الخطيبي يضع ثقافة المغربي وسلوكاته تحت المجهر.

يصعب تقديم أعمال الخطيبي المتنوعة في كتابة تركيبية مركزة، فإلى جانب النقد المزدوج والمغرب الكبير المتعدد وأعمال ودراسات أخرى تهم المهتم بالعلوم الاجتماعية يشغل الاسم العربي الجريح في مسار الرجل موقعا خاصا، مثلما يعتبر من الأعمال المرجعية في بيبليوغرافيا السوسيولوجية المغربية. فموضوعه هو ثقافة المغاربة الشعبية: حديث الأمثال والوشم وبلاغة الجماع والحكاية الشعبية والرسم الخطي. وما يجمع موضوعات الكتب هو أنها كما يقول الخطيبي تخضع لتحريم مضاعف. إنها تخضع لتحريم العلماء واللغويين لأنهم لا يرون فيها نصوصا وكتابة مغايرة للمكتوب التقليدي وهي محرمة من طرف رجال الدين. 

قدم بإعجاب كبير ولان بارث للكتاب وقال بصدده: “ما يمكنني أن أسائله على مستوى معين من السلم الاجتماعي الذي أخذ فيه مكاني هو الفرنسي الثقافي مصوغا بالأمواج المتعاقبة للعقلانية والديمقراطية ووسائل الإعلام الجماهيري. وما يسائله الخطيبي هة إنسان شعبي كلية، هذا الذي لا يتكلم إلا بهذه الأدلة الخاصة.. وهنا يمكن لفرنسي مثلي أن يتعلم شيئا من الخطيبي. إننا لا نستطيع أن نفعل ما يفعله”. 

يعتبر الخطيبي أن اختياره للدلائلية الشعبية محفز لاختبار تحليلات مركزة على تعددية أنظمة دلائلية مختلفة كالحكاية والمثل والخط والوشم وأخيرا النص الشبقي لصاحبه النفزاوي. فلماذا بالضبط هذه الأنظمة التي يظهر مسلكها جزئيا؟ 

يجيب الخطيبي: إن تحليلنا ينتظم وفق حافزين، أولهما يقوم على أن كل الأنظمة الدلائلية هي ترجمة للجسم ومتعته: من الرسم إلى اللذة المحرّمة والمتمثلة في قصة الطائر الناطق. إنه نشر كتابة مرحة وعليها يعتمد اقتصاد النص واللذة. والحافز الثاني ينتسب إلى تداخل دلائلي معترض، إلى الحد الذي يجعل المعرفة العلمية كل مرة متصدعة، مطوية، ذات وشيجة بحتمية نصية. إنه تداخل نصي مرسوم حسب محاور ثلاثة: 

__ دلائلية خطية (وشم وخط) منظور إليها في سمتها الرمزية. 

__ بلاغة الجماع وهي مسماة من قبل الصينيين القدماء بفن غرفة النوم. وقد اخترنا نص الروض العاطر لأنه مسموع أكثر منه مقروء. 

__ دلائلية شفوية (الحكاية والأمثال) وسنتتفيد منها في الإحاطة بعلاقة الصوت بالأسطورة. 

بهاته الكيفية يعلن الخطيبي استراتيجيته التحليلية وتصوراته المرجعية التي سينسج بها دراسات الاسم العربي الجريح والتي على امتدادها كان ماركسيا مغايرا لجميع المركسيين (رصد الصراع الطبقي داخل النص) وسوسيولوجيا مغايرا لجميع السوسيولوجيين (ميدانه البحثي ليس فيه لا استمارات أو مقابلات أو تدوين للأقوال، بل لقاءات خاصة شكل من خلالها متن وثائقه الخاصة، مضيفا إليها وثائق وصورا ماخوذة عن غيره) ومحللا مغايرا لجميع الأكادميين (أسلوبه ولغته هي صوت آخر للنصوص المحللة). 

ربما لهاته الأسباب سيعتبر الاسم العربي الجريح إلى جانب النقد المزدوج الصناعة السوسيولوجية الثقيلة لعبد الكبير الخطيبي. 

لا تفقد نصوص الخطيبي أهميتها وإن كانت نحيفة فهي تحتضن دائما فكرة أو أفكارا كبرى. في إحدى الدراسات من هذا الصنف، احتضنها كتاب “تفكير المغرب”، وحملت عنوان: “صورة المغربي المشخصة”. ترسم هاته المقالة صورة لأهم سلوكات المغربي اليومية والمهيمنة مثلما يمنحها بعدا سوسيولوجيا, لقد أنتج تغير المجتمع المغربي تحولات في سلومات أبنائه، فبعد أن كانوا ينعمون بعلاقة هادئة مع الزمن والوقت سيكتشفون ظاهرة السرعة. هكذا أصبح المغربي يجري لكن لكي يصل متأخرا وحينما يصل متأخرا يكون تعليله لذلك هو مسؤولية الآخر. يقول الخطيبي: انظروا إلى سائق سيارة أمام الضوء الأحمر: حينما لا يخرق نظام الضوء الأحمر فإنه يتوقف وقد خلفه وراءه. المغربي لا ينظر إلى القانون وجها لوجه، تلك هي حيلته البصرية. إن احترام المغربي للقانون وانتهاكه له سلوكان متداخلان ومتشابكان مع نفس النظرة ونفس السلوك. يحترم المغربي السلطة والتراتب بشكل مبالغ فيه لكنه حينما ينتفض فإنه يأتي على الأخضر واليابس. إن المغربي، يقول الخطيبي، كائن إشكالي وتجزيئي، يعاني من ازدواج في الشخصية ويمتلك صورة هشة عن ذاته. هكذا هو حينما يكون من دون جماعة وقبيلة تسنده، لكن وسط الجماعة يكون مناورا وذكيا ومجربا ووريثا لجد محارب ومقاتل. 

للمغاربة جملتهم السحرية: “ما كاين مشكل”. فسواء وجهت هاته العبارة، يقول الخطيبي، من طرف موظف إلى مواطن أو من طرف وزير إلى زميل له أو من طرف زوج إلى زوجته أو من طرف امرأة إلى عشيقها… تظل الجملة السحرية التي تعالج كل شيء، أي لا تعالج شيئا. 

يشبه كلام المغاربة لعبة الشطرنج حيث يكون المتحاورون هم قطع الشطرنج ومن يلعبها في الآن نفسه، المغربي يدرك هذا لذا فلكل وضعية جملتها… 

فن أدب المعاملة وفن الاحتفال أربك ويربك غير المغاربة من الغربيين وفي بعض الأحيان يسعدهم. أليس هذا ما يطلق عليه، ويقدم للآخر، كوصفة خرافية عن كرم الضيافة؟ 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.