صحافة البحث

رحاميم بن حايم (1/2): الاحتجاجات الجديدة تُظهر أن “الشعب بأكمله” أصبح ضد الدولة وليس فقط السلطة والحكام.

- الإعلانات -

يتحدث رحاميم بن حايم الرئيس السابق لجمعية الجذور، التي تم حلها بسبب استضافتها لحلقة “ملحمة العدميين” من برنامج 1D2C، عن تصاعد الاحتجاجات في الآونة الأخيرة في أكثر من بلد في العالم العربي، ويقف على التفسيرات التي جعلت هذه الحركات تتزامن مع حركة احتجاجية “عالمية” ظهرت في القارات الأربع، وأيضا يوضح كيف جعل هذا  النوع الجديد من الاحتجاج الوساطات السياسية والنقابية في هذه البلدان متجاوزة. بل يضع الديمقراطية التمثيلية بشكل عام في مأزق. 

حاوره: محمد سموني

  • الاحتجاجات السياسية بدأت في الانتقال من بلد لآخر، فبعد السودان، الجزائر وهونغ كونغ، خرج المحتجون في التشيلي، ولبنان وأيضا العراق… كيف تفسر تشابه وسرعة انتشار هذه الموجة من الاحتجاجات ؟
رحاميم بن حايم

يجب أن نضع أنفسنا في وضعية استشراف لنفهم ما يحدث في العالم من احتجاجات، والتي تظهر مُفاجئة. لحظة الانطلاق بدأت سنة 1999 في اجتماع G7 بسياتل، بالولايات المتحدة حيث كانت معركة حقيقية بين أنصار الحركة  الكونية البديلة للعولمة les altermondialistes وقوى القمع. عملت الحركة الكونية البديلة للعولمة المرتبطة بالرأسمال “الألترموندياليست” طيلة عشر سنوات من هذا التاريخ على نشر الأفكار المُناهضة لليبرالية الجديدة، إلى انطلاق دورة جديدة مع الربيع العربي سنة 2011، وفي بلدان الشمال مع احتلوا الشارع في الولايات المتحدة الأمريكية، “الغاضبون” les Indignés في إسبانيا وأيضا في اليونان. خلال السنوات التالية ظهرت امتدادات هذا الاحتجاج في كل من بتركيا، الصين، البرازيل، هونغ كونغ والشيلي… وفي الأخير نعيش دورة ثالثة من الاحتجاج بدأت سنة 2018 ومستمرة إلى الآن في كل من تونس، الجزائر، فرنسا، العراق، لبنان، التشيلي، ونيكاراغوا. في السنوات الأربع الأخيرة من 2014 إلى 2018، تم تسجيل 2082 اشتباكا، في القارات الأربع، وفي القارة الإفريقية تم تسجيل حوالي 553 من الاشتباكات. مع التذكير بأن هذه الحركات لا تعلن أي إيديولوجيا. حراك الحسيمة هو جزء من هذه الحركة التي تلح على العدالة، النظام الأخلاقي والحس السليم، كما لم تعد هذه الحركة تُطيق اللامساواة والفساد، بل يريدون دولة عادلة في خدمة الكل وليس أوليغارشيا. يريدون خدمات عمومية: صحة، تعليم، مواصلات، كهرباء وماء..، فعالة. اللامساواة غير مقبولة من قبل المحتجين لأنهم يعلمون أن عالما آخر ممكن وأن هذا العالم يجب أن يكون هنا والآن. كما  تتميز هذه الدورة الجديدة برغبة المواجهة والإنجاز، أي الحصول على انتصارات. 

اليوم، الطفرة المتزامنة لهذه الموجة الضخمة من الحركات الاجتماعية، من أمريكا الجنوبية إلى العالم العربي والإفريقي إلى هونج كونج، يمكن تفسيرها من خلال التأثير المضاعف الناتج عن الترابط المبتكر، من قبل ما أسميه “الشعب بأكمله” من ناحية، والشبكات الاجتماعية في العصر الرقمي، من ناحية أخرى. 

ماذا يعني “الشعب بأكمله”؟ الترتيب الاجتماعي الجديد الذي أنتج على الصعيد الكوني، ويعطي سببا للانتفاضات، إنه التركيز الشديد للثروة مقابل التعميم الشديد للتهميش، حيث الطبقات الوسطى، في لحظة أخضعت للمشاركة في تقاسم الثروة، سرعان ما أصبحت فقيرة وتقهقرت. هذا ما نلاحظه في دول الجنوب، وفي الدول الغربية، اختفاء الطبقة المتوسطة مبرمج وهو الذي  يُفسير ظهور حركة السترات الصفراء.

النتيجة هي تقاطب كبير للمجتمع، من ناحية، أقلية صغيرة ، وأحيانًا عشرات من العائلات الكبيرة مرتبطة بالشركات المتعددة الجنسيات في منطقتهم أو قطاع نشاطهم، ألفوا الدولة على احتكار الميزانية الوطنية، ومن جهة أخرى، كتلة الطبقات الشعبية والطبقات الوسطى، على رأسها الشباب الُمقرر بإسم ما أسميه “الشعب بأكمله”. 

  • هل يمكنك أن توضح ماذا تقصد بالضبط بـ”الشعب بأكمله” ؟ 

أستخدم مصطلح “الشعب بأكمله” لأن  الأمر لا يتعلق بمزيج من الطبقات التقليدية، التي غالبًا ما يكون ارتباطها مؤقتًا إلى حد ما، بمصالح طبقات ممثلة من قبل أحزاب ونقابات بشكل خاص. وهذا هو السبب في أننا لا نجد في جميع الحركات الاجتماعية، داخل الحراك الجزائري وأيضا في الشيلي، بشكل واضح مطالب قطاعية. نحن هنا أمام رفض عام وكبير. هو رفض لـ”النظام”. المجتمع لم يعد يثق كثيرا في الدولة. فهذه الحركات أصبحت مقتنعة أن الدولة لا تخدم المصلحة العامة بل تخدم المصالح الخاصة. فنحن أمام مجتمع ضد الدولة. فهذا هو الشعب بأكمله ضد الدولة وليس فقط ضد السلطة والحكام اليوم. ومن هنا يأتي عدم فهم الحكام الذين يخطبون أو “يخبروننا بما يريدون هم”، وبما أن لا أحد منهم يريد أن يُناقش، يتم وصف من ينتقدهم  بـ”العدميين”. 

الفترة التاريخية التي نعيشها الآن هي فترة  تلاقي “الشعب بأكمله” من أجل إعادة صناعة الأمة la nation، لتجد نفسها في الأمة، مثل تجديد للأمة وللديمقراطية الحية، لأنه في الشارع، أعاد اكتشاف الديمقراطية المباشرة واليومية. فلننظر وهذا جد مهم، ما يحدث في الجزائر ولبنان والعراق، دول منذ أربعين سنة، حيث الانتماء الديني هو الذي يهيكل الساكنة، ويخلق معارضة قاتلة، وأيضا تدمير  هذه البلدان بسبب الحروب الأهلية المتكررة. وما نراه اليوم بكل ذهول في شوارع الجزائر العاصمة، بيروت وبغداد، السنة والشيعة، والأقليات جنبا لجنب، مجتمعون، في لبنان. وأيضا في الجزائر العلمانيون والإسلاميون ينزلون بشكل جماعي للشارع، والشيعة والسنة في العراق، جنبا لجنب ضد السلطة. فهذا هو “الشعب بأكمله”. 

“الشعب بأكمله” هو لحظة نضج تاريخي من حيث المشاكل الحقيقية التي يواجهها الناس، بمعنى السؤال الاجتماعي، تأخذ الأولوية، قبل أي شيء، فوق الهويات الدينية أو الجهوية وتصبح قوة الأمة، الهوية الوطنية. 

  • ما هو إذن السبب الثاني الذي يفسر، بحسبك، سرعة وتزامن ظهور الحركات الاجتماعية في الأربع القارات في العالم ؟ 

السبب الثاني، الذي  يجتمع مع السابق لإنتاج تأثير مضاعف وغير مسبوق،  هو الشبكات الاجتماعية التي تجعل من هذه الحركات الاجتماعية نوع جديد، حركات متصلة connectés. في المغرب، مع الإبقاء على جميع النسب، شاهدناها جيدا في المقاطعة الوطنية التي استمرت لأزيد من ستة أشهر.

التواصل الرقمي قام بقلب علاقة الفرد بالنضال السياسي militantisme، من الفرد للجماعة، ومن الفرد للمعرفة السياسية، وأيضا من الفرد إلى تراتبية التنظيمات، العلاقة مع الزمن، أهمية التعبئة، إلى حركة الفعل. وبالتالي يكفي أن تتوجه مجموعة صغيرة إلى الآلاف بل إلى الملايين من الأفراد، عبر رسالة واضحة وبسيطة، تقوم بالتعبئة وتجيب على وضعية حرجة. تقوم بتكسير العزلة عبر مشاركة الآراء. وتعتمد على العفوية الناتجة عن التنظيم الأفقي للتبادلات وتحقيق المها، وهي عبارة أيضا عن اتصال في الوقت الفوري  يسهل تداول السلطة السياسية، وهذه كلها ابتكارات رئيسية حاسمة للنضال. فغياب العمودية في هذه الحركات يجعلها بدون زعيم، ولكن ليس من دون قيادة سياسية ، خاصة خلال الحركات الاجتماعية الأخيرة المتصلة، في السودان والجزائر ولبنان وهونغ كونغ… التوجهات السياسية محمية عبر العفوية والطابع الهائل والمعمّم للحركات، والتي تظهر بمجرد تحقيق شروط التفاوض الناجح. مجموعة صغيرة مقتنعة، ومتمسّكة باحتياجات الناس، يمكنها أن تنتج تعبئة قوية جدا. هذه القدرة على التعبئة القوية مرتبطة مباشرة بثقافة الاحتجاج، على عكس الثقافة السياسية التي تضمن علاقات قوية، بمعنى أنه لا يحتاج إلى تحليلات طويلة، تشكل قوة دافعة جديدة تبني باستمرار ماهو جماعي. لأننا في فترة تاريخية لا توجد فيها حاجة لإجراء تحليلات طويلة لمعرفة الأدلة على اللامساواة التي لا تطاق بالنسبة للناس ، فإن اللامساواة الاجتماعية هي حقيقة ومشهد دائم في الشارع.

  • في رأيك، هل تستطيع هذه الحركات الاجتماعية الجديدة التغلب على الأنظمة التي تُناهضها، أو ما الذي يمكنها أن تحقق؟ 

من الواضح أن لكل بلد تكوينات سياسية واجتماعية خاصة به ومستوى من التناقضات التي يعرفها مع أوريغارشيا أكثر أو أقل فشلا. 

لقد فازت هذه الحركات ذات الطبيعة الجديدة، بالفعل، وربحت معارك أساسية في بضعة أشهر، لقد أسقطت عمر البشير في السودان، وبوتفليقة في الجزائر، والحريري في لبنان، وفي العراق كانت أنظمة وقادة، حتى وقت  قريب، لا يمكن إزالتها أو إيقافها. 

إذا “الشعب بأكمله” ضاعف من اتصاله في الشبكات الاجتماعية فذلك سيكون سلاحا هائلا، ستبذل السلطة كل شيء لتقسيم الناس عن طريق تقديم تنازلات بسرعة، لتتراجع عنها بسرعة بعض تراجع الغضب الشعبي فهذا ما حدث في المغرب سنة 2011.  

الدورة الجديدة للحركات الاجتماعية تجاوزت الخطابات الهزلية للأقوياء. 

إذا كان صعود الحركات الاجتماعية المذهلة في جميع أنحاء العالم استمرارا للحركات السابقة، فإنها تختلف في القدرة على معالجة ضعف الشلل التكتيكي، أي صعوبة التكيّف والتفاوض. 

كيف؟ 

نحن لم نعد في نمط الاحتلال الثابت للمكان، والمكان الرمزي، بل أمام حركة ضخمة للاستيلاء على  المدينة. 

لم نعد أمام “ضربة واحدة” one shot، ضربة واحدة ونتراجع، نحن الآن أمام حركات مستمرة في الزمن، زمن يتخلله احتجاجات متكررة وضخمة، عبر تنظيم التعبئة مرة أو مرتين في الأسبوع، كما في الجزائر وهونغ كونغ.

وبين الاثنين، يمنح الوقت للتحليل، التبادل وإنتاج الشعارات الوحدوية، للاحتجاج القادم، تعرض الحركة هدفها ، وتعبئ له لأسابيع وشهور ، وترفض المناقشة حتى حصول ما تم رفعه من مطالب. 

بمجرد تحقيق الانتصار الأول، تنتقل الحركة إلى الخطوة التالية. والسلطة لا تعرف من تتحدث إليه، لا يوجد زعيم، لكن  هناك قيادة سياسية تحميها الحركة، قادرة على إعطاء الحلم، لأنها تشترط المستحيل الذي لا يتطلب الكثير لكي يتحقق. 

كما تقوم بالتمييز أساسا بإرادة الربح، وإعلان أهداف فوزها. وعلى مراحل، الحركة تفوز بالفعل. فهكذا قام الحراك الجزائري بإلغاء تاريخ الانتخابات الرئاسية لمرتين، وفي هونغ كونغ قام المحتجون بإلغاء مرسوم ترحيل متهمين إلى الصين، وفي بيروت، المحتجون طالبوا بإستقالة الوزير الأول والحكومة بأكملها والسودانيون فرضوا على الجيش حكومة انتقالية وانتخابات في ثلاث سنوات.

فهذه أول مرة ربحت  الحركات الاحتجاجية مجموعة من معارك، فكسب الأرباح هذا، يفسر تعبئة واستمرارية هذه الحركات لشهور.   

  • هذا النوع الجديد من الاحتجاج جعل الوساطات السياسية والنقابية في هذه البلدان متجاوزة، بل أسقطتها. هل يمكن أن يشكل هذا الوضع الجديد نقاشا عاما حول شكل الديمقراطية التمثيلية المنتشرة في جل بلدان العالم؟ 

حالات مواجهة الحركات الاجتماعية متنوعة للغاية في مختلف البلدان، فهل ملاحظة أشكال التعبئة والنضال، المطالب السياسية والأخلاقية لهذه الحشود، هي نفسها من بلد إلى آخر؟ هناك عنصرين للتفسير، الأول يتعلق بآليات مماثلة للنيُوليبرالية المستخدمة في كل مكان. وبالتالي للتخفيف من تخفيض الاستثمار العمومي وتشجيع المستثمر الخاص، الضرائب تراجعت، ومن أجل تعويض تراجع المداخيل الضريبية، الدولة ترفع من الرسوم les taxes التي تضرب الساكنة الأكثر فقرا، هذا ما رأيناه عمليا في سانتياغو، وفي كيتو ، وبيروت وبغداد. في المغرب، الدولة تعاني من  أزمة السيولة والعجز الدائم، ونرى أرباب العمل يصرون على أن تقوم الدولة خفض الضرائب.

العنصر الثاني سياسي محض، يتعلق بالتمثيل السياسي الذي لم يعد يلعب وظيفته الطبيعية في الوساطة بين الناس والقوى الموجودة. فإذا كانت هذه الحركات موجودة ومستمرة، فمن الواضح أن التمثيلية عبر الانتخابات لا تعمل، فهذا واضح وظاهر في بلداننا. نعرف أن التمثيلية من خلال الانتخابات ليست هي الديمقراطية. فضلا عن ما ينتج عنها من  أشكال متعددة من الخضوع، التي تنفذ في كل مكان، مثل الاستقطاب، الأوامر من فوق، وأشكال متعددة من الضغط والتدجين، وتوزيع الريع، الوصول إلى الأماكن الاقتصادية والسياسية. في الواقع ، أصبح أسلوب التمثيل من خلال الانتخابات مصدرًا رئيسيًا للفساد ، حيث يعتبر المرشحون للانتخابات أن النفقات الكبيرة لانتخابهم استثمارا، لأن الفساد يضمن لهم عائدًا مربحًا جدًا على الاستثمار، ونظام التمثيل يصبح فاسدًا بمعنى الكلمة،  كما يرافق هذا الفساد عدم الكفاءة وسوء إدارة الدولة الفاشلة. وبالتالي يصبح إنتاج اللامساواة المتفاقمة أمرًا لا يُطاق بينما الفساد يصبح ظاهرا. 

ليصبح نظام التمثيلية ذو مصداقية في عيون الناس يجب أن يكون مصحوبا بجهاز يجعله فعالا، والقيادة تكون نابعة من الناس أنفسهم. يتألف هذا الجهاز، على سبيل المثال لا الحصر، تقديم الحساب أمام الناس حول ما تم تنفيذه في الولاية الانتخابية، في فترات منتظمة خلال الولاية Mandat، مع نشر النقاشات والقرارات المتداولة داخل المجالس التمثيلية، عقد بشكل منتظم اجتماعات عمومية مع المواطنين، إجراء استفتاءات إقليمية أو وطنية، إلى عملية افتحاص شامل وليست محاسباتية لجميع الهيئات التي تستثمر، من قبل وكالات مستقلة عن السلطة، ونشر مضامين وخلاصات هذه الافتحاصات.  مع جعل إمكانية إجراء افتحاص مضاد مفتوحة من أجل التخفيف من خطر التأثير على هذه العملية.

نرى أن هذه الوضعية الثورية، التي لها كل هذا السحر، مرتبطة بالقضايا الاقتصادية للضرائب taxation التي أدت إلى التشكيك في التمثيلية السياسية عن طريق الانتخابات.