صحافة البحث

[حوار].. طارق لوباني يتحدث عن الوضع الصحي في غزة وكيف يمنع الاحتلال دخول المعدات الطبية.

- الإعلانات -

الدكتور الكندي الفلسطيني، طارق لوباني، لوباني أخصّائي طبّ الطّوارئ والأستاذ بجامعة “وسترن يونيفيرسيتي” في أونتاريو (كندا)، الأشهر من نار على علم بفضل مبادراته  الكبيرة في المجال الطبي والعلمي، وصاحب براءة اختراع سماعة طبية منخفضة التكلفة التي تستخدم بتقنية 3D، يسلط الضوء على حقيقة الوضع الصحي في غزة وما يمارسه الإحتلال الاسرائيلي من انتهاكات إنسانية صارخة داخل قطاع غزة على مرأى من العالم، بما فيها منع التجهيزات الطبية من الدخول إلى القطاع المحاصر

  • تتردّد على غزّة منذ أكثر من عشر سنوات، كيف يمكن أن تصف لنا الوضع الصّحّي بالقطاع اليوم خاصة في ظل المسيرات والمواجهات الدامية التي شهدتها غزة تحت الحصار في السنوات الأخيرة؟

لا أخفيك، أن الوضع الصّحّي في غزّة كارثي جدا، وهذا قسته أنا عن قرب على مدار عشر سنوات تقريبا كما ذكرت، كما قدرته أيضا جميع المنظمات الصحية العالمية الحكومية والغير حكومية، نحن كأطر طبية والولايات المتحدة وأيضا التنظيمات الصحية التي تشتغل في غزة، لا نتوانى عن التحذير من خطورة الوضع الصحي الذي لا يفتأ يتفاقم مع الوقت..و شخصيا في كل مرة تصادفني حالة أو وضع أقول لا اتخيل أن يكون هناك أسوأ من هذا، ثم أعود بعد ثلاثة أشهر لأكتشف الأسوأ من الأسوأ

  • كطبيب أين يتجلى مكمن الخلل بالدرجة الأولى؟ هل على مستوى الخصاص في الموارد البشرية من أطباء وممرضين  مقابل تزايد الحالات، أم التجهيزات والمعدات أم البنية التحتية أم ظروف خارجية مرتبطة أساسا بالحصار المفروض على غزة من طرف المحتل؟

الحقيقة في كل هذا الذي ذكرته، ففي غزة لا توجد أدوية، ولا توجد كوادر طبية ولا بنايات، ولا أجهزة ومعدات طبية، اذا تحدثنا عن الموارد البشرية المتمثلة في الأطباء مثلا، فهذه الكوادر لا تستطيع مغادرة غزة من أجل الدراسة، والطب في أصله هو “لعبة فريقية”، مثلا الطبيب لا يستطيع معالجة حالة ما لوحده بل هو في حاجة لاستشارة أطباء آخرين لتدارس الحالة قبل البدء بالعلاج الصحيح، لكن ما يحدث في غزة عكس العالم كله فنحن ممنوعون حتى من هذا النقاش العلاجي خارج غزة، والطبيب الغزاوي ممنوع أساسا من المشاركة في محاضرات أو مؤتمرات طبية

  • بسبب مطالبتهم بالتصريح الاسرائيلي؟ طيب لماذا لا تتحرك المنظمات الطبية الدولية في هذا الاتجاه لتمكين الاطباء في القطاع من المشاركة في مؤتمرات ولقاءات طبية من شأنها أن تنهض بالوضع الصحي داخل غزة؟

حاليا الاسرائيليون مسيطرون على الحدود من ثلاث أنحاء، والمصريين مسيطرين على الحدود من الناحية  الجنوبية، وبالتالي الأطباء محاصرون ولا يستطيعون الخروج من جميع المعابر سواء التي هي تحت سيطرة المحتل أو تلك التي تحت سيطرة مصر، ثم أنها ليست مؤمنة أساسا، وهذه المنظمات الدولية التي ذكرت قد تتكفل بكل مصاريف تنقل الطبيب الغزاوي إلى خارج القطاع لكنها لا تستطيع تمكينه من التصريح لأنه أساسا لا يمنح للأطباء عن قصد، وبالتالي الأطباء الغزاويين تقبلوا هذا الانتهاك الصارح لحقهم في التنقل، سئموا وتخلوا عن الفكرة من أساسه ، ثم لا بد من الإشارة إلى أن المعدات التي يشتغل بها الاطباء داخل القطاع هي كارثة حقيقية، مثلا نحن دربنا أطباء كثر على طريقة إنعاش القلب في إطار مشروع ضخم لتدريب الاطباء، وهذا الاجراء يحتاج أجهزة مهمة جدا لكن لم يحدث الأمر بغزة، لقد دربت أطباء في هذا المجال بدون معدات، فضلا عن كون 60 بالمائة من الادوية غير متوفرة في غزة بما فيها المضادات الحيوية والمغذيات والمسكنات، والأطباء يشتغلون ب40 بالمائة المتوفرة، بل إنه حتى تحاليل الدم غير موجودة في القطاع، والاشعة والايكوغرافي  التي تشخص المشكلة طبعا كلها لا وجود لها بالرغم من أهميتها في الطب،  وانا شخصيا أشتغل داخل غزة كما اشتغل الاطباء قبل 100 سنة مستعملا يدي والسماعة، أما البناية  أو البنية التحتية كما أسميتها فهي منعدمة، تخيلي أن تنعدم الكهرباء داخل المستشفى، والماء أيضا غير متوفر ما يعرقل حتى مسألة التعقيم

  • ماذا بخصوص المرضى المصابين بالامراض المزمنة مثل السكري أو السرطان.. كيف يكون مصيرهم داخل قطاع غزة؟

لما الحصار بدأ في 2006، تقريبا كل المواطنون المصابون بأمراض مزمنة، مثل الكلى أو السرطانات ماتوا للأسف، أما قبل هذه الفترة فقد كان معظمهم يتعالجون في اسرائيل، بعد الحصار  لم يستطع أكبر مستشفى في غزة والمسمى “الشفا” استيعابهم، طبعا في غياب المعدات ومن بينها أجهزة غسيل الكلى وبالتالي جميع المصابين بهذا الداء توفوا بدون استثناء،والمصابين بداء السرطان خلال السنوات الاخيرة بدورهم ماتوا واحدا تلو الاخر..حاليا غزة تعيش على وقع الكوارث، المواطنين متعبين نفسيا بسبب الحصار وبالتالي هم يدخنون للتنفيس عن أنفسهم، وبالتالي هم يعرضون أنفسهم أيضا للأمراض المزمنة مثل داء الرئة، ثم في غياب الاكل الصحي تجدهم يتناولون الكالوريهات من أي مكان من خلال الاقبال على المشروبات الغازية او السكر و الشوكولا التي تكون رخيصة مقارنة مع الخضر والفواكه واللحوم التي تعتبر أثمنتها غالية، وبالتالي لا يوجد علاج أيضا لحالات السكر فيكون البتر هو الحل، والضغط أيضا ثم مشاكل المناعة والهيموفيليا

  • خلال تفاقم المواجهات أو حتى خلال مسيرة العودة الأخيرة، لاحظ الأطباء المراقبين  أن معظم الاصابات التي تستهدف النشطاء الفلسطينيين يصوبها المحتل على  مستوى الأطراف السّفلى، هل صحيحة هذه الملاحظة؟ وما هي نوعية الاصابات التي تردك أكثر بصفتك طبيب طوارئ داخل المستشفيات وعلى خطوط المواجهة في غزّة ؟

أغلب المشاكل التي صادفتنا شديدة جدا، وكنا نحس في قسم الطوارئ أن النظام في أي وقت سينكسر، ومسيرة العودة التي ذكرت وردنا تقريبا 30 ألف جريح وهذا رقم حرب على فكرة، ولكن عادة في الحروب هذا الرقم يكون خلال شهرين أو أكثر بطاقم طبي أكبر يستطيع انقاذ ما يمكن انقاذه، لكن في غزة هذا الرقم يأتينا بصفة يومية ومستمرة..المسألة الوحيدة الايجابية في هذا الوضع الكارثي هو أنها أجبرت فلسطينيين وأجانب مساهمين في القطاع الصحي أن يركزوا على معالجة المريض الفلسطيني، والإصابات صحيح كما ذكرت 60 بالمائة منها على مستوى الاطراف السفلى، أي أن هناك استهداف اسرائيلي لهذه الاطراف السفلى الصعبة، ولكن تدربنا على تطبيق العلاج الطبيعي داخل الميدان، والجراحات أيضا واعادة بناء الأطراف.. للأسف توجد إصابات أخرى تجبرنا على البتر بسبب الأسلحة أو الطلقات الجديدة التي صارت تستعملها اسرائيل في الآونة الأخيرة،وهذه الطلقة تدمر الأطراف عكس الرصاص العادي، ويكون العظم والجلد والاعصاب والاوعية الدموية كلها محروقة بشكل غير طبيعي وكأنها أصيبت بانفجار لا حل لهذه الحالات غير البتر

  • هذا النوع من الرصاص ممنوع دوليا ألم يتم التبليغ من طرف الطاقم الطبي بهذه الخروقات التي تقدم عليها اسرائيل؟

صحيح ممنوع، وفعلا “أطباء بلا حدود” نبهوا إلى هذه الخروقات في تقريرهم وحذروا من استخدام المحتل لهذا النوع من الرصاص الغير معروف أساسا، والذي يتسبب بهذه الجروح المستعصية، الولايات المتحدة أصدرت تقريرا أيضا عن استهداف الطواقم الطبية وأنا منهم والمقدر عددهم ب600 طبيب استهدفوا خلال السنة ونصف الماضية، وأيضا تم استهداف الاطفال والمعاقين حتى أنهم كتبوا بالأبيض والأسود أن هذه الخروقات كلها ضد القانون الدولي ولكن ما الذي حدث؟ لا شيء، الجميع والاسرائيليين أولهم يعلمون جيدا أن العنف ضد المسيرات والكوادر الطبية غير شرعي لكن لازلنا مستهدفون أثناء تأديتنا لمهمتنا

  • ما القصد من استهداف الكوادر الطبية 600 طبيب كما ذكرت، ثم استهداف الصحافيين في شخص معاذ عمارنة مؤخرا، ثم استهداف الممرضين استحضر قتل رزان السنة الماضية..؟ ما هدف المحتل من الاستهداف غير المشروع لأشخاص المفروض أنهم تحت حماية دولية ؟

واضح أنه توجد سياسة، كانت تمنع استهداف الاطباء والمسعفين لكنها تغيرت، ودعيني أقول أنه قبل 14 ماي 2018، أصيب تقريبا 3000 جريح بينما توفى 30 أو 40 شهيد، فقط دون أن يتم استهداف الكوادر الطبية فيما وبعد هذا التاريخ بالضبط اسرائيل غيرت سياستها، بل وفي نفس اليوم  استهدف 19 شخصا من الطاقم الطبي ومن يومها إلى الآن 600 شخص، منهم اربعة ماتوا، ما الذي يفكر فيه الجيش الاسرائيلي؟ لا اعرف لماذا يستهدفون الطاقم الطبي ويخرقون القوانين الدولية على مرآى من العالم؟ لا أعرف، ولكن نستطيع القول أن من تداعيات هذه السياسة الجديدة للمحتل وهذا مؤسف، هو أن الطواقم الطبية انسحبت ولم تعد تقدم نفس الخدمة للمواطن المشارك في المسيرة والتي كانت تقدمها قبل هذا التاريخ، كلنا في الميدان خائفين، وحذرين فقد صرنا بدورنا مستهدفين وغير محميين وأصبحنا ننسحب إلى الوراء وهذا يؤذي المريض الفلسطيني في نهاية المطاف

  • في ظل هذه الظروف ما الدور الذي تلعبه المستشفيات الميدانية التي تشيدها الدول؟ على سبيل المثال المستشفى المغربي بغزة؟

هذه المستشفيات الميدانية جميعها تعاني، ولا تتحكم في المعدات التي تدخل إلى غزة، الاسرائيليين يتحكمون في تجهيزات هذه المستشفيات بشكل مزاجي

  • تقصد أن الحكومات ورؤساء الدول لا سلطة لهم لإدخال معدات طبية وتجهيزات طبية مهمة في المستشفيات التي يشيدوونها بالقطاع ، ووحدها إسرائيل تملك هذه الصلاحية؟

نعم صحيح، اسرائيل وحدها تملك هذه السلطة، ولأوضح لك أكثر كيف تكون هذه العملية توجد أربع معابر، الاول على غرب البحر حيث تتواجد القوات البحرية الاسرائيلية ثم الشمال بيت حنون، لا يمكن أن تمر الأجهزة من المعبرين، أما الشرق كرم سالم أو شالوم بالعبرية وحدها تدخل منها المعدات أي أنها تمر عبر اسرائيل قبل أن تدخل غزة بالتالي تتحكم فيها سلطات المحتل، حتى وان كانت  باسم الملك محمد السادس نفسه، الاسرائيليين لا يفتحون الباب في هذا  المجال، أما معبر رفح فهو خاص بالمسافرين، عموما جميع المستشفيات الميدانية في غزة تساعد خاصة خلال المسيرات حيث تكون أعداد المصابين بالآلاف، لغاية اليوم 30 ألف جريح، والاسبوع الماضي 37 شخص أصيبوا بالرصاص الحي، 10 منهم أطفال وواحد من الهلال الاحمر الفلسطيني

  • كنت واحدا من الأطباء الذين استهدفوا السنة الماضية في مسيرة العودة من طرف المحتل وأصبت برصاصة حية في أطرافك السفلى أخرجت المجتمع الدولي عن صمته بمن فيهم رئيس الحكومة الكندية جوستان ترودو ، كيف حدث الامر؟

دخلت على الميدان وتوقعت أني أتوفر على حماية، كنت أرتدي زي الأطباء وواضح لأي شخص أني طبيب، يومها كانت 1700 إصابة في يوم واحد فقط، وكان المصابون يسقطون بسرعة والطاقم الطبي كانوا منسحبين احتراما لقاعدة أن لا نعرض أنفسنا للخطر ونصير جزءا من المشكلة، وهذه لم تكن المرة الأولى التي أكون فيها في قلب إطلاق النار ولن تكون الاخيرة، كنت جد حذر وكانت الامور هادئة بين الطرفين وكنت أحادث المسعفين فجأة وجدت نفسي في الارض وأنظر إلى السماء وأنا أصرخ من شدة الوجع، أصبت في رجلي الاثنين دخلت الرصاصة من الرجل الاولى ودخلت الرجل الثانية وكنت أنزف، المسعف الذي اسعفني هو موسى أبوحسنين الذي استشهد في نفس اليوم، ومن كثر الضغط وتوافد المصابين أنا غرزت نفسي ونظفت الجرح وبعد نصف ساعة قمت لأترك سريري لغيري من المواطنين الذين أصيبوا طبعا أمام الخصاص في الأسرة..الاسرائيليين يستهدفون الاطراف عندما يرغبون بالتحذير أو الترهيب أما عندما يرغبون في القتل يستهدفون الرأس أو القلب كما حدث مع المسعف موسى او رزان النجار

  • تستعدون لصنع أجهزة طبّية بداخل غزة لا تقلّ جودة عن مستوى الماركات المعروفة، نظرا لمنع المحتل ذات المعدات من الدخول إلى القطاع هل يمكن أن تتحدث لنا عن المشروع؟ ومصادر دعمه وتكلفته؟

نحن نشتغل على صنع أجهزة طبّية على درجة عالية من الإتقان يمكنها تعويض المعدات الممنوعة من الدخول والضرورية، والمتمثلة في صنع سمّاعة طبّية ثمنها ثلاثة دولارات وقد دلّ اختبارها على أنّها تضاهي في أدائها سمّاعة Littmann Cardiology III التي تباع بمائتين وخمسين دولارا ويحتلّ صانعها المرتبة الأولى في سوق السّماعات الطّبيّة. وقد صنّعنا ضمن هذا المشروع روابط مطّاطيّة لوقف النزيف تستعمل في مسيرة العودة الكبرى لإسعاف الجرحى، جهاز رسم القلب ثم مستقبلا اجهزة غسيل الكلى لان تكلفته ستكون عالية وتتراوح بين خمسة أو ثلاثة مليون دولار، ولا نعرف إلى حدود الان من سيمول هذا المشروع، لم تبدي أي حكومة استعدادها لتمويله  لأنه فكرة ابداعية ومعظم هذه المؤسسات تفضل شراء التجهيزات الموجودة بدلا من الصنع

  • راسلتم الحكومة المغربية، هل من الممكن أن يكون هناك تعاون في هذا الشق؟

نحن طلبنا من الحكومة المغربية، التعاون معنا من خلال تدريب الكوادر الطبية الفلسطينية في تخصصات مختلفة، وأيضا لو يسافر الاطباء المغاربة لتدريب الاطباء الغزاويين في عين المكان، وطلبنا أيضا من رئاسة الحكومة  مساعدتنا في مجال الطاقة الشمسية ونحن متفائلين جدا في هذا الشق على اعتبار أن المغرب رائد عالميا في هذا المجال مما سيساعدنا في تجهيز سطوح المستشفيات العموميّة والمصحّات ومراكز الصّحة في غزّة بتجهيزات الطّاقة الشّمسيّة، ممّا يحرّر منظومة العلاج من التّبعيّة لقرارات إسرائيل بالسّماح أو عدم السّماح بتوريد “الدّيزل”.

حوار ينشر بالاتفاق مع جريدة “أخبار اليوم”.