الخطيبي ولعبة النقد المزدوج

عبد الكبير الخطيبي من مواليد مدينة الجديدة سنة 1938م، درس بفرنسا وبها ناقش أطروحته الجامعية حول الرواية المغاربية. أصدر أكثر من عشرين عملا موزعا على اختصاصات متعددة بدءا بالسوسيولوجيا والشعر والفن والنقد الأدبي والفكر والتاريخ.. وظل يشتغل إلى أن غادرنا في مارس 2009. 

تمحورت السوسيولوجيا الوطنية في بداياتها حول سؤال العلاقة مع الإرث المعرفي الضخم الذي خلفته المؤسسات العلمية الاستعمارية حول المغرب. هل يمكن رفضه بحكم خلفياته الاستعمارية؟ أم من المفروض استهلاكه بحكم عدته المنهجية والميدانية العالية؟ وكان الحل الوسط هو الأكثر رواجا والذي يدعو إلى التعامل الحذر مع هاته المعرفة والعمل على تنقيتها من الإيديولوجيا الاستعمارية وعزل مكوناتها العلمية. 

لم يكن الخطيبي ومعه بول باسكون من أصحاب الحل الوسط الساذج والمريح وكذا من أصحاب الدعوة إلى المقاطعة أو الاستهلاك الأعمى. لقد حرر بول باسكون مع نهاية السبعينيات مقالة مهمة في الموضوع عنونها بضرورة إعادة النظر في الإطار النظري لدراسة الظاهرة الاستعمارية وضمنها ثلاث ركائز بالغة الأهمية في هذا السياق: تمثلت الأولى في الدعوة إلى رفض الخطاب الاستعماري والخطاب الوطني بالتساوي ودفعهما جنبا إلى جنب بوصفهما ثنائي الاستقطاب. وثانيتها: ضرورة قلب الموضوعة الشائعة التي تعتبر الآخر هو المذنب وحده والأجنبي هو المسؤول وحده. مسؤولية الآخر ليست مشكلتنا بل مشكلتنا هي مسؤولياتنا؟ 

ما الذي أهملناه مما كان علينا القيام به؟ وما الذي لم نقم به؟ أما الركيزة الثالثة فهي ضرورة افتراض ازدواجية الأوضاع للقلب وقابليتها للعكس. 

لقد جلبت هاته المقالة الويلات على بول باسكون، فالخطاب الوطني ظل طابوها على السوسيولوجيا والأنثروبولجيا، وتمتع إلى حدود الثمانينيات بنوع من القداسة لدى المستفيدين منه، سواء كانوا أكادميين أو سياسيين أو يجمعون بين اللعبتين. 

لم يقدم الخطيبي للسوسيولوجيا بالمعنى الفعلي تراكما كبيرا، لكنه وبحكم تكوينه المتعدد والمتين سيعمل على فتحها على إشكالات جديدة تماما بالنسبة إلى المغاربة والعرب. فإلى جانب “حصيلة السوسيولوجيا” الذي اعتبر أداة اشتغال أساسية للعازمين على ولوج سوسيولوجيا المغرب، وإلى جانب مقالاته النقدية للنظريات الانقسامية والخلدونية والماركسية وهي تقرأ المجتمع المغربي، يمكن اعتبار مقالة “سوسيولوجيا العالم العربي” الفتح الأكبر لهذا المفكر والإسهام الذي سيعرج بالسوسيولوجيا المغربية داخل آفاق جديدة. ستنتقل السوسيولوجيا من مهمة النقد الأحادي إلى النقد المزدوج للظاهرة الاستعمارية ولغيرها من ظواهر الواقع الاجتماعي. يقول الخطيبي: تتمثل المهمة الأساسية للسوسيولوجيا في العالم الثالث في القيام بعمل نقدي مزدوج: 

1- تفكيك المفاهيم الناتجة عن المعرفة والكتابة السوسيولوجية اللتين كانتا تتكلمان باسم العالم العربي ويغلب عليهما الطابع الغربي وإيديولوجيا التمركز على الذات. 

وفي الوقت نفسه نقد للمعرفة والكتابة السوسيولوجية واللتين أنجزتهما مختلف مجتمعات العالم العربي حول ذاتها. نقصد إذن -يقول الخطيبي- حركة مزدوجة منسقة نرة أنها وحدها القادرة على تجاوز مجرد الإعادة والتكرار، وتفتح أمام علم الاجتماع إمكانية معرفة علمية أقل استلابا وأكثر تكيفا مع خصوصية الموضوع المطروح. 

2- الكتابة السوسيولوجية لا يمكنها أن تكون إلى ممارسة عنيفة تأخذ على عاتقها التاريخ والإيديولوجيا والعلم. ولذا يقول الخطيبي يجب علينا أن نحقق قطيعة عنيفة مع السيطرة الثقافية الغربية وتجاوز قوتنا القاصرة، إذ ليس هنالك قول بريء بل على كل قول أن يجيب بطريقته الخاصة عن شعلة الحياة. بهاته الكيفية يجعل الخطيبي من السوسيولوجيا كتابة خاصة للتاريخ والعلم والإيديولوجيا، وبفضل ذلك يخلصها من إشكالية العلمي والإيديولوجي التي استهوت البعض ويبعدها عن مشاريع تنقيتها مما هو استعماري وإيديولوجي، والتي تجند لها دون نجاح كثير من الجامعيين وتخلوا عنها في صمت رهيب. 

3- إن  النقد المزدوج مؤداه، حسب الخطيبي، إعادة تشييد بنيان العلوم الاجتماعية. والمقصود بذلك أن نمنح الامتياز والأولوية للسوسيولوجيا التاريخية لأنها تهدم كل أشكال المذهب الوظيفي الذي يسيطر بقوة على العلوم الاجتماعية. إذا ما أعطينا الامتياز لسوسيولوجيا التاريخ (حسب الخطيبي التاريخ كتابة تأخذ بنيتها بالنسبة إلى وقائع مادية وبالنسبة إلى مؤسسات اجتماعية). ستندثر الإثنولوجيا مثلا. يوضح الخطيبي: “لا يتعلق الأمر بالإثنولوجيا بوصفها ظاهرة مرتبطة بالاستعمار والامبريالية فحسب، بل لأن أساسها النظري مشبوه. إنها دراسة للآخر فحسب بل، كما يقول ماكس شيللر، أرى أيضا أنه ينظر إلي”. وبلغة الخطيبي، تنطوي جدلية الأنا والأخر على كل تواصل وكل رغبة، في حين أن الإثنولوجيا تطرح موضوعا وهميا في تحليلها للتماثل والاختلاف. إلى جانب ضرورة منح السوسيولوجيا التاريخية الامتياز، يقترح الخطيبي ضرورة إنشاء جهاز مفاهيمي نستطيع إدراكه حسب النظام الإصطلاحي العربي. 

لقد غيرت هاته المقالة الصغيرة منحى السوسيولوجيا المغربية والعربية، مثلها في ذلك مثل الثورة التي أحدقتها دراسات الاسم العربي الجريح في الفكر العربي عامة. لم يكن الخطيبي مفكرا فقط بل رجل حركة وفعل. لقد سند أطروحته الأساسية في السوسيولوجيا بعمل كبير، سواء بمعهد السوسيولوجيا الذي كان يرأس إدارته، أو بالمجلات الوازنة التي طبعت تاريخ السوسيولوجيا المغربية، وكذا بالملفات العلمية التي كان يسهر على اقتراحها وتنسيق موادها للنشر. وإلى حدود إدارته للمعهد الجامعي للبحث العلمي، فتح للسوسيولوجيا وباحثيها إمكانيات اللقاء والتواصل المباشرين مع أعلام كثر من السوسيولوجيين والفلاسفة الغربيين. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.