[بحث].. يجب استبدال التنافس السياسي بلُغة المصالح الاقتصادية لتحقيق الاندماج المغاربي.

- الإعلانات -

تمثل المنطقة المغاربية أحد المناطق الأقل اندماجا في العالم سياسيا واقتصاديا. إذ تسجل نسبة التبادلات التجارية داخل المنطقة أقل من 5 في المائة من إجمالي التجارة الخارجية للبلدان المغاربية، وهي نسبة أقل بكثير من جميع الكتل التجارية الإقليمية الأخرى في جميع أنحاء العالم.[1] ولذلك تأثيرات سلبية كبيرة، فقد أشار تقرير لصندوق النقد الدولي سنة 2018 أن زيادة التكامل بين البلدان المغاربية يتضمن انعكاسات إيجابية من الناحية الاقتصادية، بحيث سيجعل المنطقة أكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي المباشر ويساعد على خفض تكاليف التجارة داخل المنطقة وحركة رأس المال والحركة العمالية، وزيادة كفاءة تخصيص الموارد. كما أنه سيجعل المنطقة المغاربية أكثر مرونة لمواجهة الصدمات وتقلبات السوق[2].

رغم أن هناك وفرة في الدراسات التي تسلط الضوء على أهمية التكامل الإقليمي، إلا أنها تشترك في كونها تركز على مقاربة فوقية للاندماج، أي التركيز على الجوانب السياسية والاقتصادية للاندماج. وبالرغم من أهمية هذه الدراسات لفهم الكلفة (الاقتصادية والسياسية) لعدم الاندماج المغاربي، إلا أن هناك نقصًا في البحوث التي تدرس تمثلات المواطنين لموضوع التكامل والاندماج المغاربي[3]. ولهذا السبب يسعى المعهد المغربي لتحليل السياسات إلى إصدار “تقرير الاندماج المغاربي” بشكل سنوي بهدف قياس وتحليل آراء وتصورات المواطنات والمواطنين المغاربيين حول موضوع الاندماج بين الدول المغاربية، وقد ركزت النسخة الأولى من التقرير لسنة 2020 على سبر آراء 1200 شخص يمثلوا فئات المجتمع المغربي وموزعون على كافة جهات المملكة، وتم تنفيذ الاستطلاع في الفترة ما بين 15 أكتوبر و30 دجنبر 2019.

يهدف “تقرير الاندماج المغاربي” إلى تجاوز المقاربة الفوقية للاندماج التي تركز على الجوانب السياسية والاقتصادية والمؤسساتية، وتقدم بدلا من ذلك مقاربة من أسفل تعتمد رصد تمثلات المواطنين والباحثين والفاعلين غير الرسميين وفاعلي المجتمع المدني. كما يسعى التقرير إلى توفير أرضية للنقاش العام حول موضوع الاندماج المغاربي، وتقديم توصيات ومقترحات لصناع القرار لدعم تسريع الاندماج من أسفل بين الدول المغاربية، والتفكير في حلول غير تقليدية لمسألة تعثر التكامل المغاربي. ويستهدف التقرير بشكل أساسي توفير قاعدة من المعطيات والبيانات التي تساعد صناع السياسات، ومنظمات المجتمع المدني، والأكاديميين والصحفيين، في بلورة رؤية جديدة لموضوع الاندماج المغاربي.

الروابط الاجتماعية

  • هناك روابط اجتماعية قوية تربط المغاربة مع الدول المغاربية، حيث عبر حوالي نصف المشاركين في هذا الاستطلاع عن أن لديهم علاقة اجتماعية مع أحد المواطنين من المنطقة المغاربية (الجزائر، تونس، ليبيا، موريتانيا)، رغم أن نوعية هذه العلاقة وعمقها يختلف، إلا أنها تظهر وجود روابط اجتماعية عميقة بين مواطني هذه الدول. 
  • حوالي 47 في المائة من المستجوبين بأن لديهم فعلا علاقة قرابة مع مواطنين مغاربيين، و لا تختلف نسبة النساء عن الرجال كثيرا على هذا المستوى، حيث أجاب حوالي 45 في المائة من الذكور وحوالي 47 في المائة من النساء بأن لديهم علاقات مع مواطنين من الدول المغاربية. 
  • حظيت كل من الجزائر وتونس بأكثر الدول التي يقول المستجوبون بأن لديهم علاقات عائلية معهم، بنسبة تساوي 45 و34 في المائة على التوالي، وهذا ما يعكس العلاقات التاريخية بين المغرب والجزائر وتونس، باعتبارها الدول التي ترتبط بعلاقات تاريخية وثقافية قريبة من المغرب.

تجربة السفر إلى الدول المغاربية

  •  16 في المائة فقط من مجموع المستجوبين سبق لهم السفر إلى أحد البلدان المغاربية، وتختلف هذه النسبة بين الجنسين، إذ عبر حوالي 19 في المائة من الذكور بأنه سبق لهم السفر لأحد الدول المغاربية في حين تنخفض النسبة لحوالي 12 في المائة بالنسبة للإناث.

تجربة السفر حسب الجنس

  • تربعت تونس على قائمة البلدان التي تمت زيارتها من طرف المشاركين في الاستطلاع، بما يفوق نصف المستجوبين، ويرجع ذلك أساسا إلى اعتبار تونس وجهة سياحية دولية ومغاربية مقارنة بغيرها من البلدان الأخرى، وكذا بانفتاحها خلال السنوات الأخيرة رغم بعض الصعوبات التي عرفها قطاعها السياحي نتيجة الأحداث الإرهابية التي عانى منها البلد. أما في المرتبة الثانية فتأتي الجزائر بحكم الجوار والعلاقات العائلية التي تربط الأسر المغربية بالأسر الجزائرية.
  • يبدي المستجوبون المغاربة أفضلية واضحة للعيش في تونس بنسبة تصل إلى 53 في المائة من مجموع المستجوبين، وذلك في حالة ما أتيحت لهم فرصة العيش في بلد مغاربي آخر غير المغرب.
  • حوالي 31 في المائة عبروا عن أن سبب السفر يتعلق بلقاء مشاركة في ندوة أكاديمية، في حين عبر 20 في المائة عن السبب الأساسي للرحلة وهو السياحة و18 في المائة لممارسة الأعمال، أما الباقي فقد كانت إما لزيارة الأقارب (12 في المائة) أو الأصدقاء (10 في المائة) أو غيرها من الأسباب الأخرى، ويلاحظ أن الزيارات لأسباب تتعلق بتنفيذ أعمال تجارية تأتي في ذيل القائمة، وهذا يعكس تدني الاندماج الاقتصادي بين البلدان المغاربية.

المواقف من الاندماج المغاربي

  • يصعب التنبؤ بمستقبل المنطقة المغاربية التي تعيش مخاضات داخلية، إلا أن نتائج الدراسة تظهر أن أغلب المواطنين المغاربة متفائلون بمستقبل المنطقة. حيث أبدى 58 في المائة من المستجوبين تفاؤلهم بمستقبل الاتحاد المغاربي، فيما قال 42 في المائة أنهم غير متفائلين.
  • التفاؤل بخصوص الاندماج المغاربي في 5-10 سنوات المقبلة
  • 90 في المائة من المستجوبين استطاعوا تحديد الدول المكونة للاتحاد المغاربي.
  • لقد غلبت الصراعات السياسية بين دول المنطقة المغاربية على حسابات المصالح الاقتصادية. فقد شكل التنافس بين المغرب والجزائر، لا سيما بخصوص نزاع الصحراء، أحد القضايا التي عرقلت تقدم مشروع الاندماج المغاربي. وهذا التصور يعكسه أيضا نتائج هذه الدراسة. فجزء كبير من المواطنين المغاربة يعتقدون أن العوامل السياسية مهمة في حل عقدة الاندماج المغاربي.
  • أبدى 95 في المائة من المشاركين في الاستطلاع موافقتهم على أن التبادل الاقتصادي بين الدول المغاربية سيعززالإندماج المغاربي، وأكد 83 في المائة منهم أن الصراع بين المغرب والجزائر هو العامل الأساسي الذي يعرقل مشروعالإتحاد المغاربي، يتعلق بهذا الصراع بين البلديين المغاربيين.
  •  89 في المائة من المشاركين في الاستطلاع قالوا أن الحدود بين المغرب والجزائر يجب أن يعاد فتحها.
  • وفيما يخص المشترك الثقافي بين البلدان المغاربية فقد أبدى 91 في المائة من المشاركين أن شعوب المنطقة المغاربيةمتقاربون ثقافيا.
  • 95.5 في المائة من الفئة العمرية الأكبر (50 سنة فما فوق) عبروا عن رغبتهم في رؤية الحدود بين المغرب والجزائر مفتوحة، في حين تنخفض هذه النسبة إلى حوالي 85 في المائة من الفئة العمرية 18-24. وقد عبر كل المستجوبين من العمرية بين 36 و49 سنة عن اتفاقهم مع تعزيز التبادل الاقتصادي كأحد المداخل لتعزيز الاندماج المغاربي.

المواقف من مشروع الاندماج المغاربي

  • مقابل ذلك، يرى العديد منهم أن التنافس السياسي ينبغي أن يستبدل بلغة المصالح الاقتصادية. فقد أكد عدد كبير من المستجوبين أن المصالح الاقتصادية يجب أن توضع فوق الاعتبارات السياسية. وفي نفس السياق يعتبر الأغلبية من المستجوبين أن إعطاء دينامية جديدة للاتحاد المغاربي ستتحقق من خلال تغليب لغة المصالح الاقتصادية.

الأولويات لتقوية الاندماج المغاربي

  • وضع المستجوبون على قائمة العوامل ” الخلافات السياسية بين الدول المغاربية” بنسبة تصل إلى 48 في المائة، ويأتي في الرتبة الثانية “رغبة بعض دول المنطقة في الهيمنة” بنسبة تصل إلى 23 في المائة وهو بدوره عامل سياسي قد يكون مفسرا لبعض الخلافات السياسية بين دول الاتحاد، وهذا يؤكد أن المشاركين في الاستطلاع يرجعون فشل الاتحاد للعوامل السياسية بالدرجة الأولى. ثم بعد ذلك يأتي في الدرجة الثالثة “الخوف من الانفتاح الاقتصادي” بنسبة 11.5 في المائة و”الصور النمطية حول شعوب المنطقة المغاربية” بنسبة 6 في المائة و”إقصاء الثقافة الأمازيغية في البلدان المغاربية” بنسبة 5 في المائة.

أسباب فشل مشروع الاتحاد المغاربي

منهجية الدراسة

اعتمدت الدراسة على تقنية البحث الكمي من خلال استعمال تقنية الاستمارة المملوءة بشكل ذاتي[4] عبر الإنترنيت من خلال استعمال برنامج Qualtrics، وهو برنامج مخصص للاستمارات عبر الإنترنيت. 

تم ملئ الاستمارات من طرف المبحوثين خلال الفترة الممتدة ما بين 15 أكتوبر و30 دجنبر 2019، وقد شملت دراسة عينة من 1200 شخص يمثلون السكان المغاربة الذين تبلغ أعمارهم 18 عامًا أو أكثر. تم اعتماد تقنية الحصص (الجنس والعمر والمنطقة الجغرافية) لضمان توازن العينة. وبالرغم من أن الدراسة لا تسعى لأن تكون تمثيلية، إلا أنها أخذت بعين الاعتبار المعطيات الأساسية التي يوفرها الإحصاء العام للسكان المنجز من طرف المندوبية السامية للتخطيط (RGHP 2014)، وقد تم إعادة وزن العينة بالنسبة للجهات لتضمن الطابع التمثيلي للعينة. 

بالنسبة للعينة فقد كان حوالي نصف المشاركين من الإناث. بالنسبة للسن فقد كان متوسط العمر للعينة يساوي 30 سنة. وتشكل الفئة العمرية بين18 -24  حوالي ثلث العينة، في حين تصل النسبة إلى 41 في المائة بالنسبة للفئة بين 25 و35 سنة، و17 في المائة للفئة العمرية 36-49، ثم 8 في المائة بالنسبة للفئة العمرية الأكبر من خمسين سنة.

مبيان: الجنس

مبيان: السن

أما بالنسبة للتوزيع الجغرافي، فقد كان حوالي 18 في المائة من العينة من جهة الرباط-سلا-القنيطرة، و 15 في المائة من جهة الدار البيضاء-سطات، و13 في المائة من العينة من جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، 12 في المائة جهة سوس ماسة، 11جهة فاس-مكناس، و10 جهة مراكش أسفي، و9 في المائة من الجهة الشرقية، فيما توزعت باقي العينة على الجهات الأخرى للمملكة.

المبيان: الجهة

يشكل أصحاب الدخل الأقل من 8000 درهم حوالي 70 في المائة من المستجوبين، 34 في المائة لديهم دخل أقل من 3000 درهم، و36 في المائة دخلهم بين 3000 و8000 درهم شهريا. في حين يتجاوز دخل 30 في المائة من العينة 8000 درهم شهريا. أما بالنسبة للمستوى التعليمي فقد حصل حوالي 44 في المائة من المستجوبين على مستوى جامعي (الإجازة)، و27 في المائة حاصلين على الماستر و14 في المائة حاصلين على الدكتوراه، في حين حصل 8 في المائة من العينة على مستوى تعليم ثانوي.


[1] Alexei Kireyev (and others), Economic Integration in the Maghreb: An Untapped Source of Growth, International Monetary Fund, 2018.

[2] المرجع نفسه.

[3] باستثناء دراسة واحدة حول الموضوع همت تمثلات المواطنين في الجزائر حول الاندماج المغاربي، وشملت عينة من 90 شخصا. للمزيد من المعلومات أنظر:

Luis Martinez, Algeria, the Arab Maghreb Union and Regional Integration, Euromesco, 2006.

[4]  (SAQ) self-administered questionnaire، والذي يعني أن الاستمارة تم تصميمها ليتم الإجابة عنها من قِبل المستجوب مباشرة من دون تدخل الباحثين. 

أنجز هذا البحث من طرف رشيد أوراز ومحمد مصباح وينشر بالاتفاق مع المعهد المغاربي لتحليل السياسات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.