صحافة البحث

العائلة في السينما الرجل الثري، الزوجة والعشيقة المؤقتة

- الإعلانات -

حققت السينما مجدها بمنح البطولة للمقاتل الأعزب في أفلام الويسترن، فراعي البقر لا يحمل التزاما تجاه أية امرأة، إنه ملزم بتأمين نفسه فقط. والحب بالنسبة له ضعف. وهو يعيد إنتاج مفهوم البطولة الرومانسي ويعتبر الزواج قيدا. وحين يتعامل مع المرأة فهي كغنيمة تستهلك في اللحظة ثم يتابع رحلته في البراري الواسعة… غير أن السينما لم تقتصر على البطل الأعزب وإن كانت له الغلبة. فقد عرفت الشاشات العالمية أفلاما شكلت محطات فنية بارزة في تاريخ السينما. وسأعرض هنا لأربعة أفلام شهيرة تمنح البطولة للأسرة النووية في المجتمع البرجوازي. وهذه الأفلام هي “التسوية” لإليا كازان 1969 و”العراب” لفرانسيس فورد كوبولا 1972 و”عيون مغلقة على اتساعها” لسانلي كوبريك 1999 و”نسخة طبق الأصل”  لعباس كياروستامي 2010. وهذا أول فيلم يصوره كياروستامي خارج إيران. يسهل على الكتاب أن يهاجروا ومعهم خيالهم، لكن الأمر صعب للمخرجين لأن ديكور أفلامهم يبقى خلفهم.

يبدأ فيلم إيليا كازان بصوت المنبه واستيقاظ فردي أسرة نووية عصرية، رجل وامرأة يستحمان ويلبسان ويفطران في حديقة الفيلا. كل شيء في مكانه. الصورة براقة لكن إيحاءات الرتابة تنذر بالشر. في الطريق للعمل يتعرض الزوج (إيدي، كيرك دوغلاس) لحادثة سير. لم يكن الهدف هو موت البطل الإشكالي بل عزله ليراجع مساره. يقضي الزوج فترة نقاهة في البيت قرب المسبح يشاهد التلفزيون. وهنا نكتشف كيرك دوغلاس في واحد من أفضل أفلامه.

بينما يشاهد إيدي على التلفزيون أسودا تفترس زرافة، وكلابا غير أليفة تمزق غزالة حية يصل مديره في الشركة رفقة مساعديه… يرى إيدي نفسه مهددا بالنهب… كان المشهد الذي يجري استعارة للبرنامج الوثائقي الذي تعرضه التلفزة… يصمت إيدي ولا يرد على وصفه بأنه “الرجل الضروري للشركة”… ومع الصمت يقول المعلق في التلفزيون أن الزرافة بكماء، لا تصرخ حتى حين يكون رأسها في فم الأسد… يحلل الطبيب النفسي للأسرة سلوك إيدي، يخمن أنه حاول الانتحار ولم يكن ما جرى حادثة سير. و”في كل انتحار هناك قدر من الانتقام”. ممن في هذه الحالة؟ 

لقد توصل إيدي إلى تسوية مع زوجته (ديبورا كير). تعزي نفسها، “يكون زوجها بخير حين تكون هناك عاهرة في حياته”. نادرا ما يتبادلان كلمات قليلة. كل واحد يعرف وجهة نظر الآخر التي لن تتبدل. وجهتا نظر متباعدتان، تلاشى المشترك بينهما لذا ينامان منفصلين.

يعمل إيدي في الإعلان، أي يجمّل الواجهات بمهارة. لكن يكره نمط عيشه، تقرفه وظيفته وشخصيته. ولا يستطيع تجميل هذا. ينعكس سخطه على نفسه على محيطه. تتساءل زوجته إلى متى ستتحمل الوحدة؟ يقترح عليها المحلل النفسي نفسه عشيقا. ترفض لأن لديها زوجا. يسألها الطبيب النفسي: وهل يعتبرك إدي زوجته؟

صمت. وأنت أيها القارئ: ماذا تعتبر المرأة التي تسكن معك في البيت بعد عشر سنوات زواج؟

مرحليا تتكشف حبكة الفيلم. وهو يعرض نموذجا لتحقق الحلم الأمريكي: فيلا وسيارة نادرة وزوجة جميلة متسامحة وعشيقة شابة…

ماذا ينقص البطل الأمريكي؟ ينقصه السلام مع الذات لذا يعيش في جحيم أفكاره. والفيلم تحليل عميق لتناقضات أحلام البرجوازية البورجوازي – الطبقة والفرد –  بين لحظة انطلاقها ومحطة ووصولها. تناقضات تحل بعقد الصفقات للحفاظ على الوضع بين الزوجة والعشيقة.

بخلاف هذا الزوج العصري الغارق في شكوكه في أسرة مفككة، يتصرف “العرّاب” بطل فيلم كوبولا بثقة تامة. العراب – مارلون براندو- رجل يدبر أموره بشرف، زواجه كاثوليكي وقد بقيت امرأته في الظل، يدير إمبراطورية  يفاوض كقاتل لكن يدير العائلة كملاك ويرجو الله أن يباركها. يردد آمين بخضوع قبل كل وجبة. بالنسبة له قيم الأسرة خارج المساومات والصفقات. يقدس العراب عائلته ويقتل من اجلها. يعتبر الضعف في هذا المجال أنوثة وهو واثق أن من لا يهتم بأسرته ليس رجلا. يهتم بالعائلة الممتدة وليس بالأسرة فقط، يحل مشاكل أقاربه، يدبر وثائق هجرة للهاربين في قر صقلية بل ويحصل على دور في هوليود لممثل من أبناء العم. والمقابل؟

الولاء للعائلة.

لذا حين جاءه قريب تعرضت ابنته لاعتداء يطلب العدالة، طالبه بالولاء فحقق العراب العدالة الدموية بنفسه. وقد أدى براندو الدور بطريقة مدهشة نظرا لهضمه للتناقضات التي يشخصها.

إن العراب هو الأب القائد العطوف والحنون الذي تقبل يده. لديه فصل شديد بين العائلة والعالم الخارجي، في العائلة حنون خدوم وفي عالم الأعمال دموي. لا معجم تسويات في كلامه. إنه يحسم في كل شيء. ليس لديه أسئلة، لديه حلول فقط. يحافظ على سلطته حتى في شيخوخته  فالأسد يهاب وإن كان رابضا… ولأنه شخصية متناسقة مع نفسها فهو يتنازل عن الثأر في سبيل صيانة العائلة. وهذه تضحية لا نظير لها.

لا أثر لهذه التضحية في فيلم كوبريك “عيون مغلقة على اتساعها” حيث الأنانية في أعلى درجاتها لدى الزوج – بيل، توم كروز- يهرب من البيت في ليلة العيد. فيلم شاهدته عشرات المرات ، أما المطاردة المتوترة والصامتة والعلنية في الدقيقة 116 فشاهدتها يوميا طيلة سنوات… في الفيلم لقطة مشهد طولها أربع دقائق، وهناك أكثر من عشرين لقطة يزيد طولها عن دقيقة دون ملل… وزع كوبريك تتابع الأحداث والأمكنة بطريقة ساحرة… أحداث ترافقها موسيقى أشبه بإنذار. تعرض اللقطات المكان بوضوح. ومع أضواء عيد الميلاد فالمكان يخبرنا عن الزمن أيضا… تنبع قوة الصورة السينمائية في “عيون مغلقة على اتساعها” من حرص كوبريك – كما في كل أفلامه- على أن تكون مصادر الضوء داخل اللقطة لا خارجها.

في مختلف الأماكن التي يتنقل فيها بيل، يصادف أحداثا مختلفة، في نهاية كل حدث يزرع كوبريك تحذيرا. أحداث مصممة لتصب في اتجاه تعميق وتفسير الحبكة التي يقدمها السرد. وكل حدث له خاتمة – بمثابة حسن تخلص – تمهد لمرور المخرج للحدث الموالي وهذا ما يجعل الإيقاع سريعا.

يبدأ الفيلم الذي صور خلال عام كامل بلقطة أسطورية، فقبل التوجه للحفل، يعبر الزوجان شقتهما الفخمة حيث كل الأضواء مضاءة وحيث يوصيان الخادمة بأن تتصرف كما تريد في الثلاجة المملوءة… في الحفل يحظيان بحسن الاستقبال والإطراء. كل شيء مثالي. لكن الرفاهية المطلقة تسبب العمى لأصحابها…

يصلان الحفل معا وينطلق كل فرد للبحث عن التسلية والمتعة. خاتم الزواج واضح منذ اللقطات الأولى، لكن توجد لعبة الغيرة والوفاء. لذا فالعلاقات الزوجية على المحك. فهي تراقص رجلا غريبا وتراقب زوجها بقلق يقع في براثن عارضتيْ أزياء وهو يقاوم بصعوبة مغشوشة.

 ينجو بالصدفة فيتابع البحث عن مغامرة. يدفع النقود لعاهرة وتسأله: ماذا يريد بالضبط؟ يشرح لها. العاهرة تخجل وهو لا يخجل. بعدها يدخل عالما غريبا تسيري فيه تعاليم الماسونية. أرعبته الطقوس الكريهة لعبادة سرية إباحية وهذا ما جدد ولاءه لأسرته… عاد سريعا للبيت وحضَن زوجته. لكن القلق لم يتبدد. فقبل أن يستنطق كل منهما الآخر تحشّشا قليلا. حينها اعترفت له روز بخيانة افتراضية وحدثته عن شخص يغويها فأجاب إنه يتفهم ذلك “لأن زوجته جميلة جدا”. تستقبل روز – نيكول كيدمان- هذا كإهانة لا كغزل. أظن أن هذا الحوار الذي تجاوز التمثيل إلى مكاشفة قاسية هو سبب طلاق كروز وكيدمان. ولاحقا نفت كيدمان أن يكون هذا الفيلم هو الذي حطم حياتها الزوجية. في 2014 صور توم كروز “مهمة مستحيلة” في مراكش وصورت كيدمان فيلم “ملكة الصحراء” في وارزازات. لا يبدو أن الممثلين التقيا رغم تواجدهما معا في جنوب المغرب.     

في الفيلم الرابع “نسخة طبق الأصل” لم تتأسس الأسرة أصلا. هنا  يمدد كيارستامي تفكير كوبريك في طبيعة العلاقة الزوجية. في الفيلمين معا تجري الأحداث في أقل من 24 ساعة، مما يوفر ضغطا زمنيا جيدا يمنع ترهل السرد. في الفيلمين أيضا مساحة أكبر لأن تراتبية النفوذ في الأسرة تغيرت بين فيلم 1969 وفيلم 2010. يمنح كيارستامي البطولة لامرأة (جولييت بينوش) تلتقي رجلا (وليام شيمل) ويجلسان في مطعم. عاملتهم النادلة كزوجين جيّدين فشرعا يلعبان اللعبة، لا تريد المرأة أن يعرف الناس أن الرجل الذي ترافقه عشيقها. يشرفها أن تقول إنه زوجها أو على الأقل خطيبها… تتمنى أن يمشي معها ويضع يده على كتفها لأن اللمس يخفض التوتر.

بخلاف الأزواج المتباعدين لأن عيونهم مغلقة، فإن ثنائي كيارستامي متقارب، إذ يجد الرجل ما يقوله لها، يحدثها عن الفن وتضحك لتشعره أن ما يقوله لها مهم. تنظر في عينيه حين يكلمها ونادرا ما تفعل الزوجات هذا. تتجمل لزوجها (تضع أحمر شفاه وهي متجهة للجمهور لأن كيارستامي عادة يضع الكاميرا مكان المِرآة)، يقومان بجولة سياحية في توسكان بإيطاليا ويتحدثان بمتعة فقدها الأزواج الحقيقيون… يتحدثان وينطلقان بالسيارة في لقطة مشهد يمتد أكثر من عشر دقائق دون قطع نرى خلالها جمال العمارة والطبيعة ينعكس على زجاج السيارة… هنا يلعب المخرج باللغة السينمائية. هذه اللغة التي تقوم على التقطيع وسلم اللقطات وموقع الكاميرا وذكاء المونتاج… على مستوى هذه اللغة أقارن بين سحر كازان وضجيج كوبولا ورتابة كيروستامي وأستخلص أن كوبريك يتمكن من الحفاظ على توتر عال في اللقطة بأقل الوسائل.

يشتد التواطؤ والتظاهر أمام الآخرين للإيهام بتماسك العلاقة الزوجية. وهذا مجرد تمثيل، حتى أن جولييت بينوش حصلت على جائزة أحسن أداء في مهرجان كان 2010 عن دور الزوجة المستنسخة. ولتكثيف استعارة الأصل والنسخة يتحدث الزوجان عن تزييف اللوحات في المتحف، فاللوحة الأصلية والأسرة الأصلية تحف نادرة… تتحدث جولييت بينوش عن اللوحات بتلقائية وهي رسامة أصلا… أكيد أن وحدة الذوق الفني تنقذ العلاقات العاطفية. في لقطة دالة تظهر التماثيل في ساحات المدن الإيطالية متعانقة بدفء يفتقده البشر. البشر باردون متباعدون، حتى أنه نشرت مؤخرا دراسة تزعم أن النوم بجانب الزوجة يزيد غباء الرجل. يزيد ولا يسبب.

هذه تلاوين تطور الأسرة خلال أربعين سنة في السينما حسب كازان (يوناني – أمريكي) كوبولا (إيطالي أمريكي) كوبريبك (يهودي أمريكي) وكيروستامي (مسلم إيراني). يقبض العراب خلاصه بيده. يظن إيدي أن الخلاص يوجد في مكان ما، بينما يسلم بيل أنه لا يوجد خلاص في أي مكان. ولا جدوى من البحث عنه أصلا لدى كياروستامي. لقد حل الوهم محل السعادة والخلاص. يجري التعايش مع الوهم، مع النسخة.

يقلقني أن تكون الأسرة قد صارت مجرد نسخة، من يستطيع أن يزعم أن أسرته ذات عيون مفتوحة؟ متماسكة؟ أصليّة؟