[حوار].. يوسف الصديق يتحدث عن مراجعة المعروف والمنكر، العلاقة مع النص الديني والحريات في الإسلام.

- الإعلانات -

في هذا الحوار الذي أنجز في إطار الشراكة بين موقع µ والمرصد المغاربي للحريات يتحدث المفكر والفيلسوف التونسي يوسف الصديق عن مساره الخاص، ويدلي برأيه في مجموعة من القضايا الحالية: قراءة النص الديني في سياق عصرنا الحالي، رأيه في تقرير المساواة والحريات الفردية الذي أنجز بتونس بمبادرة رئاسية والذي أوصى بإلغاء القوانين السالبة للحرية، وكذلك يتحدث عن سبيل الخروج من ثقل التراث وتحوير المعروف والمنكر من خلال قراءة حديثة. 

حاوره: محمد سموني

  • في البداية هل لك أن تعرف نفسك، وذلك لمن لا يعرف من يكون يوسف الصديق؟ 

أنا من مواليد الجنوب الغربي في تونس، منطقة الواحات، تسمى (الجاليت) التابعة لولاية توزر، والتي تعتبر المدينة الأكبر والأهم في المنطقة. من مواليد 1943 انتقلنا مع الوالد إلى تونس العاصمة وأنا رضيع، أبي كان صاحب مكتبة بجانب جامع الزيتونة، وكنت أعيش بين المدرسة الابتدائية والثانوية ومكتبة والدي، التي كنت كأني أعيش فيها. أطالع الكتب المتواجدة فيها التي تأتينا من مصر والمغرب ومن كل مكان، وأيضا كنت أتشرف بلقاء شخصيات كنت فقط أقرأ عنها في الكتب، فمثلا من المغرب جاء عندنا إلى المكتبة الأمير عبد الكريم الخطابي، وأيضا جاء إلى مكتبتنا في ذلك الوقت، مصريون كبار وكانت تدور أحاديث ومواضيع كثيرة… 

أتممت دراستي الثانوية في المدرسة الصادقية، ثم التحقت بالجامعة التونسية وبعدها انتقلت إلى جامعة السوربون بفرنسا لدراسة الفلسفة. درّست في تونس لفترة طويلة الفلسفة في الثانويات التوجيهية، توجهت سنة 1988 إلى فرنسا لأدرس بباريس الثالثة “السوربون الجديدة” الفلسفة والفكر الإسلامي إلى أن تقاعدت وعدت إلى تونس مع حراك 2011. 

  • مازال نقاش الحريات في مختلف الدول العربية والإسلامية يحدث شرخا بين العلمانيين والإسلاميين، هل مطلب الحريات في رأيك معارض للإسلام ؟ 

هذا هو المشكل الكبير الذي لم نحله، المسيحية في أوروبا وحتى الديانات الأخرى الكونفوشية والبودية وحتى الديانات التي تسمى بالوثنية في إفريقيا بدأت تفكر بهذا المشكل، إلا أن الإسلام بشقيه الكبيرين، السني والشيعي، مازال مُحاصرا ضد التفكير من جديد فيما تركه التراث منذ القرن العاشر.

نحن الآن متجمدين فيما تركه هذا التراث منذ القرن العاشر، ويتحكم في الفكر الإسلامي أصحاب مذاهب كانوا هم أنفسهم في صراع. فما معنى أن يتحكم في المغرب العربي مالك بن أنس الذي كان عنده مشاكل حسب أصحاب المذاهب الأخرى، أبو حنبل وأبي حنيفة وأيضا الشافعي الذين كانوا ينتقدونه على أشياء كثيرة..

فعلى سبيل المثال، نحن الآن فيما يهم الاقتراب من الخمر لا نؤمن بما قاله القرآن وهو متميز جدا بأن يأمر بمسألة أخلاقية وهي أن لا يصل الإنسان إلى العدواة والبغضاء فقط: “إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (91)” ثم يقول أنه في منافع وكذا..

لكن المساحة كاملة يحكم فيها مالك بن أنس، بحيث كلما سألت تونسي أو مغربي أو جزائري أو موريتاني وكذلك ليبي أو حتى مصري يقول لك: ذاك الإنسان عفن وأنا أقول فيه ما لم يقله مالك في الخمر.. الذي قال ما أسكر كثيره فقليله حرام.. الله لم يقل هذا، بل قال: يجب أن يكون الإنسان متخلق، والخمر ربّما يُفسد الأخلاق ويفسد العلاقات بين الناس.

وهذا المنهج أصبح مكرس في مسائل أخرى، فمثلا في الزنى لا يمكن أن يخترق الواقف على الأخلاق حميمية الناس واشترط القرآن أن يكون شهودا أربعة مع أن كل العلاقات الأخرى بين الناس تستوجب شاهدين اثنين، في التجارة، في علاقات الزواج، إلخ… إلا في هذه قالوا أربعة.. فالحميمية محصنة تماما، فكل هذا ألغيناه.

المسيحية التي تعتبر دينا مغلقا، وصلت إلى أشياء في مسألة انتهاك الحريات لا يتصورها العقل، كحرق الفلاسفة في الشارع، لكن من بعد ذلك فكرت بأن المسألة الدينية يجب أن تحيّد من المسألة الاجتماعية أو ما يسمى بالعلمانية، وهذا قبلته الكنيسة. أما نحن مازال لنا أشواط في هذا الباب وربما قرون بل العكس نتراجع في أحكام قبضة المسألة الجماعية على المسألة الفردية وهذا منبع كل الشرور. 

  • في سياق ما تقوله أتذكر تصريحا سابقا لك تقول فيه بأن القرآن لم يجرّم المثلية الجنسية، أيمكنك أن تشرح أكثر هذا الأمر؟ 

طبعا، لأن القرآن ينص على عقاب بخصوص الأفعال التي يرى بأنها غير لائقة، أنا ليست لي جمعية لمناصرة المثلية الجنسية، ولا يهمني هذا الأمر في حياتي الشخصية، سُئلت هذا السؤال وقلت: أن هناك موقعين في القرآن في هذه القضية «… هؤلاء بناتي هن أطهر لكم.. » وما معنى الطهارة في وقت لوط؟. والثانية: « ا تتخذون الذكور شهوة دون النساء؟ »، بمعنى أن نصيحة أو تساؤل. فما يسمى بالذنوب أو الخطايا فكلما تذكر مقترنة إما بعقاب إلاهي: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ » [النور: 33] معنى ان هناك عقاب ديني أخروي، أو عقاب دنيوي مثل « الزاني والزانية » « والسارق والسرقة » و « من قتل نفسا بغير حق » أو ما يسمى بقضية القصاص. فهذه القضايا مقترنة بعقاب، أما قضية الحريات الفردية موقوفة على أن تنشر في الفضاء العام، وبالتالي إن أزعجت هذا الفضاء العام، هنا لم تعد مسألة عقاب يصدر من الدين وإنما يصدر من الفضاء العام الذي اعتبر نفسه محل ازعاج. مثل الحالات الأخرى: كأن تضرب ابنك أو أن تلبس لباسا مزعجا للفضاء العام. فهذا موكول للفضاء العام أما دينيا فليس هناك عقاب في هذا الأمر الذي يستنكره القرآن ويعتبره غير لائق « ا تتخذون الذكور شهوة دون النساء؟ » أو يعتبره مسألة صحة عامة «هن أطهر لكم»

  • في ارتباط مع موضوع الحريات الفردية، يبدو بأن لك موقفا معارضا للخلاصات التي خرج بها تقرير لجنة المساواة والحريات الفردية التي عينت في عهد الرئيس الراحل الباجي القايد السبسي بتونس؟ 

أنا طبعا من أجل التكاثف مع زملائي الموجودين في هذه اللجنة، لم أصرح بأي شيء سابقا اعتراضا على هذه الوثيقة التي قرأتها باهتمام وأحترم كثيرا أولائك الذين اشتركوا في صياغتها كعبد المجيد الشرفي وبشرى بلحاج حميدة وقد نصحت أيضا بأعضاء يدرجن (نساء) ويدرجون في هذه الهيئة مثل توصية إقبال الغربي لتنضم للجنة، وهي أستاذة في كلية الشريعة وعلوم الدين، قادرة ومتقدمة فكريا.

أما أنا فعندي قراءة أخرى بهذا الشأن: أولا أن يتم نفي تدخل القرآن في المسألة التشريعية كمسألة قانونية وأن يتجه إلى مفهوم المعروف والمنكر. فهذا هو الذي تقوم عليه إمكانية التشريع الموكول تفصيلا للمجتمع، فأنا أقرأ القرآن على أنه يُلقّن روح الشرائع، كما يقول مونتيسكيو، وما يمكنه من ذلك هو مفهومي «المعروف والمنكر»، والذي مفهومه تعريفا هو ما كان معروفا أو منكرا قبل الإسلام والذي كرسه الإسلام. 

فقد كان تحويرا في بعض المعروف، كظاهرة “الرايات” حيث كانت المرأة تنتدب بعض الرجال تمارس معهم الجنس وبعد ذلك تقرر من أحبلها أو لا. وهو ما يوجد فيه حديثا طويلا في البخاري عن عائشة عن كيفية زواج الناس في ذلك الوقت، فهذا كان معروفا وحوّره التشريع بدون أن يكون موجودا في القرآن.

الزواج بأربع نساء كان أيضا معروفا وعاديا وحوّر في تونس بمنع تعدد الزواج دون أن يكون هناك لغط كبير على إبطال هذه الآية من سورة البقرة، فعشرات السنين والمجتمع التونسي قبل هذا العمل الذي مورس على النص القرآني بتفسير المشرع العلماني الذي هو الحبيب بورقيبة الذي طبق معروفا جديدا يُلغي المعروف القديم بتطبيق « ولن تعدلوا ». فتقرير هذه اللجنة أغفل أن يجيب على المعترضين وهم كثر، فبمجرد صدور هذا التقرير شكلت جمعيات من قبل وزراء قدامى وهاجموا هذا التقرير لأنه ينفي تماما أن القرآن تصدر عنه الشريعة. لذلك أستغرب كيف أن شخص مثل عبد المجيد الشرفي يغفل هذه القضية كزاوية هجوم على المعارضين لهذا التقرير. 

  • بغض النظر على ملاحظتك الجوهرية، هل تعتقد أن توصيات هذا التقرير بإلغاء تجريم القضايا المرتبطة بالحريات، قابل للتطبيق في السياق الحالي؟ 

أتصور أن عملية وشروط إصدار هذا القرار أخّرت أن يصدر هذا التشريع من جديد، فما استشفينا من الحملة الرئاسية السابقة التي كان يقول فيها جل المرشحين أن عملية تنفيذ تقرير المساواة والحريات الفردية عملية صعبة يجب تركهها للزمن، وحتى أن يتقبلها المجتمع إلخ… 

فلو تركت فرنسا مثلا الأمور أن تنضج لما أطاحت بالإعدام مثلا. ففي قضية الإعدام مثال آخر في مسألة المعروف والمنكر، فقد كنت قد قدمت ورقة بمعهد العلوم السياسية بحضور أركون وعياض بن عاشور أستاذ القانون التونسي وكان معنا أيضا أندري أزولاي، مستشار الملك المغربي، وقلت في هذه الوثيقة أن هناك مواد لإلغاء الإعدام في النص القرآني ففي الآيتين 178 و179 من سورة البقرة «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ »  وأعطانا الفرصة بأن يكون التخفيف مُعمّم بالدية وبإجراءات أخرى غير تنفيذ حكم الإعدام والناس لم يستغلو هذا التوجه القرآني. ففرنسا لو انتظرت أن يقبل جميع الناس لما ألغت حكم الإعدام وهناك مقاومة كبيرة داخل المجتمع لتوجه إلغاء حكم الإعدام، حتى إن سار استفتاء حول هذا الامر من جديد لما نجح مفهوم الإلغاء إلى حد الآن. 

لذلك فالمسألة تتطلب أن نتجاوز النص من النص، لأنه من غير المعقول بأن يلغى نصا يعيش عليه مجتمع من قديم الزمان بالطريقة التي جاءت في تقرير (المساواة والحريات الفردية) فحتى الثورة الفرنسية رجعت في وقت معين إلى احترام الكنيسة. فالعلماني عليه أن يحترم الموروث الديني بصدق وأن يتجاوزه من صلبه، لا بمعاداته. 

  • لكن هناك من ينادي أيضا، في مسألة ما أسميته بالمعروف والمنكر، بإعتماد أحكام وأعراف أخرى غير الإسلامية، فمثلا في الدول المغاربية هناك دعوة إلى إعادة الاعتبار إلى العرف الأمازيغي الذي كان أقصى عقوباته « أزواك »(النفي)، ولم توجد في منظمومة أحكامه عقوبة الإعدام ؟

دائما عندما أناقش هذا الموضوع، خصوصا في المغرب والجزائر حيث تتواجد الأمازيغية بكثافة أكثر من تونس، يصير مع بعض الأصدقاء أو حتى المشاركين معي بعض الأفكار احتدام. أنا بالنسبة لي قضية الأمازيغية قضية كبيرة بالنسبة للمغرب والجزائر ليست قضية أقليات بل هم شعب في هذين المغربيين. 

في هذا السياق أحب أن أعطي المثل بالحيثيون في سوريا، فيا أخي ذنب من أنهم انقرضوا، مع العلم أنهم في ذلك الوقت كانوا هم المقابل للأمريكيين اليوم، ومنهم نفرتيتي التي تعتبر حيثية من سوريا، والتي انقرضت لأسباب عدة سواء: اضطهاد، النفي، العبادة إلخ..

فأن تصبح الأمازيغية لغة رسمية، ليس في الأمر أي مشكل. لكن في رأيي لا يجب أن تبدأ من المؤسسات بشكل عمودي، بل يجب أن تبدأ من المدرسة والمقررات وأيضا من الإبداع. فأتفق معك أن الإبداع في هذه البلدان (المغاربية) بقي حكرا على الغازي العربي، وأنا أتفق على كلمة غزو بالمعنى اللائكي للكلمة، وهنا أذكر أن الكاتب صبحي منصور كتب كتابا يبين فقهيا أن الفتوحات كانت غزوا وكانت ظلم. لكن يجب أن نتذكر أن النية الأولى للخطاب الإسلامي هي فسخ وتجاوز المسألة الإثنية. فقد كان محمد، لو تعمقنا في الخطاب الديني -الإسلامي، يخير الإنسان على أن يصير عربيا وهو  أراميا أو سريانيا وكذا.. وأن يبقى على دينه الموحد: المسيحي أو اليهودي، أو أن يصبح مسلما وأن يبقى على إثنيته أو أن يجمع بين الكل. 

فهذا ما نراه في القبايل الجزائرية، حيث نجد أناسا متشبثون كثيرا في الدين وأيضا في الإثنية، فقد جاء ما يسمى بالفاتحين العرب وخيروا هؤلاء بما كنت اذكره، فسألوا قبل كل الشيء الغازي الأول (الرومان) من يكون هؤلاء؟ وهو من أخبرهم بكلمة بربر التي بقيت في كناشات العرب. ولما استقر الفاتح الإسلامي خيرهم من أن يصيروا عربا، ومنهم من صار كذلك فمثلا تجد إنسان من البليدة شكله يحيل على أنه أمازيغي وإسمه القريشي، لأنه بالموالاة اشترى موالالته للعروبة، فأنا عائلتي اسمها الصديق لكني متأكد أننا اشترينا مولاتنا للعروبة حتى نربح امتيازات ومواقع إلخ… فكل هذا يجب إعادة بناءه في رأي بالمواطنة التي تنفي أولا الإثنية وان تكون الجنسية هي المحدد لمواطنتي وليست إثنيتي، فإذا وصلنا للمواطنة الحقيقية فالناس سيضحكون على كل من يقول أنا أمازيغي أو عربي، فكذا أطرح المسألة الأمازيغية. 

والقيم التي تتحدث عنها فهي بدورها تنتمي إلى التركيبة القبلية سواء الجبلية أو الصحراوية أو في الطوارق أو الشلوح… تنتمي إلى تركيبة المجتمع، وإن تطور هذا المجتمع من القبلية إلى الاجتماع لانقرضت. فانا أتصور أن القبلية أقل تطورا من المواطنة التي تجمعنا  بدون أن نسأل بعضنا عن دمنا، خصوصا أنه علميا ودروينيا كذلك، يستحيل أن يكون إنسان له دم غير ممزوج أبدا، سواء بالسبي أو الحروب أو الخيانات التي لا نعرف عنها شيء. لذلك علينا أن تجاوز هذا الأمر بالكل. 

  • وهل في رأيك يمكن للمواطنة أو المبادئ العلمانية أن تخفف من « تطرف » مجتمع غير متسامح مع اختلاف الإثنيات والتوجهات الهوياتية الأخرى؟ 

هذا هو المشكل الذي لا يحل إلا بمراجعة علاقتنا مع النص التي بقيت جامدة، ننظر إليه أنه نص يملى حرفيا، فمثلا العقاب منذ كنت صغير وإلى يومنا هذا يصل إلى حد اللعنة المباشرة « لعنة الله عليك »، فكنت في يوم من الأيام أتحدث مع راشد الغنوشي وقلت له: فلو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، فصرخ في لا: « ولو »، وبالتي كل ما كنا نتكلم فيه سقط في الماء، فلا أفهم ما الفرق وكيف أن يوقفني من أجل «فلو» أو «ولو»، فحرفية إملاء النص يجب أن نتجاوزها. وعندما قلت في أحد القنوات أن المصحف فعل تاريخي قابل للنقاش وقد نوقش، قامت القيامة. فالمصحف والقرآن أصبح الآن نفس الشيء. لا، فالمصحف  عمل بشري بعد أن نسي نظامه، وهذا لا يطرحه الآن المسلمون، فلماذا مسح التتابع الزمني للوحي وعلى أي معايير ؟ نحن لا نعرف أي شيء، بل نعرف المعيار الساذج الذي يقول بأن عثمان جمع الطوال مع الطوال والقصار مع القصار، يعني كيف نقتنع أن هذا المعيار يؤسس معنى موحد لما نزل على محمد. فهذا السؤال يجب أن يطرحه حتى المسلم الملتزم وإن تم طرحه سنحل مشاكل كبيرة. 

فأن يتحجج المؤمن بأن هذا النص موحى رباني قابل أن يُتعبّد به، أعترف بذلك بكل صدق، ولكن اعترف لي أنا بحقي في مراجعة المسألة التاريخية حتى نفتح في القرن 21 آفاقا أخرى للتعامل مع هذا النص وكيف التعامل أيضا مع القوانين الوضعية. 

  • ما هو الحل في رأيك أستاذ يوسف وأي دور للمثقف في نشر والدفاع على قراءة حداثية للقرآن والدين عموما؟ 

شوف، لما تنظر إلى القرن الثامن عشر الذي يسمى في أوروبا بعصر الأنوار، تجد ما سمي بمفكري الأنوار لديهم علاقة سيئة بين بعضهم لكن هناك توجه اجتماعي غير واعي يجعلهم في نفس الطريق والذي أوجد فيما بعد الثورة الفرنسية وتحول كامل للمنظومة الأوروبية الاجتماعية وتجاوز للكنيسة دخلوا بعدها للمجتمع الحديث. أما نحن عندما تتكلم في العالم العربي من وقت عبد الله العروي حتى الشباب الحاليين مرورا بنصر حامد أبو زيد، شحرور الجابري إلخ.. فتجد كل واحد يعيش في جزيرة، وكل واحد يحارب الآخر ويلغي المقابل الآخر، فمثلا من منا عمل ردة فعل علمية تدخل في الأرض وتبقى في التاريخ بخصوص محمد محمود طه السوداني الذي أعدم من أجل أفكاره، والتي يمكن مناقشتها، من حيث الأفكار أو عدم القبول بها. لكن ولا واحد فكر فيه الآن كرافد من روافد هذا الفكر. 

هذا مشكلنا ليس لنا طريق سيارة تجمع كل هؤلاء المثقفين، حتى يتحولوا إلى قوة لا حزبية ولا سياسية، قادرة على أن تُنبث هذا الفكر في الشعب العادي، الطلبة، التلاميذ إلخ.. وأن نخرج من التشتت الذي نعيش في دفاع الشخص عن الجابري والآخر عن الخطيبي، هذا التشتت في رأيي هو الجواب على سؤالك.  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.