عبد الله حمودي يقرأ ثقافة السلطة في علاقة الشيخ والمريد

عبد الله حمودي من الأنثروبولوجيين الوازنين بالمغرب. يجد السوسيولوجيون أنفسهم مضطرين إلى متابعة أعماله الميدانية والتحليلية. لقد انخرط منذ عقود، مثله في ذلك مثل بول باسكون والخطيبي، في زعزعة المقولات الانقسامية، وإعادة التفكير وتحليل طبيعة التراتبات الاجتماعية في المغرب. وبالموازاة مع ذلك حفر في حقل الولاية والصلاح بمقالات معمقة (الولاية والسلطة والمجتمع: تامغراوت في القرن السابع والثامن عشر. ومظاهر من الحركية الشعبية القروية من خلال بيوغرافيا مهدي متوفى سنة 1919م…). بدأت ملامح مشروعه واستراتيجيته العلمية تتضح أكثر منذ نشر بحثه الميداني: « الضحية وأقنعتها »، والذي سيشكل أحد مرتكزات العبور نحو رسم ملامح أطروحته حول النسق السياسي المغربي، والتي سينشرها في كتابه: « الشيخ المريد، النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة ». 

يتقاطع عبد الله حمودي في كتابيه « الضحية وأقنعتها » و « موسم بمكة » مع كليفورد كيرتز، سواء على مستوى الاختيار المنهجي أو على مستوى رفع الحدود بين الأنثروبولوجي والكاتب. (لنا عودة للموضوع والكتابين في الحلقة المقبلة). لكن في مؤلف « الشيخ والمريد » يبسط أطروحته الأساسية والمنبنية على فرضية كبرى موجهة مفادها، حسب حمودي، تسرب خطاطة ثقافية من مجال الولاية الصوفية إلى المجال السياسي. هاته الخطاطة استندت عليها علاقة السلطة واستمدت منها ديناميتها هي علاقة الشيخ بالمريد، والتي أصبحت العلاقة النموذجية لعلاقات السلطة الأخرى. 

يتوجه عبد الله حمودي نحو المجال الصوفي ومجال الولاية ليجيب عن الكيفية التي تتشكل بها سلطة ولي الله ثم حول بنية هاته السلطة. ولبيان ذلك سيعتمد سيرة الحاج علي الدرقاوي مؤسس زاوية إليغ المأخوذة عما كتبه ابنخ المختار السوسي، ليستنتج من ذلك كله أهم السمات المميزة للشيخ ولسلطته. تتمثل هاته السمات حسب حمودي في ثلاث: 

  • الهمة والمقصود بها الحماس الرجولي والقوة التوالدية التي لا تعرف يأسا أو قنوطا ولا يعتريها فتور. 
  • الهيبة وتعني الخشية والهول الملفوفين بنبرة دينية توحي بأحاسيس خارقة. 
  • العزيمة وتعني إرادة القرار وسلطته اللتين لا تردان. 

حينما تجتمع هاته الثلاثية في شخصية واحدة فإن الناس يعتقدون أن في الأمر سحرا، مثلما يرون في هذا الشخص كائنا يتمتع بحظوة إلهية تعرض الجاحد والمتمرد إلى الإفلاس في ممتلكاته وآماله في الخلاص. يحلل حمودي الكيفية التي يتشكل بهاته السمات الثلاث في العلاقة بين الشيخ ومريده، وحينما ينتهي من ذلك يعبر لتفسير كيفية تسربها إلى المجال السياسي. يقول حمودي إن التفاعل بين الشيخ والمريد والمبدأ الذي يؤسس هذا التفاعل مازال يميزان الفعل السياسي بالمغرب إلى حدود الآن. في هذا السياق سمات النظام السياسي المغربي ويحددها في: 

  • احتكار القرار السياسي وممارسة التحكيم وإنجاز ذلك يتم بالتهديد والعنف الحاضر دوما وكذلك المناورة بالوسائل الاقتصادية. 
  • في مركز هذا النظام يوجد زعيم يحيط به مقربون ومريدون لا يعرفون سبيلا للنجاح سوى عبر الاستئذان. وفي مركز المركز يوجد وجه الملك ذي القطبين: وجه القداسة ووجه العنف. إنه وجه الزعامة والمشيخة الذي يستمد قوته من النموذج الذي يشكل الارتباط بين الشيخ والمريد في التلقين الصوفي مثاله المقدس. يسند عبد الله حمودي ذلك ببيان المبادئ المحددة للعلاقة بين الأمير ومريديه أو خدامه، حيث يعتبر أنها تنبني على أعمدة ثلاثة، تتمثل في التقرب والخدمة والهبة. 

يشتغل الأمير إذن إضافة إلى وضع الزعيم أو القائد السياسي وضع القطب (الشيخ) والأب. إنه مركز القرب الذي يشكل دائرته الخدام. وهو موزع النعم والهبات حسب درجات الخدمة والقرب. وبسبب ذلك يرسخ علاقات الشيخ بمريديه داخل المجال السياسي مثلما يوظف مقوماتها الأساسية من خدمة وتقرب وخضوع وأيوة وقطبية. أما المرشح لمنصب السلطة فإن يشغل وضعية المريد أمام شيخه. إنه ملزم بالخضوع التام لمن يشغل كرسي السيادة. خضوع يتحلى في خفض الرأس وخدمة الأمير والتخلي في حضوره عن إظهار أي تصرف سلطوي أو إظهار رجولة مفرطة. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.