صحافة البحث

الزمن في السينما

- الإعلانات -

“إن الزمن هو صانع المفارقة اللاذعة العظيم”

جورج لوكاش في “نظرية الرواية”

“من لم يؤدبه والداه، أدبه الزمن”

مثل مغربي

 من الممتع مطالعة نص الفنان وهو يفكر في عمله، ميلان كونديرا يتحدث عن الرواية، يوسف إدريس عن القصة القصيرة، سكورسيزي عن السينما…. كثيرون يمارسون السينما، لكن قليلون يمارسون السينما ويفكرون فيها بحب وعمق، أندريه تاركوفسكي من هذه النوعية النادرة، لذا يجب الإصغاء إليه، في هذه المرحلة التي يناضل فيها المغرب لبناء سينما وطنية.

بداية يقر تاركوفسكي بتواضع “إن تجربتي توضح بأن تعلم شخص ما في معهد للسينما لا يخلق منه فنانا”، وبعد نجاح فيلمه الأول “طفولة إيفان” قرر المخرج الروسي “علي أن أفهم ما هي السينما”. بعد الهدف حدد الوسيلة: “إن العنصر الأساسي للسينما هو الملاحظة” 65 إذن ليبتعد من لا يلاحظ عن السينما. من هذه الملاحظة خطرت له فكرة “الزمن المطبوع” على الشريط. (“النحت في الزمن” ترجمة أمين صالح، وزارة الإعلام، البحرين 2006).

 يشرح المخرج رؤيته الفلسفية التي تتأسس عليها رؤيته الفنية “كل أفلامي تشير إلى أن الناس ليسوا وحيدين ومهجورين في كون خال، إنما هم متصلون بالماضي والمستقبل بخيوط لا تحصى، وأن كل فرد، فيما يعيش حياته الخاصة، يعقد رباطا مع العالم بأسره، ومع تاريخ البشرية كله… لكن الأمل بأن كل حياة منفصلة، وكل نشاط إنساني، له معنى جوهري يجعل مسؤولية الفرد، تجاه المسلك الإجمالي للحياة، أكبر على نحو لا يمكن التنبؤ به” ص 195.

  بالنسبة لتاركوفسكي الحياة اتصال وامتداد تحضر فيها الأبعاد الثلاثية للزمن، الماضي، الحاضر والمستقبل. هنا يشتغل الفن ويتحرك الفنان، يعرف مجال عمل هذا الأخير “الفن لغة سامية تساعد الناس على تحقيق الاتصال فيما بينهم، وتفصح عن معلومات بشأن ذواتهم، كما تساعدهم على استيعاب أو تمثل تجارب الآخرين” من هذا التعريف تنبع مهمة الفنان، وهي أن “يوسع ويمدد مجاله في سبيل أن يعزز الاتصال، أن يساعد الناس على فهم بعضهم البعض على أرفع مستوى فكري وعاطفي وسيكولوجي وفلسفي” ص 98. لكن ليكون مؤهلا لهذا المستوى من التواصل، يجب أن يدرك الفنان دوره كشخصية، وهنا يلعب الزمن دورا حاسما. ف “الزمن شرط لوجود الأنا لدى الإنسان”.

ما هو الزمن؟

يورد تاركوفسكي جواب دوستويفسكي في “الإخوة كرامازوف” “الزمن ليس شيئا، إنه مجرد فكرة”. وبما انه فكرة، فهو موجود بالنسبة للبشر فقط، والوعي مرتبط بالزمن الخاص. ما هو الزمن الخاص؟ إنه عصارة المعيش، أي اللحظات التي تركت بصمات في الذاكرة. لحظات تشكل خزان آلام الفرد وأفراحه، وهي التي توجه تصرفاته.

عندما نسترجع الماضي، لا نسترجعه كله، بل نقص ونقتطع منه لحظات دالة بالنسبة لنا، لحظات لا تزيد عن 0.1% من عمرنا، نحتفظ ونفخر بها ونختزل فيها خضرة أيامنا، لحظات تشكل وتوسع وعينا بالحياة.

أما لحظات الخواء والوقت الميت، فنقصها ونرمي بها لأنها مملة. من هذا التصور الفلسفي، المرهف والراقي، يستل المخرج تصوره لعمله، فكيف ينعكس إحساسه الحاد بالزمن على تصوره للسينما؟

الزمن والحدث

 “ما هو أساس عمل المخرج؟ يجيب تاركوفسكي بحذق بيداغوجي: “نستطيع أن نحدد هذا العمل باعتباره نحتا في الزمن.

مثلما يأخذ النحات كتلة من الرخام ويزيل كل ما هو ليس منه، واعيا لأشكال عمله المنجز، كذلك يفعل صانع الفيلم… من “كتلة الزمن” المتشكلة من مجموعة صلبة، متينة وضخمة من الوقائع الحية، هو يقطع ويرمي كل ما لا يحتاجه، محتفظا فقط بما ينبغي أن يكون عنصرا للفيلم المنجز، وبما سيثبت أنه متمم للصورة السينمائية”.

الفن إذن، انتقاء من الكتلة، هو اختيار لصياغة شكل متكامل، متناسق ودال، بدون زوائد، والغاية من ذلك هي “أن تختار وتربط معا أجزاء من الواقعة المتعاقبة، وأن تعرف وترى وتسمع بدقة ما يقع بينها وأي نوع من القيود توحدها وتجعلها متماسكة” أي أن القطع والانتقاء سيؤدي إلى تفكك الوقائع وتباعدها، لذا يجب أن يتم الربط بينها بقوة، بواسطة “الزمن بوصفه القوة المنظمة الوحيدة للتنامي الدرامي”.

إن الزمن الذي يربط ويبين العلاقة بين الأحداث، يقوي العلاقات السببية التي تأسر المتفرج، يقول “إني أرى في عرض الأحداث وفقا للتسلسل الزمني هو الذي يشكل السينما… ليس في طريقة تصوير الفيلم بل في إعادة بناء الحياة، إعادة خلقها”.

هنا جوهر السينما، وعندما لا يلتزم صانع الفيلم بهذه القواعد، فهو يتسبب في انتهاك قوانين الإدراك الحسي لدى المتفرج، الذي يصاب بالبلبلة فتختلط الأحداث عليه ولا تظهر له الصلة بينها، فصبح الفيلم مجرد لوحات متتالية وغير مترتبطة. من باب الحرص على قوانين الإدراك الحسي التي يحكم صلة الإنسان بما حوله، حتى الأحلام يريدها تاركوفسكي أن تخضع للزمن، بالنسبة له الحلم ليس هو تصوير الغموض واللاشفافية، بل الانطباع الذي يخلقه منطق الحلم: أي التعارضات بين الممكن والمسحيل، بين الواقع والأماني. وهو ينتقد التضبيب الذي يلجأ إليه المخرج ـ عبر إضاءة زائدة أو وضع حجاب شفاف على المشهد ـ ليدفع المتفرج ليستنتج: آه الشخصية تتذكر، آه تحلم.

 لتجاوز هذا الكليشيه الذي استهلكه الكسل الإبداعي، يقترح حله لتصوير أحلام النوم واليقظة “هذا ممكن شريطة أن تكون الأحلام على الشاشة مؤلفة تماما من أشكال الحياة الطبيعية، الأشكال المرئية ذاتها”، وهكذا تستطيع الصورة التعبير عن واقعة فعلية، فريدة، محددة.

كيف ذلك؟

يجيب “لكل حالة فردية، السينما تقتضي من المخرج وكاتب السيناريو معا معرفة هائلة، وبالتالي يتعين على مبدع الفيلم أن يمتلك شيئا مشتركا مع كاتب السيناريو” ليتواصلا فيتعاونا. وبجانب هذا المشترك، لابد من امتلاك كل واحد مسبقا، لكفاءات معينة. “على الكاتب [صاحب الموهبة] أن يكتب وعلى الشخص الذي يفكر بواسطة الصور السينمائية أن يمتهن الإخراج”.

يجب أن يمتلك كاتب السيناريو موهبة أدبية ليبرز المحتوى العاطفي للحدث وللمشهد ويقوم باستبصار سيكولوجي يقدم من خلاله للمخرج معرفته الخاصة بالشخصيات لأن كلمات الشخص وحالته الداخلية وحركاته الجسمانية تكمل بعضها. مع خلق انطباع بالحميمية الإنسانية. وبذلك يقترب السيناريست ، من ذهن المخرج، الذي يعمل بشكل بصري ويفكر بواسطة الصور السينمائية.

 أما بالنسبة للمخرج، فينصحه تاركوفسكي بتجنب لغة ملصق الإعلانات والرمزية المبتذلة والمحدودة، لأن الجمهور سيكتشف الحيل التعبيرية فيتوقف عن التعاطف مع ما يجري، وعليه أن يركز على وصف الحدث وليس موقفه تجاهه، وأن يتتبع الانعطافات المزاجية للحياة، ويخلق مفهومه ومفتاحه الخاص للعمل السينمائي وأن يتخلل قصده كل تفصيلة في فيلمه، وإلا أصبح متفرجا على مساعديه يصنعون فيلمهم الخاص… 

 إذا توفرت هذه الشروط، سيمنح الفيلم للزمن شكلا مرئيا وحقيقيا، لأنه يسجل مرور الزمن في علامات ظاهرية ومنظورة هي نمو الأحداث، تحول سلوك الشخصيات،المعالجة البصرية، تغيرات الضوء، تلاوين الصوت…

الزَّمَنُ وَالصّورَةُ

هذه العلامات هي التي تشكل الصورة السينمائية،  صورة ندركها عن طريق الحواس لأنها تحول لا ثبات، لأنها “رصد لظاهرة تمر عبر الزمن” ظاهرة خضعت لانتقاء فني، يقول “نحن نترك على الفيلم فقط ما هو مبرر بوصفه مكملا للصورة”. ما هو غير المبرر؟ الزمن الميت، الذي يعكس الثبات والاستقرار ويسبب الملل. لذا يجب قصه، وحينها فقط تصبح الصورة سينمائية لأنها تعيش ضمن الزمن ويعيش الزمن داخلها. . هذه العملية المتبادلة هي عامل حاسم في السينما، إنها تخلق صورة سينمائية ذات إيقاع يعبر عن جريان الزمن في الكادر.

يقرر “المرء لا يستطيع أن يتخيل عملا سينمائيا بدون أي إحساس بمرور الزمن من خلال اللقطة” ويدلل على صحة موقفه: فيلم الأخوين لوميير “وصول القطار” كان دون ممثلين وموسيقى وديكور ومونتاج، لكن كان فيه حدث وزمن، حين وصل القطار أجفل المتفرجون.

الزمن والمونتاج

ذلك الإحساس بالخوف، لم يصنعه المونتاج، بل صنعه الزمن في الصورة، لأن هنالك شرا يقترب، يوشك أن يدهس المتفرج… وبذلك يرفض تاركوفسكي سينما المونطاج والادعاء القائل أن المونطاج هو الذي يخلق الإيقاع في الفيلم، بل إن “الزمن المتميز، الممتد عبر اللقطات، يخلق إيقاع الفيلم. الإيقاع لا يقرره طول الأجزاء بعد تعرضها للمونطاج بل يحدده ضغط أو ثقل الزمن الذي ينزلق عبر هذه الأجزاء. المونتاج لا يمكن أن يقرر الإيقاع” ص114. لماذا؟ لأن “الزمن المطبوع في الكادر يملي مبدأ المونتاج الخاص”. الدليل؟

يقدمه عبر البرهان بالخلف، يقول “المرء لا يستطيع، على سبيل المثال أن يركب زمنا فعليا على زمن تصويري، مثلما لا يستطيع المرء أن يوصل أنابيب مياه ذات سمك أو قطر متفاوت” وأي محاولة توصيل مفبركة ستكون مكشوفة وبئيسة، لأنه عندما لا تشحن الكادرات بالثقل الزمني المناسب يضطر المونتير إلى توصيل اللقطات  القصيرة والسرعة الخاطفة في تغيير الكادرات لخلق إيقاع سريع، وهمي، حينها، يشعر الجمهور أن ما يشاهده راكد بليد ومتكلف “وذلك لعدم توفر الصدق الزمني في الكادرات المستقلة… التي هي بذاتها كادرات ساكنة وغير ممتعة. بالتالي هناك تناقض محتوم بين الكادر نفسه، المجرد من مرور محدد للزمن، وأسلوب المونتاج المفاجئ، الذي هو اعتباطي وظاهري لأنه لا يحتوي على أية علاقة بأي زمن داخل اللقطات”.

 لتجاوز هذا التفكك الذي لا سبيل إلى وصله، والذي يجعل الفيلم أشبه بلقطات من زوايا مختلفة لعارضة أزياء، لقطات لوجه وملابس وليس لحدث، يقترح تاركوفسكي على المخرج أن يبحث عن “حكاية مشحونة بكثافة مقلقة ومكظومة شبيهة بالتوتر المتشنج لزنبرك ملفوف شُدّ بإحكام حتى الحد الأقصى”. حكاية ذات خط ينمو بوضوح، يبدأ بسيطا، يتصاعد، يتعقد ثم يبدأ بالتفكك إلى أن يصل إلى حل يجب أن يكون متضمنا في صلب الفكرة العامة للفيلم وليس مقحما من الخارج.

لهذا التصور أثر على المخرج والمتفرج، بالنسبة للأول، “من خلال الإحساس بالزمن، من خلال الإيقاع، يكشف المخرج عن شخصيته المستقلة، عن فرادته” كفنان. بالنسبة للثاني، يجد الزمن محسوسا على اللقطة عندما يدرك أن الصورة تمتد إلى ما وراء الكادر، إلى الحياة. عندها يجفل، يتأثر، يفرح ويحزن، يفهم ويتحرر لأن المشاهد تضيء له تجربته… حينها يكون التواصل بين المتفرج والفيلم في قمته، وبذلك يعبر المخرج عن احترامه لجمهوره، يقول تاركوفسكي “ما يستحقه الجمهور هو الاحترام، الإحساس بالكرامة، لا تنفخ في وجوههم. ذلك شيء مكروه”.

 دون هذا ماذا سيكون مصير الفيلم؟

يجيب تاركوفسكي “‘عاجلا أو آجلا، سوف يفضح الزمن، بلا هوادة، خواء أي عمل لا يعبر عن رؤية شخصية وفريدة للعالم”.