صحافة البحث

حمادي كيروم يكتب: حكيم بلعباس والعقيدة السينمائية.

- الإعلانات -

كنت عضوا في لجنة الدعم، التي عينتها وزارة الاتصال، لدعم الصناعة السينمائية في المغرب في بداية التسعينيات. وكانت اللجنة تناقش فيلما لمخرج شاب، درس السينما بالولايات المتحدة الأمريكية. دار النقاش حول نوعية هذا الفيلم، واتفق أغلب المتدخلين، على أن  هذا الشريط، عبارة عن مقاطع مصورة، لا رابط بينها، فهناك صور لطفل يطوف وسط الأبواب المقوسة، ونار مشتعلة في أفران الجير، ورجل ينام في قبر. وكنت آخر من تدخل قبل أن يحسم رئيس الجلسة في حق هذا الفيلم.

بدأت مداخلتي بسؤال عن المقياس الذي اعتمدته اللجنة للحكم  على الفيلم. فوجدت أنه مقياس الحدوثة القصصية، الذي لا يتماشى مع هذا العمل المختلف. تنحنح الجميع في أماكنهم. تابعت لأفسر لهم أن الفيلم  ينتمي إلى السينما الشعرية، وإلى الكتابة الشذرية، ولا علاقة له بالسرد السينمائي التقليدي. إن هذا الفيلم  شبيه بشعر الهايكو اليباني الذي يتدفق ببساطة الحياة ،وبدقة الملاحظة ،ورقة الإحساس، ونبل الخيال ،وغنى المخيلة . فقرأت عليهم ما يلي:

          الغدير القديم
         ينط الضفضع
         صوت الماء

هذه الأبيات تقبض على تفاصيل صغيرة، لكنها تضم الكون والديمومة والفعل اللا ينتهي.

كما أن الطفل الذي يجري في الحواري الضيقة. والأقواس ذات المعمار العريق، والرجل الذي يقيس قبره، والنار المشتعلة، وقودها الحجارة، والأواني الطينية، والريح التي ترقص اللهيب. هي ذي عناصر الحياة ،التي يزرعها حكيم بلعباس في مشتل إبداعه والتي ستشكل “عوده الأبدي”، بالمفهوم النيتشي، ليخلق منها مصائر وأقدار، يحكي بها تاريخه الخاص، وتاريخ إنسانيتنا من “المهد إلى اللحد”، كما يقال.

 إن الفيلم الذي بين أيديكم، يتطلب  منكم تغيير النظر، لكي يحل محله البصر، الذي هو نافذة البصيرة، فانظروا وأبصروا لعلكم تفلحون.

هكذا جاء حكيم بلعباس إلى السينما المغربية، ووجدها غارقة في استجداء الحكاية، والبحث عن الحلول لبعض المشاكل الاجتماعية وتلبيسها بلعب الممثلين والممثلات، وخلق وضعيات درامية شبيهة بالميلودراما التلفزيونية، مع بعض الاستثناءات القليلة.

لقد استطاع حكيم بلعباس، من خلال منجزه السينمائي، ومع قلة من السينمائيين المغاربة، أن ينتقل بالسينما في المغرب، من منظومة السينما الكلاسيكية، التي تعتمد مفهوم “الصورة-الحركة” ،إلى منظور السينما الحديثة، التي تعتمد مفهوم “الصورة-الزمن“. وقد استطاعت أفلامه أن تحرر بكتابتها الشعرية، الصورة السينمائية، من جمودها المرجعي ومن سيطرة النمطية الكليشية، التي تسجن الفيلم العربي بشكل عام. إن الحكاية عند بلعباس، ليست سوى ذريعة، من أجل حفر المرئي وفسخ مقروئيته، قصد بناء أو إعادة بناء، اللامرئي الكامن في التفاعل بين المعرفة المرجعية-الواقعية، والرؤية البصرية السينمائية، المولدة لماء المعنى.

استطاع حكيم بلعباس بأفلامه: “همسات”، و”عش في الحر”، و”خيط الروح “،و”علاش البحر”، و “حرفة بوك”، و”هذه الأيادي”، و”وجوه “، و”أحلام حارقة “، و”أشلاء”، و”محاولة فاشلة لتعريف الحب “، أن ينتقل بالكتابة السينمائية في المغرب، من مستوى تنظيم” الصورة –الأشياء “،إلى تنظيم وتشخيص” الصورة – المفاهيم والوجدان”، التي تدل وتعني لذاتها وبذاتها .

إنه المخرج المجدد الذي حاول أن يدمج الإشكالية الإنسانية الخاصة مع التاريخ الاجتماعي الذي يحدد حياة الشخصيات. ولتعميق هذه المسالة، اجتهد بلعباس في البحث عن امكانيات فنية جديدة، للاستحواذ على المتفرج، عن طرق جديدة للاستعراض البصري، وتحطيم الحاجز الذهني، بين الجمهور والفيلم، من خلال جنس الفيلم الوثائقي- التخييلي، أو التخييلي -الوثائقي، إنها محاولة جديدة للانتقال من السينما الاجتماعية ،التي تعتمد المشكل والحل ، والتي ينتجها أغلب المخرجين المغاربة، إلى السينما الإشكالية، التي تطرح أسئلة جذرية و شجاعة، حول وجود الإنسان ووضعيته في عالمنا المعاصر، وتبحث عن أجوبة غير يقينية، تربط الحالة الإنسانية الخاصة بالتاريخ الاجتماعي.

إن الإخراج السينمائي عند حكيم بلعباس ليس لغة أووسيلة  أو طريقة، ولكنه مفهوم وتصور، مبني على “العقيدة السينمائية “، التي تؤطر الرؤيا للعالم لدى بلعباس.

إن المشروع السينمائي لحكيم بلعباس يتأسس على إرادة فنية وإبداعية مبنية على ما يسميه المنظر كادينسكي “مبدأ الضرورة الداخلية” الذي يعتمد على ثلاث مبادئ متداخلة ومتفاعلة هي:

  • الفن تعبير عن ذاتية الفنان
  • الفن تعبير عن خصوصية عصره
  • الفن تعبير عن كل مايأتي من الفنون الأخرى والشعوب الأخرى

نستنتج من كل هذا أن السينما عند حكيم بلعباس هي بحث مستمر وكشف عن المعنى البصري. كما أن الكتابة لديه، هي تحويل أسلوبي للأشياء، حيث تفقد هذه الأشياء مرجعيتها الأيقونية، لتسكنها الاستـتيقا كفعل أنطولوجي تكويني، وبهذا يتحقق الجوهر الشعري للصورة و للسينما، التي تحدث صدمة في الفكر وفي الوجدان، وتؤدي إلى اهتزازات في قشرة الدماغ وفي الأحاسيس.

إن أفلام حكيم بلعباس تبني الذكاء الوجداني عند المشاهد وترعاه، وترحل به من الممتع إلى الجميل ومن الجميل إلى النبيل وهي تبحث عن الحقيقة، لتصل به إلى مرحلة الهارمونيا الإنسانية، أي إلى المطلق الوجودي.

بهذا الفعل الفني المستمر. يدخل حكيم بلعباس في رواق الحكائيين الكبار، الذين يردون السينما إلى مهمتها الكبرى .لأنه ينحت في الإناء البصري شهد الحكاية وشهد الكلام، لكي تظل  ظلال الصور تعرض في الذاكرة المحكية والبصرية، بلور الزمن للبحث عن الصورة المشتهاة، التي تخلق الرغبة المستجدة في الحياة.