صحافة البحث

“نيغرو ماطاباكوس”.. الكلب “الثوري” الذي استمد منه الحراك في التشيلي روح المقاومة المدنية.

- الإعلانات -

في أواخر الستينيات عندما كان اليسار في التشيلي قويا ومتجذرا، كانت حركته النضالية تتغذى من عدة رمزيات ثقافية و إيديولوجية سواء البعيدة مثل رمزية ماركس و لينين، أو القريبة مثل رمزية الثائر الأرجنتيني، تشي غيفار، و المقاوم الوطني في نيكاراغوا أغوستو ساندينو. لكن مجال النضال السياسي للحركة اليسارية التشيلية لم يكن يعتمد فقط على ما يستقيه من تلك الرموز من أفكار و إيديولوجيات و نظريات لتدبير ممارسته النضالية بهدف تأجيج الصراع الطبقي داخل المجتمع التشيلي، فالشعر و الغناء كانا من الأدوات الثقافية التي عززت بشكل قوي جبهات النضال السياسي و الفكري و أشاعت الوعي الاجتماعي وسط العمال و الفلاحين و الطلبة، و لذلك كانت أشعار “بابلو نيرودا” وأغاني  “فيوليتا بارا” و “فيكتور خارا” تلهب الحماس وسط هذه الفئات و الطبقات الاجتماعية و تحفزها على اعتناق أحلام الثورة الشعبية و النضال من أجل تحقيقها على أرض الواقع، بل وجدت تلك الأحلام الثورية مجالها الخصب في التجسيد و التنفيذ مباشرة سنة 1970 بعد نجاح زعيم الوحدة الشعبية الاشتراكي، سالفادور أليندي، في الانتخابات الرئاسية، إذ  كانت تتطابق مع طموحاته الإيديولوجية و برامجه السياسية التي باشر في تطبيقها ضمن تصوره لما سمي بطريق التشيلي إلى الاشتراكية معتقدا أنه سينجز مهام الانتقال إلى الاشتراكية بآليات ديمقراطية و سلمية و بسرعة فائقة دون تقدير عقلاني لموازين القوة، و فعلا خلال ثلاث سنوات ظهرت الكثير من المنجزات في إصرار منه لبناء دولة شعبية باقتصاد مخطط له، حيث قام بتأميم المناجم و الأبناك و إصلاح هام للقطاع الزراعي لفائدة الفلاحين، و نفس الشيء انسحب على قطاعي الصحة و التعليم، غير أن رياح التغيير الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي بأفق اشتراكي التي جاء بها أليندي، سيصدها الجنرال أوغوستو بينوشيت بعد تلقيه أمرا من الرئيس الأميركي الأسبق، ريتشارد نيكسون، ليزيح أليندى من الرئاسة بواسطة انقلاب دموي كلفه حياته و حياة رفاقه اليساريين الذين تمت تصفيتهم بعمليات اغتيال موغلة في التوحش، منهيا بذلك كل المنجزات الثورية المتسرعة و بكل ما كان يقف وراءها من رمزيات كان الاعتزاز بها و اعتناقها قد بلغ حد التقديس، مثل ما حصل مع غيفارا الذي كانوا يشبهونه بالمسيح.

بعد نجاح انقلابه العسكري الدموي، بدأت مرحلة سياسية جديدة في التشيلي مطبوعة بالاستبداد و الديكتاتورية و الاغتيالات لتصفية نشطاء اليسار الشعبي، و لم تنته إلا سنة 1989 بعد أن أزيح بينوشي من رئاسة الحكم في أعقاب استفتاء جرى العام الذي سبقه باقتراح منه، و هي السنة التي انطلق فيها نظام سياسي جديد سمي بالديمقراطي تناوب فيه على سدة الحكم رؤساء من اليمين و اليسار. و الغريب في هذا التحول المشوه، أن النظام الديمقراطي، كما تم اعتماده، لم يكن بديلا حقيقيا يسمح بالقطعية مع نظام بينوشي الديكتاتوري، إنه كان امتدادا له طالما أن النظام الديمقراطي، و الذي كان يرى فيه العالم نموذج يحتدى به، يرتكز على جوهر و طبيعة النظام الديكتاتوري و المتمثل في الإبقاء على ذات القوانين التي شرع لها بينوشي بما فيها الدستور و التي ظلت سارية التنفيذ منذ أربعة عقود و نصف إلى يومنا هذا، و تداولت على تنفيذه بنفس الدرجة حكومات اليمين و حكومات اليسار، و هو الآن، موضوع نزاع حيث يطالب الحراك الشعبي من الحكومة إسقاط دستور بينوشي و اعتماد مجلس تأسيسي لكتابة دستور ديمقراطي جديد ينهي مع النظام الديمقراطي المشوه، ليكون مفتاحا لنظام ديمقراطي بديل و فعلي كما حدث في إسبانيا.

لكن الفضل في إثارة الإشكالية الدستورية يعود إلى الحراك الشعبي المنتفض الذي أدرك أن بينوشي كان يحكم على أساسها انطلاقا من قبره، كما أدرك، بشكل متأخر، تواطؤ أحزاب اليسار في المشاركة في الانتخابات و الحكم وفق دستور بينوشي، لذلك كان مفهوما أن يكون الحراك الشعبي المتمرد ساخطا في شعاراته على نظام الحكم اليميني و على اليسار، الذي تعرض مناضلوه و أطره و قياديوه في كثير من المدن التشيلية إلى الطرد و التجريح و الانتقاد اللاذع، بل إن أعلام أحزاب اليسار يتم حرقها باستمرار. و هذا السخط سيحرم اليسار من المشاركة في الحراك الشعبي و سيجعل من رموزه القديمة مثل سالفادور أليندي و الشاعر بابلو نيرودا و فيكتور خارا… في صورة باهتة و حضور ضعيف جدا قياسا برمز آخر سيغير من معادلة النضال بواسطة الرمزيات الثورية، و يتعلق الأمر بكلب زنجي و ليس بإنسان، حيث لأول مرة في التاريخ ستظهر أسطورة كلب باعتباره البطل الحقيقي للحراك الثوري و محركه المباشر، و لا أتحدث هنا عن سوريالية بقدر ما أتحدث عن قصة واقعية. فمن يكون إذن هذا الكلب الثوري؟ و ما هي قصته حتى غدا بطلا ثوريا تتغذى من رمزيته، حتى اللحظة، كل مظاهرات الحراك الشعبي في التشيلي؟

الكلب المعني يسمونه التشيليون بالزنجي قاتل البوليس (نيغرو ماطاباكوس)، لم يكن حاضرا في الحراك الشعبي الذي اندلع في العاصمة سانتياغو أواسط أكتوبر الماضي جراء الزيادة الطفيفة في ثمن قطارات ميترو الأنفاق، لأنه توفي عام 2017 بسبب المرض و تقدمه في السن، غير أن رمزيته هي التي ستكون حاضرة منذ انطلاق الحراك، و ستسمح بتأجيجه و استمراره و امتداده و توسعه في كل المدن. إذ ما أن أعلن الرئيس سيباستيان بينييرا حالة الطوارئ و إقحام الجيش لقمع الحراك الذي أطلقه الطلاب، حتى تذكر هؤلاء الطلاب الكلب المذكور، لأنه كان رفيقهم  خلال عقد من النضال انطلق عام 2009 الذي كانت تخوضه الحركة الطلابية من أجل إصلاح التعليم و فرض مجانيته و تحسين نوعيته، إذ كان يلاحظ الطلاب، في كل مظاهرة تكون فيها المواجهة شرسة بينهم و بين رجال الشرطة، مشاركة الكلاب الضالة من تلقاء ذاتها لحمايتهم من البطش و القمع البوليسي، لكنه منذ البداية فاجأهم كلب زنجي استثنائي بمقاومته المتفردة التي تميزه عن باقي الكلاب الضالة، و سيكتشف الطلبة أنه لم يكن في الأصل كلبا ضالا، كما اعتقدوا في البداية، بل كان يعيش مع صاحبته، السيدة ماريا، و هي عاملة في الجامعة، تقوم بالاعتناء به كما لو كان طفلها، حيث تعمل على إطعامه و غسله و تضع رهن إشارته سريرا للنوم، و في صباح كل يوم يخرج باكرا بعد تناول فطوره، للبحث عن الطلبة، فما أن يراهم حتى يأخذ مكانه في مقدمة مظاهراتهم بعد أن يتسلل وسط أقدام مئات الآلاف من المتظاهرين الذي يضعون منديلا أحمر على عنقه، و عندما تتقدم المظاهرات في اتجاه القصر الرئاسي يكون في حالة يقظة ثورية، يراقب جيدا أية حركة معادية لاستهداف الطلبة لكي يقوم بردعها بكل ما يملك من قوة، فكم من شرطي تعرض لعضاته، و كم من شرطي نزفت جراحه بفضل تدخلاته في الوقت المناسب، و لذلك كان موضوع كراهية السلطات له و التي استهدفته قواتها ثلاث مرات، كادت إحداها أن تزهق روحه بعد هجوم رجال الشرطة عليه بواسطة السيارة، لكن الأطباء البيطريين، و بمساعدة الطلبة، أنقدوا حياته، و عاد مجددا بعد الشفاء إلى ساحة المقاومة الطلابية المدنية، و هو لا يعرف التعب، إذ لاحظ  الطلبة  أن الكلب الزنجي (قاتل رجال الشرطة) حنون و خدوم و هادئ و يتمتع بسرعة البديهة على مستوى الحركة و النظرة الثاقبة، فيما يظل ملتصقا يوميا بالطلاب ضحايا السياسات الاجتماعية و لا يتخلف نهائيا عن موعده اليومي للمشاركة في مظاهراتهم العارمة، و بقي على هذه الحال وفيا و منضبطا في واجبه النضالي لخدمة الحركة الطلابية و قضيتها المركزية في إصلاح منظومة التعليم بأطواره الثلاثة، ففي كل يوم يغادر صاحبته باكرا بمجرد أن يفطر و لن يعود سوى ليلا في حالة تعب بعد مشاركته طيلة النهار في المعارك الطلابية الشرسة.

في عام 2013، و بإلحاح من رفاقه الطلبة، تم إنجاز فيلم وثائقي حول الكلب الزنجي تحت عنوان “قاتل رجال الشرطة” من إنتاج جماعي للمخرجين فيكتور راميرز، كارولينا غارسيا ناياريث، فرانسيسكو ميلان و سيرجييو ميدل، و حاز الفيلم على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان سانطو طوماس بمدينة فينيا ديلمار.

و بعد اندلاع الحراك الاجتماعي الأخير، استعاد الطلبة صورة الكلب الزنجي بعد أن وافته المنية قبل سنتين، و تذكروا أكبر معاركه المكثفة إلى جانبهم عام 2011، في الولاية الأولى للرئيس الحالي، بينييرا، عندما سطع نجمه كأيقونة نضالية خطفت لب الطلبة و الأوساط الجامعية و سكنت مشاعرهم و أطلقت سيلا عارما من التعاطف، و ستصبح مالكته السيدة ماريا صديقة للطلبة و مثالا يحتدى به في مجال التربية كما أنها ستصبح امرأة عمومية مثل كلبها الثائر.

و هذا الكلب الزنجي الذي كانت شهرته محصورة في نطاق الأوساط الطلابية والجامعية،  سرعان ما اكتسب شهرة واسعة لدى الشعب التشيلي بعد أن عرف الطلبة كيف يوظفون رمزيته التي غذت الحراك الشعبي و باتت شعلته المضيئة التي استحال على قوات النظام إطفاءها أو النيل من لهيبها الحارق و المؤجج لغضب الحراك على الصعيد الوطني.

و بما أن الطلبة كانوا هم العمود الفقري في تركيبة الحراك الشعبي في التشيلي، قاموا بتوظيف ذكي لرمزية الكلب الزنجي الثائر حيث صنعوا تمثالا له بواسطة الورق و البلاستيك، كانوا يرفعونه في كبرى مظاهرات الحراك، و بمختلف المدن، قاموا باستخدام نفس التقنية لإحياء رمزيته لعلها تسمح بتحريك مشاعر الشيليين المنتفضين على النظام النيوليبرالي و تمثل مقاومة ذلك الحيوان الأليف، و فعلا، ستنجح الفكرة بمجرد أن بدأ التشيليون يرون الكلب الزنجي مجسدا أمامهم على شكل تمثال، و سيأخذ الأمر أبعادا لا يمكن تصورها على مستوى التأثير إذ استطاعت رمزية الكلب الزنجي كسر احتكار الطابع الرمزي النضالي و استقطاب الملايين من التشيليين للمشاركة في المظاهرات بكافة المدن و البلدات. بعد الانتهاء من استعراض تمثال “ماطا باكوس” في البداية، قام الطلبة بوضعه داخل حديقة شارع “بروفيدانسيا” قريبا من ساحة إيطاليا، غير أن عناصر من اليمين المتطرف، التي تتقاسم مع النظام سياساته الطبقية المجحفة، أحرقت التمثال، ما جعل التشيليون يزدادون غضبا، و قام الطلبة بصناعة تمثال آخر فيما المدن الأخرى حدت حدوها ، و مع مر، الأيام، بدأت المظاهرات تأخذ أشكالا محورها و مؤثرها الأساسي الكلب الزنجي، و بدأ الشباب المتظاهرون يلبسون قمصانا فيها صور نفس الكلب، و اللافتات تحمل نفس الصورة، و عمل فنانون تشكيليون على رسمها في لوحاتهم و جدارياتهم على الصعيد الوطني، و ترتب عن ذلك نشاط تجاري هائل يستخدم صورة الكلب الثائر في صناعات الملابس و الصناعة التقليدية، و من بين ما توقفنا عليه من المنتوجات الصناعية الحاملة لصور الكلب الزنجي الثائر، روابط العنق، القمصان، علاقات المفاتيح، الأوشحة المربوطة بالعنق، اللوحات التشكيلية، تماثيل صغيرة و صناعة القلل أو القلان (مفرد القلة).

هذه هي القصة التي نسجها الكلب الزنجي الثائر، “قاتل رجال الشرطة”، على نفسه بفضل حركيته النضالية إلى جانب رفاقه الطلبة و جعلته أسطورة وسط الشعب و نجما سينمائيا و أيقونة ترمز للمقاومة المدنية تعكسها مختلف وسائل الإعلام ببلدان أميركا اللاتينية و كندا و الولايات المتحدة، و ملاك للشارع حسب تعبير صحيفة “كلارين” الأرجنتينية. والرئيس الحالي، سيباستيان بينييرا، كان الكلب الزنجي يرعبه عندما كان على قيد الحياة في ولايته الأولى، و الآن، في ولايته الثانية، ترعبه رمزيته أكثر و هو في عداد الموتى لأنه يدرك خطورتها على نظامه السياسي بعد أن أججت الحراك الشعبي بقوة مثلما خدم نضال الحركة الطلابية و هو حي. لقد قيل أن الكلب وفي للإنسان، و مع الكلب الزنجي اكتشف الإنسان في التشيلي أن هذا الحيوان أصبح يجمع بين الوفاء والثورية في زمن قلت فيه القيم الثورية داخل المجتمع الإنساني.