا الإعاقة ضمن الصراع الاجتماعي. ثم انتقلوا إلى محاولات إذكاء وعيهم الجماعي بالممارسات التي تجعلهم عرضة للاضطهاد من طرف الأغلبية المهيمنة.

فلم تعد الإعاقة في نظرهم مشكلة صحية وإنما هي وضعية إنسانية واجتماعية ناتجة عن خلل في موازين القوى داخل الجماعات البشرية بين أقلية لها خصائص جسدية معينة وأغلبية مستفيدة من وضعها المعياري. وهكذا يؤدي هذا الخلل في العلاقات الاجتماعية إلى تبني مواقف وممارسات تمييزية اتجاه الأشخاص الأقل قدرة. ومن ثمة لم تعد الاستفادة من أنظمة الرعاية الصحية هي محور صراعهم السياسي والاجتماعي وإنما أصبح الرهان الأكبر هو ضمان الولوج إلى كل حقوق المواطنة الكاملة، وبمعنى آخر ضمان سبل التمكين. هذا الأخير هو الكفيل بتحقيق رغبة الأشخاص المعاقين في تملك اختياراتهم والعيش داخل الجماعة.

وفي اعتقادي إن تغييب الأشخاص ذوي الإعاقة من مختلف هياكل المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومن الآلية الوطنية الخاصة، يكرس الاضطهاد والتمييز المؤسساتي اللذان ظلا يشكلان محور صراع حركتنا مع المجتمع المعيق. كما أن تلبية دعوة المشاركة في أشغالها -مع كل الاحترام الذي أكنه لجميع الأصدقاء والصديقات المشاركين والعاملين داخل المجلس- ربما قد يضفي شرعية على هذه الممارسات التمييزية وربما قد يكون من مخرجاته صياغة مواقف وآراء تعزز الحواجز التمييزية ضدنا.

أقول هذا وأنا استحضر الدور الذي لعبته هذه المؤسسة خلال العقد الأخير في مناصرة الحقوق الإنسانية لكل الفئات المحرومة في المجتمع. فخلال هذه المرحلة، ظلت قضية الإعاقة تعد واحدة من الاهتمامات المركزية التي تمحور حولها عمل المجلس في رصد مدى حماية حقوق الإنسان والنهوض بها في المغرب، كما كان للمجلس دور في إعطاء الإقصاء المؤسساتي الذي ظل يعاني منه الأشخاص ذوي الإعاقة بعدا سياسيا. هذا فضلا على دور الوساطة الذي قام به المجلس بين مؤسسات الدولة والأشخاص ذوي الإعاقة ومنظماتهم وكل الفاعلين المناصرين لهم.

وأمام هذا الواقع، فإننا اليوم مدعوون في حركة الإعاقة؛ أولا إلى وضع المصالح الشخصية والنرجسية المدنية جانبا، وثانيا وهذا هو الأهم إلى البحث عن مساحات جديدة للتفكير الجماعي الهادئ في إيجاد السبل للعمل الميداني المشترك في مقاومة الحواجز المعيقة. صحيح أن هذا الرهان يبدو صعبا مع تعاظم أنواتنا وازدواجية مواقف بعض القيادات ومع ما راكمناه من فشل خلال العشرية الأخيرة محليا ووطنيا، لكنه في اعتقادي يبقى ضرورة حتمية تغنينا عن مواصلة البحث عن الخلاص من خلال التحالف مع المؤسسات الراعية للاستبعاد. إن المجلس اليوم بتغييب صوتنا من كل هياكله التنظيمية يقدم لنا أغلى هدية في الحركة لتذكيرنا بالاضطهاد الذي سيظل يطاردنا ما لم نعمل على تصحيح المسار في تملك قضيتنا تملكا حرا ومستقلا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.