صحافة البحث

فيلم “سيدي المجهول” لعلاء الدين الجم.. كيف غلبت الحُشوة على الحِبكة الطريفة؟

- الإعلانات -

فيلم “سيدي المجهول” 2019 للمخرج المغربي الواعد علاء الدين الجم عبارة عن كوميديا اجتماعية عميقة بلمسة سريالية ساخرة عن فائض الأولياء الصالحين في المغرب المعاصر(عرض الفيلم ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش دورة دجنبر 2019). ولزيادة عمق الأحداث تم زرعها في أرض قديس مجهول. وقد عصرت كاميرا المخرج وحدة المكان إلى أقصى درجة ممكنة لتظهر قبة الولي فوق الجبل والشعب في السفح. يساعد المكان على تشكيل مناخ الحكاية بمصداقية. زرع المخرج ديكورا يخبر عن مهنة وطبقة وممارسة راسخة في المجتمع المغربي. ففي كل قرية ومدينة مغربية ولي يزوره ذوو العاهات ويتبرك به ويُخدم ضريحه ويدر أرباحا. لقد زرع المخرج فيلمه في تربة خصبة، زرعها فوق جبل والجبل رمز لخشية الله. الزرع في أرضية قاحلة مضرّ بنمو الزرع وتطور الحكاية، من يزرع جيدا يحصد كثيرا. الأرضية كانت واعدة.

لتبرير التحول في المكان استخدم المخرج لقطة قطع غطت زمنا كبيرا، قطع برر به المخرج عودة البطل (أداء يونس بواب) إلى نفس المكان لاسترجاع غنيمته. بعد العودة وجد البطل قبرا صار مركبا، قبر تمأسس. ظهرت حوله نافورة مباركة وفندق وحارس… وحجاج. رغم هذا يخطط البطل لينتهك حرمة القديس. هكذا تحدد البطل وخصمه. يحث القديس على التقشف بينما يحب اللص الاستمتاع بالحياة وهو جاهز لفعل أي شيء في سبيل ذلك. لذا يوجد تناقض شامل بين نهج اللص ونهج الولي. هذه مقاربة تجعل الحبكة مشوقة. بفضل هذا العمق الاجتماعي اكتسبت الحبكة طرافتها.

في انتظار الانتقال للفعل نتعرف على شخصيات جديدة.

يصل طبيب شاب إلى منطقة تعاني من فائض من الحجر وقلة المطر، يكتشف الطبيب مغربا يسير بإيقاعات جد مختلفة. يندهش الطبيب مما حوله: تلفزيون من القرن الماضي وهاتف نقال قديم ومصباح غاز… شخصية الطبيب (أداء أنس الباز) من صلب الحكاية لأن الوظيفة الرئيسية للولي هي العلاج، يفترض أن هناك تنافسا بين المعالجين. تقليدي وحديث، لكن الفيلم يرسم للطبيب شخصية كاريكاتورية بئيسة.

من ظهور الطبيب تعطلت الحبكة الرئيسية التي تقوم باختبار معدن البطل. وقد ملأ المخرج هذا الزمن بحشوة غير مترابطة عبارة عن طرائف مختلفة عن الممرض والحلاق، وهذه شخصيات لا توجد صلة صراع أو تعاون بينهما وبين البطل.

في اللقطات التي يظهر فيها الطبيب والممرض كوميديا لا صلة لها بالحِبكة الرئيسية وهي التي تجعل الفيلم خفيفا لأنه يسمح للمتفرج المديني بالإطلالة من علِ على المغرب غير النافع. يجري حوار كوميدي على حدود العبث لكنه في المستوصف فقط. تفوق حسن باديدا في كل حركة يقوم بها، صنع “ليت موتيف” الفيلم وهو يسلم الدواء للطبيب بنفس الحركة عدة مرات. التكرار يصير كوميديا، وقد رفع الممرض أداء الطبيب ليصير كوميديا ساخرة.

“سيدي المجهول” قبر تمأسس

لكن بعد ربع ساعة تعطلت الحبكة الرئيسية واشتغل المخرج على شخصيات هامشية مثل الحلاق والكلب وحارسه. عندما لا يعرض الفيلم الحلاق والممرض نرى لصين عملاقين يخافان حارسا نحيفا تلتف ساقاه حين يمشي، لذا لا يفعلان شيئا. ينتظران، ومع الانتظار يتولد الملل لأن السيناريو لم يستثمر الأرضية العَقَدية التي زرع فيها. بين الدقيقة 5 والدقيقة 90 لم نتعرف معلومات جديدة عن البطل. لم يطور السيناريو شخصياته لتتغير بسبب أفعالها. لقد بقي البطل على حاله متجهما كما هو بينما من حوله لا يتناولونه بالتعليق لشرحه. لقد ركز المخرج على شخصيات هامشية. وهكذا غلبت الحشوة على الحبكة، لذا سيتذكر المتفرجون الكلب وصاحبه والممرض والمساعد الغبي أكثر مما سيتذكرون البطل.

لقد احتفظت ملامح الممثل يونس بواب بشكل واحد طيلة الفيلم. حتى زمن السجن لم يغير شكله. عشر سنوات سجن لم تغير ملامح البطل. بقي وجه الممثل على حاله طيلة الفيلم لا يتأثر شكله بالزمن ولا تتأثر نفسيته بالأحداث. طيلة الفيلم ينظر غاضبا بنفس الملامح. أين التمثيل؟ أين التغير تبعا لفعل الزمن وتحول الوضعيات؟

شخصيات نمطية

على صعيد رسم الشخصيات يبدو القرويون متشابهون مستسلمون جدا، لم يزرع المخرج بينهم وعيا معارضا ليجعل المتفرج يرى الواقع من زاوية جديدة. لذا فالسرد مونولوجي لا حواري. حتى الطبيب يبدو متعايشا مع الولي وسلبيا تماما كأن كل ما تعلمه ودرسه لم يساعده ليلاحظ مفارقة أن قبر القديس الذي ينافسه في علاج زواره يحتاج كلبا يحرسه (هذ طبيب بعيد من شخصية إسماعيل خصم زيت “قنديل أم هاشم للمصري يحيى حقي).

ينتهي الفيلم بتكرار نفس حدث البداية. فالأولياء النكرات ظاهرة مغربية قديمة ذكرها ابن الزيات عدة مرات في كتابه “التشوف إلى رجال التصوف” 1220م. الولي أكثر من عظام في قبر. في المغرب آلاف الأضرحة معلوم ومجهول من فيها لذا سماه المستشرقون ببلد الشرفاء. مازال الكثير من المغاربة يعتقدون أنهم شرفاء يبصق بعضهم في يد البعض لتوارث البركة. وقد صدّر المغرب الكثير من أوليائه إلى مصر، وما زالت لهم بها قبب إلى اليوم. وبغض النظر عن حقيقتها أو زيفها فالأضرحة المغربية مُدرة للدخل ويحوم حولها شرفاء ولصوص ومتبركون كثيرون خاصة في المغرب العميق، أما في مغرب المدن الكبيرة فقد تراجع سلوك زيارة الأولياء لكن قداستهم راسخة في الذهنية السائدة.

للإشارة فقد ظهر وزن الأضرحة في السينما المغربية مع فيلم “الزفت” 1984 للمسرحي الطيب الصديقي. فيلم مقتبس من مسرحية “سيدي ياسين في الطريق”. وفيها تأتي الدولة الحداثية بمشروع تعبيد طريق. رسم المهندسون مسارها فاتضح أنه يجب هدم ضريح سيدي ياسين لتمر مكانه. هل تسمح القبلية المحافظة بهدم الضريح أو تنقيله لإنشاء طريق؟

القبيلة تقول: لا. فالولي يجلب البركة والمس به يجلب اللعنة.

في النهاية تم تغيير مسار الطريق. وهذا حل وسط. حصل المغرب على طريق ملتوي. يبدأ جنريك فيلم “الزفت” بلقطة لأرض قاحلة يهطل عليها مطر ولا تُنبت. تتراجع الكاميرا للخلف فيتضح أنها جمجمة شخص أصلع. واضح أن الزفت والجفاف في الدماغ لا في الأرض.

يؤمل أن تحرر السخرية من فائض الأولياء المغاربة من ذهنية التسول (تعاون معانا الله يرحم الوالدين) التي زرعها فيهم محيط الضريح، خاصة وأن السينما مصنع لإنتاج الأحلام الجماعية، وهي في سردها للمناقبية تتجاوز قوة النصوص المكتوبة. في هذا السياق قارن إريك هوبزباوم بين دور وأثر وسائل الاتصال الجماهيري على التصورات والمشاعر والمواقف وخرج بنتيجة “لقد ساهم الفيلم السينمائي في إحداث تحول في أساليب الإدراك البشري بطريقة عميقة وابتكر الفيلم طرقا جديدة لرؤية وإقامة العلاقات بين الانطباعات الحسية والأفكار” ص 358. وهذا ما منح السرد الديني آفاقا جديدة ليستمر في تأثيره.