صحافة البحث

قرن على ميلاد فديريكو فيليني.. ما الذي جعل الواقعية الجديدة ممكنة؟

- الإعلانات -

حلت أمس الاثنين الذكرى المائة لميلاد فيديريكو فيليني في في 20 يناير 1920. وبالمناسبة هذا مقال للناقد محمد بنعزيز عن الواقعية الإيطالية التي بصمها فيليني بأفلامه.

“السينما هي حدث يشاهد من ثقب مفتاح”، هكذا يقول جان كوكتو. ولكن لا يكفي وضع كاميرا تتلصص على حياة المجتمع من ثقب صغير لصنع أفلام عظيمة. لابد من جواب واضح عن سؤال أندري بارزان:

كيف يعكس أسلوب الإخراج وبنيته وجهة نظر المخرج؟

هذا سؤال مبني على فرضية أن المخرج يتملك وجهة نظر متميزة ولديه وعي بالأسلوب الذي سيستخدمه لعرض وجهة نظره.

في رحلة البحث عن أفلام تستجيب لذاك السؤال الحاسم، يظهر أن أفلام الموجة الجديدة في فرنسا وأفلام الواقعية الجديدة في إيطاليا هي الأكثر خضوعا لأسلوب ووجهة نظر واضحة وقوية. لقد تزامن التياران في خمسينيات القرن العشرين، وكان لهما أثر كبير على السينما العالمية، حتى على السينما الأمريكية (جيل مارتن سكورسيزي).

ربما كانت الموجة الجديدة أكثر شهرة بفضل الناقدين الكبيرين بازان وفرانسوا تروفو، الأول في كتاب “ما هي السينما؟” والثاني في كتابيه “متعة العين” Le plaisir des yeux و”أفلام حياتي”. وهي كتب نقدية عميقة تحلل قبل أن تصدر الأحكام. كتب جوهرية تتعامل مع السينما بتفكير مفاهيمي وليس بخطاب دارج نصف أمي.

غير أن شهرة النقد لا تغطي قوة الأفلام، فكتب تروفوا رائعة، ولكن أفلامه “الطفل المتوحش” و”أربع مائة ضربة” لا تضاهي “لاسترادا” و”ليالي كابيريا” لفيليني.

يحكي فيلم “أربع مائة ضربة” 1959 عن طفل من أسرة فقيرة في باريس، يعنفه والده وتهمله امه، وقد ربته جدته، لذا لا ينسجم مع والديه، طفل ينام قرب الباب… تزداد هامشيته حين يكتشف أن أمه حاولت إجهاضه ويتغيب عن المدرسة، يتسكع حيث شاهد أمه مع عشيقها… حين سأله المعلم عن سبب تغيبه أجاب “ماتت أمي”.

في الفيلم لمسة من سيرة المخرج الذاتية، فقد عاشت أسرة تروفو في شقة مساحتها 35 متر، وقد ربته جدته وقضى ليلة كطفل في مخفر للشرطة… فيلم مشحون بنظرة اتهام تجاه الكبار الذين يفتقون البراءة… ينتهي بترافلينغ يمتد لأكثر من كيلومتر في رحلة الطفل جريا نحو البحر…

طبعا حظي الفيلم باحتفاء نقدي كبير، خاصة وأن تروفو كان مفضلا لدى بازان، وهذا مات في اليوم الأول لبدء تصوير الفيلم. وهنا تظهر فوائد النقد السينمائي على المدى الطويل بالنسبة للأفلام التي يرحب بها النقاد ويطرونها.

عندما ينتقل المتفرج إلى فيلم “ليالي كابيريا” 1957 يشعر بارتفاع في الأفق الذي يتلصص منه على العالم. السرد متماسك سلس وأنيق… نرى العاهرات ينتظرن الزبائن، وحين يتأخر الزبناء تكثر الشجارات… تغيّر كابيريا المكان بحثا عن صيد، تقف أما حانة، يلتقطها فنان ثري بالصدفة لأنه تعارك مع عشيقته التي تجتاحها الشكوك والغيرة… في الفيلا، وبينما تستعد كابيريا لتتعشى تأتي العشيقة فجأة، ويضع الفنان كابيريا في غرفة خلفيىة مع الجراء… تشعر بالمهانة، وهنا نتعاطف معها طيلة الفيلم، إنها عاهرة لكن البعد الإنساني يطغى. إنها إنسان يستحق الاحترام أولا، بغض عن النظر عن مهنتها. إنها تملك بيتا وتحب شخصا يسرق نقودها ويدفعها في النهر. الرجال هم الذين لا يستحقون الاحترام لأنهم طماعون ولصوص، يغدرون بالنساء اللواتي يسلمونهم قلوبهن.

في لحظة قلق وأمل تذهب كابيريا إلى قداس ديني، الجميع يطلب العفو من مريم العذراء. كابيريا تطالب بشيء واحد: أن تتغير حياتها.

الآخرون يريدون العفو عن أخطاء الماضي، طلب كابيريا يهتم بالمستقل… كررت الطلب وبكت… حين استيقظت في الصباح وجدت أن العذراء لم تغير حياتها… تابعت البحث عن الزبناء… كثرة العرض تضعف الطلب… في لحظة تيه دخلت كابيريا سيركا لتتفرج… طلب البهلوان أشخاصا ليجرب عليهم التنويم المغناطيسي… تقدمت كابيريا، اندمجت في اللعبة وتحدثت من أعماق قلبها، كشفت أحلامها لما كانت في الثامنة عشرة… “تريد أن تحب وتحَب”، تريد بيتا وأطفال… كشفت مشاعرها بشكل ارتجالي قوي…

تأثر أحد المتفرجين ويدعى اوسكار بالمشهد الشاعري ووقع في حب كابيريا، تبعها بإخلاص وأقنعها أن تتزوجه… كان أداء الممثل مقنعا بشكل لا يصدق… حين أحبته نشاهد القبلة الوحيدة في الفيلم التي تعطيها كابيريا… نعم قبلة وحيدة في فيلم عن الدعارة… لماذا؟

لأن فيليني يملك عمقا دلاليا مثيرا يغنيه عن الإثارة الرخيصة…

أشاهد الفيلم وأعيد التوقف عند لقطات معينة، ومن تلك المتعة والتأثر انبثق السؤال:

ما الذي جعل الواقعية الجديدة في إيطاليا ممكنة؟

في تحليله للمدرسة الإيطالية في السينما، قدم بازان خصائص الواقعية الجديدة، والتي تميز ب:

– نقطة قوة واضحة: السيناريو.

– سرد بسيط لكن يقدم الحياة الإنسانية على حافة التراجيديا.

– توجد دقة شديدة في تتابع الأحداث، ومع ذلك يشعر المتلقي وكأن الأحداث تأتي صدفة.

– تقديم واقعية محلية ببعد عالمي في قالب جمالي ساحر ص 257، واقعية وليس الواقع. والواقعية أسلوب لا موضوع.

– تركيز السرد على الوقائع الدالة المنتقاة مع احترام منطقها الداخلي، مع المحافظة على العلاقات السببية بين الأحداث ص 279، مما يسهل على المتفرج المساهمة في بناء دلالات الفيلم. لا يظهر موقف المخرج في تكييف الوقائع وتحريفها لما يناسبه مما يعطي أهمية مصطنعة للحدث. إن موقف المخرج يظهر وهو ينتقي فقط الوقائع التي تخدم وجهة نظره. وهذا الانتقاء الشديد هو ما يجعل كل لقطة في الفيلم الإيطالي تحفة في حد ذاتها، وتصبح أعظم عندما تظهر صلتها باللقطة التي تليها. ويخدم التقطيع التقني يخدم هذا التوجه، عندما يركز ليس على الكادر بل على الحدث في السرد السينمائي. 281. كادر لا يستهدف إضافة شيء للواقع. ص315

– بناء قصة السيناريو كحكاية شفوية ص 276، وهنا يشير بازان إلى تقاليد الحكي الإيطالية. حكي طريف مشوق موجز وطبعا عميق. (للإشارة المثال الأشهر هو كتاب الدكاميرون لبوكاشيو، وهو بمثابة كليلة ودمنة إيطالية، إنه السرد السهل الممتنع).

– استخدام أساليب السرد الروائي في الأفلام، على صعيد تتابع الأحداث، الزمن، التقطيع والعرض… ص 274 مما يسهل خلق وهم الواقع créer l’illusion du réel … وهذا يبدأ من السيناريو.

– آنية السيناريو وحقيقة الممثل هما المادة الأولية لجمالية الفيلم الإيطالي. 267 مما أعطى أفلاما خالدة ذات بعد وثائقي، بخلاف الفيلم الفرنسي الذي لا يستطيع الحفاظ على آنيته أكثر من عشر سنوات، حسب الناقد الفرنسي. ص 263.

– تقديم صور مشحونة بالدلالات.

– التصوير في الشارع (إذا كان هيتشكوك يرفض المشاهد الوثائقية فإن الواقعية الجديدة كانت تفضلها لذا تجنبت التصوير في الاستويهات ونزلت للشارع واستخدمت ممثلين غير محترفين…).

– وجود ثقافة سينمائية قوية في محيط المخرجين، وهو ما عمق نظرتهم الجمالية. وهو ما افتقدته السينما السوفياتية بعد الطليعي سيرجي إيزينشتاين، والنتيجة هي تخلف الفيلم السوفياتي بسبب التركيز على المحتوى دون جمالية. (هذه هي الواقعية القديمة).

– استحضار البعد الثقافي في الأفلام ص 258، مما جعل المخرج الإيطالي شديد الوعي بوسائله الفنية وأسلوبه.

– كثافة الديكور المنتقى وتفضيل أشخاص واقعيين على الممثلين المحترفين، والنتيجة هي تقدم شخصيات ذات وجود حقيقي مؤثر 264 كما فيلم “سارق الدراجة”.

– الحرص على أن يكون أداء الممثل منسجما من جهة مع الديكور ومن جهة أخرى مع باقي الممثلين المشاركين معه في المشهد. أي الحرص على علاقة تبعية متبادلة بين هذه العناصر، غير مسموح بأن يستقل أي عنصر بالدور.

– استخدام حوار موجز ولماح. (لا أدري أين قرأت أن الكثير من الكلام يضر بالحقيقة. واضح أنه يضر بالأفلام أيضا).

– حضور البعد الإنساني الثوري ص 263. وهذا مصدر رؤية المخرجين الذين يصورون الإنسان في وضع صعب، لكن يحافظ على كبريائه، على إنسانيته، وهذا عامل يضمن تعاطف الجمهور مع الشخصية.

نتيجة لكل هذا يعترف بازان أننا نخرج أفضل بعد مشاهدة الفيلم الإيطالي، بل نرغب في تغيير أشياء عديدة فينا. لأن الفيلم يمكننا من إضاءة تجربتنا، من فهم أنفسنا.

هذه هي وظيفة الفن السابع

أندري بازان، قد تحدث عن خصائص المدرس الإيطالية في السينما، وذكر فليني وروسوليني… واعتبر ان السيناريو يتميز في السينما الإيطالية ب:

  • التنظيم والسيطرة على الزمن.
  • التشبه بالرواية.
  • اعتماد حكاية تستخدم قوانين القص الشفهي.
  • حبكة شعبية.
  • سيناريو تتعاون فيه أسماء كثيرة.
  • آنيته actualité، يواجه المرحلة ويطوعها أسلوبيا ولا يستنسخها.
  • دقة انتقاء الوقائع من وجهة نظر تخدم الفيلم…

وقد قدم بازان فيلم Paisa  للمخرج Rossellini كنموذج لإثبات وجود تلك الخصائص. ( Qu’est ce que le cinéma? p257-285  BAZIN)