محمد جسوس.. سقراط السوسيولوجيين المغاربة وهيمنة المشروع المخزني.

الدكتور محمد جسوس من الوجوه السوسيولوجية المغربية الأكثر إثارة للجدل. كان باحثا سوسيوولجيا ومناضلا سياسيا، شغل عضوية المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وأيضا درس كأستاذ جامعي بجامعة محمد الخامس بالرباط. انخرط في كل هاته المواقع في جميع القضايا التي همت وتهم المجتمع المغربي. فسواء تعلق الأمر بالمجال التربوي التعليمي أو اللغوي أو الاجتماعي أو السياسي أو النظري/الإبستمولوجي، تجده متدخلا بتصريح للإعلام أو مشاركا في ندوة أو لقاء من اللقاءات أو موقعا على بيان… 

لم يعر محمد جسوس للكتابة والتأليف أهمية تذكر، بل اختار، عوض تأليف الكتب، الانخراط والتدخل، وعوض الزهد في مكتبه وهب الوقت كله لتيسير ميلاد نخبة الباحثين  والمناضلين الشباب. موازاة مع دروسه ومحاضراته بالكلية ظل مسكنه السابق بحي أكدال مدرجا من نوع آخر لممارسة فعل التكوين وعقد حلقات النظر والحوار والسوسيولوجيين مع طلبته الباحثين، ولم يكن ممانعا في فتح باب صدره ومسكنه وتكوينه لغير طلبته المسجلين معه في إطار السلك الثالث. وقد كنت شخصيا من المستفيدين من هاته الحلقات التكوينية. وعلى الطريقة السقراطية، وكان الأستاذ جسوس، أو سي محمد كما يناديه طلبته، يجمع فوق مكتبه عددا من الكتب يقل بقليل عن عدد السجائر التي تحترق، وكأنه سيتلو منها ما يهم سؤال الحلقة أو سيظهر الاستشهادات المعززة بتحليلاته. لم تكن تلك الكتب نصوصا بل ذرائع فقط، لممارسة الدرس السقراطي الحر والمتحرر من الوثيقة والتوثيق. لقد كان يظهرها لنا نحن وكأنه يرغب في تأسيس المرحلة الأفلاطونية في المجال السوسيولوجي الدائر في حلقاته. 

شكل الأستاذ جسوس ملامح باحثين كثر، منهم من أفلح ومنهم من قضى نحبه، وقد كانت مبادرة السوسيولجي إدريس بنسعيد درسا في هذا المجال لطلبته الذين ارتووا بكتب مكتبته ومحاضراته وصلاتهم الشخصية معه وظلوا يغلقون على محاضراته في الرفوف المهترئة. لقد اعتبر سوسيولوجيون مغاربة الأستاذ محمد جسوس صانع كلام لا أشخاص ومروّج إيديولوجيا لا سوسيولوجيا ومؤطر شبيبة اتحادية لا شبيبة بحثية، وهم في ذلك ليسوا لا بالمخطئين كلية أو المصيبين كلية. لم يستسغ بول باسكون العمل بالمونوغرافيات مثلما لم يستسغ محمد جسوس تفسيرات بول باسكون للمجتمع المغربي، مثلها في ذلك مثل طرف اشتغاله مع المتمرس سوسيولوجيا وغير المتمرس. ولم يكن لمحمد جسوس أن يهضم بسهولة ماركسية وعلمانية باسكون وغيره، مثلما لم يكن لهذا الأخير أن يغض الطرف عن الخطاب الوطني والاتحادي لمحمد جسوس. إنه الصراع بين التصورات للفعل السوسيولوجي وأنماط تمفصله مع الفعل المجتمعي. صراع سيتخذ مع نهاية السبعينيات شكل التنازع للسلطة العلمية بين جامعة محمد الخامس (والتي لم تخل من هذا الصراع داخل أسوارها) ومعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة. 

دافع الخطيبي ونجيب بودربالة وبول باسكون عن النقد المزدوج للخطاب الاستعماري والوطني على حد سواء. ودافع محمد جسوس عن الخطاب الوطني بدءا بالحركة الوطنية ووصولا إلى ما ولدته من أحزاب وطنية. واختار الكل أن يراهن على طلبته ويوفر لنفسه مجلاته وإطاراته الجمعوية والبحثية. إنها المرحلة التي رحل كثير من رجالاتها، ولو قامت جمعية علم الاجتماع الحالية بتوثيقها من أفواه المتبقين والوثائق (وثائق الجمعية وأرشيفها وملفات المجلات…) لربحت أجر جيل الباحثين السوسيولوجيين الشباب. 

سواء في حواراته مع الجرائد والمجلات الوطنية أو في اللقاءات التي تدخل فيها أو أدارها، ظل محمد جسوس مرفوقا بالسؤال والبحث عن الثوى والآليات التي تلعب الأدوار أكثر من غيرها في هيكلة المجتمع المغربي وفي التأثير على أكبر عدد من مجالاته، وكذا في تحديد ملامحه المستقبلية. ففي بحثه في طبيعة ومآل المجتمع المعاصر، يرى محمد جسوس أن المجتمع المغربي شهد ويشهد خمسة مشاريع هيكلته ومازالت تفعل في تحديد مصيره ومستقبله. هاته المشاريع هي: مشروع القرابة بالمعنى الأصلي للكلمة (قرابة الدم) والمعنى المجازي (القرابة بوصفها عصبية). إنه المشروع الذي استطاع الصمود لأن المغاربة لا يجدون غيره أمامهم خصوصا في لحظات الشدة. مشروع الأمة المغربية: وهو مشروع قديم لكنه تبلور في سياق صمود المغاربة امام التغلغل الاستعماري. ربما هذا ما جعل المغرب، حسب محمد جسوس، آخر دولة إفريقية تستعمر ومن بين الدول الأولى التي حصلت على استقلالها. المشروع الرأسمالي البرجوازي: وهو المشروع الذي ظهر مع نهاية القرن التاسع عشر. ولو لم تكن هنالك الحماية الفرنسية لكانت هنالك إمكانية ظهور برجوازية مغربية. النظام الزبوني: والذي يتمثل في العلاقات الزبونية التي أضحت تتحول شيئا فشيئا إلى واقع وقيم ومعتقدات. إنه الشعور الذي أصبح يغمر الناس بضرورة البحث عمن يساعدهم ويحميهم ويتدخل لهم كوسيط بينهم وبين من يتحكم فيهم. وأخيرا المشروع المخزني: وهو مشروع تاريخي قديم جدا. يتسم بحضور قوي للسلطة المركزية وتحكمها في كافة مجالات الحياة والمجتمع، وكذا بخدمة المجتمع للدولة عوض العكس. إنه المشروع المهيمن على المجتمع المغربي، والذي يتطلب، إلى جانب البحث السوسيولوجي، فعلا مدنيا وسياسيا قويا لزحزحته.    

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.