عبد الله حمودي أنثروبولوجي القبيلة

في أحد حواراته اعتبر كلود ليفي ستراوس أن الباحث لا يمكنه أن يكون أنثروبولوجي قبيلته، وعكس ذلك سيخوض الأنثروبولوجي المغربي عيد الله حمودي تجربة الاشتغال على مجتمع هو وليد ثقافته. في بحثه: الضحية وأقنعتها سيقصد إيمين تاسانت الأمازيغية لرصد ومعايشة أحد الاحتفالات السنوية التي تقام في القرية بالتزامن مع شعيرة عيد الأضحى. ففي صبيحة العيد يضحي أهل القرية مثلهم في ذلك مثل مسلمي العالم، وفي الزوال ينطلق حفل التقنع « بيلماون » ليغطي مساحة أيام ويقلب معها جميع القواعد والقيم المعتادة. يعتبر بيلماون الشخصية الأساسية للحفل التنكرين، إنه الحيوان المغلف بجلد الأضحية والمعلن بشكل كاريكاتوري للأعضاء الجنسية. إلى جانبه يحضر أربعة يهود بينهم حبر واحد ويشكلون حراس بيلماون أثناء تجواله في دروب القرية واقتحامه لبيوتها المحتضنة للنساء فقط. يعتبر حمودي أن من بين مهمات الكتاب إظهار وإعلان عمق هاتين الظاهرتين المتناقضتين في المظهر: طقس بيلماون وشعيرة العيد. منهجيا ينتقد الباحث الأطروحات الكلونيالية متمثلة في مولييراس ودوتي وويسترمارك ويفضل عوضها استلهام منهجية كيرتز الفينومينولوجية والرمزية. إنه البحث في الكيفيات التي يعبر بها المجتمع عن ذاته الثقافية والوجدانية والاجتماعية.. كيف تضمن الجماعة إعادة انتاج النسب مع الإبقاء على النظام الأبوي؟ كيف تتعايش الأضحية عند الرجل مع الهبة عند المرأة؟ كيف يكون الفرد نفسه والآخر معا؟ كيف يستخدم التقويم الشمسي والقمري في الآن ذاته؟ كيف يحترم الإسلام مع ضمان حماية المعتقدات المحلية؟ إنها الأسئلة الكبرى للبحث والذي فصله عبد الله حمودي على طول المفاصل الأربعة الكبرى لمؤلفه. يصف الكتاب طقس بيلماون بدءا من لحظة الإعداد له في الكواليس، ومرورا بلحظة الطواف والتجوال في القرية ومنازلها، ووصولا إلى إعادة ربط الطقس بمجمله بحياة القرية وأحداثها الماضية وسنتها الفلاحية، ليصل إلى تفسير التلاحم التناقضي بين شعيرة العيد الذكورية وطقس بيلماون المغمور بالعلامات والرموز الأنثوية. إنه خطاب يكونه المجتمع عن نفسه وبنفسه وبفضله يتمثل واقعه كما يرغب هو في استخدامه. 

يعتبر كتاب الأضحية وأقنعتها الحجر الأساس في مسار عبد الله حمودي, فاعتماده حاضر بقوة في كتابي « الشيخ والمريد » و« موسم بمكة ». 

إنه البحث الذي سيرسي فيه الباحث أطروحته حول الأضحية والتضحية بوصفها قتلا وإماتة للضحية وليس تزكية ونحرا طقوسيا. فعلى عكس إميل دوركهايم الذي يعتبر أن نحر الأضحية لا يكون لأجل النحر في حد ذاته بل لأجل إخراج المبادئ الحية من طبيعتها العضوية ومنحها وضعا قداسيا وذلك عبر وهبها للآلهة، وعلى عكس جورج باطاي الذي يؤكد على أن التضحية ليست فعل قتل بل هي هبة أو عطاء أو تنازل. مثلما أن مبدأ التدمير الذي تنبني عليه كل تضحية، يستهدف ما هو طبيعي فيها. إنه يدمرها لأجل أن ينتزعها من عالم المنفعة الإنتاجية ويدخلها في عالم القداسة، أو يخرجها من الاستهلاك المعقلن إلى مجال الهدر القدسي الذي لا مصلحة مباشرة ومادية له. إنه الموت الأضحوي يحل، حسب باطاي، بعملية القلب تلك، التعارض الصعب بين الحياة والموت. عكس هاته الأطروحة يمثل عبد الله حمودي التضحية بالقتل ويفسر من خلالها أشكال العنف في المجتمعات العربية الإسلامية. 

في موسم بمكة، يصف عبد الله حمودي بأسلوب الكاتب تجربة الحج من بدايات الاستعداد الإداري والشعائري بالمغرب إلى لحظات السفر والوصول ومن ثم لحظات الإحرام والرجم ومنى وعرفات وأخيرا لحظة نحر الأضحية، والتي يستعيد فيها أطروحة بحثه السالف الذكر. يقول حمودي عن تجربته البحثية الأخيرة: لقد قادني الحج إلى مفترق طرق مغاير. فبينما كنت أظن أنني سأقوده إلى عالم الأنثروبولوجي فقد تلقيته كحدث غير متوقع سيطبع حياتي… ونتيجة لذلك سيعتبر الباحث أن الحصيلة التدوينية لتجربته الميدانية لن تكون في النهاية غير حكاية سيجمع ضمنها بين دور السارد ودور البطل. 

وبالفعل، فإلى جانب الأهمية الأنثروبولوجية للكتاب وللتجربة، يصادف القارئ بعض اندهاشات وأحكام الباحث والتي لا مبرر علمي وثقافي لها، وخصوصا إذا ما وضعنا بعين اعتبار أن الباحث والمبحوث يتقسمان نفس الثقافة. في صفحات كثيرة من « موسم بمكة » يشغل حمودي سخرية في الوصف لا مبرر لوجودها سوى عند الباحث البراني، مثل وصف ازدحام وتسابق الحجاج إلى رمي حجارة الرجم بالتسابق المتوحش وتشبيه حجز حيوانات الأضحية بمخيمات الحجز والاعتقال… إنها اللغة التي تذكرنا بتاريخ الأنثروبولوجيا البعيد وتجعلنا أمام السؤال: هل يمكن فعلا للمرء الباحث أن يكون أنثروبولوجي قبيلته؟ 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.