الحاجب، ذاكرة وتاريخ

         هي ذاكرة عنيدة، مقاومة وممانعة. عصية على الطمس والنسيان، وعنيدة مقاومة لكل ٱنواع التحامل والتشويه. ذاكرة ظلت شاهدة على عظمة مدينة وجيل. فلا الحصار “الرسمي”، ولا امتدادات الزمن، ولا تغيرات المجال و تبدلات الديموغرافيا، كانت قادرة على إقبار ما راكمته المدينة وأبناؤها على مستوى بناء ذاكرة جماعية تنتصر لتاريخ محلي ، يرفض التبخيس والمس بفتراته المشرقة. 

         هي كذلك مدينة الحاجب، سماها الإعلام الرسمي بوابة الأطلس، وسميناها القلعة. لأن منطق” الأبواب” يحمل في ثناياه  تقييدا وبهرجة لا تقبلها فضاءات المدينة ولا فعالياتها. ولأن صورة القلعة هي الأقرب. أولا، لمتانة بناءاتها الاجتماعية، وعلاقات رجالاتها الإنسانية، واهتماماتها السياسية والحقوقية والجمعوية التي شرفت المدينة وطنيا.

         ذاكرة مدينة الحاجب تفخر بما جسده  أبناؤها في مواجهة المبتذل والسائد، خاصة على المستوى السياسي، والجمعوي والحقوقي والتطوعي ، مساهمة امتدت إلى سبعينات القرن الماضي وتأسيس أولى خلايا اليسار الماركسي بالمدينة. مرورا بالهزات الاجتماعية التي ميزت المغرب الحديث،حيث الحضور والمشاركة في انتفاضة 84، وإضرابات 14 دجنبر 1990، والتي أعطت معتقلين لازالت ذاكرتي تختزن “صورهم” وهم ” يزحفون” في ساحة ثانوية الفارابي، جراء التعذيب الهمجي الذي تعرضوا له .

          الحاجب طاقات تنظيمية، ومعرفية كان لها حضور وازن، متميز ومشرف في الساحة الجامعية (فاس، مكناس، الرباط) ، وتحمل بعض ابنائها مسؤولية التمثيل والتأطير والقيادة في تجارب”اللجن الانتقالية” وهو ما سبب لهم متابعات واعتقالات، لم تتمكن من تتمكن من هز عزيمته وتغيير قناتهم.

            مدينة الحاجب معقلا ساير كل النقاشات السياسية والحقوقية التي تهم المجتمع المغربي منذ بداية تسعينات القرن الماضي، صيرورة تجميع المناضلين الديموقراطيين، تيار الديمقراطيين المستقلين، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب. وللحقيقة والتاريخ، هي من بين فروع الجمعية التي حققت مكاسب هامة، وإشعاعا وطنيا جعلها نموذجا نضاليا وتنظيميا بامتياز. لقاءات تكوينية، أيام إشعاعية، اعتصامات وإضرابات عن الطعام، تنسيق إقليمي، جهوي ووطني، ملفات مطلبية، حوارات، مكاسب ومناصب شغل بالجملة.

         الحاجب كذلك، جمعية الأوراش الدولية، و جمعية الهدف السينما والثقافة، التي ساهمت في فك الحصار عن الثقافة الجادة، مجالس واجتماعات ولجن فرعية، ثقافة، مسرح، طفولة، مرأة، سينما، معارض الرسامين، ومعارض للمبيعات الفلسطينية والمحلية. ندوات، عروض، موائد مستديرة، انفتاح على المحيط والسياق، جامعة، ثانوية، أندية سينمائية، فرق مسرحية، المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، الجامعة الوطنية للأندية السينمائي، إطارات جمعوية جهوية ووطنية. تربية وتكوين، تثقيف ومثابرة، ميزت كل المهتمين والفاعلين والحركيين، وجعلت الأداء والإنتاج، يتحول إلى نموذج في الفكر والحركة. 

          وتحولت “القلعة” إلى قبلة حج إليها  “الرفاق” ، و ” رفاق الرفاق”، زارها قدماء المعتقلين،  من اليسار السبعيني، حقوقيين، أساتذة جامعيين، ذائعي الصيت في مجال الفكر والمعرفة. وفاعلين جمعويين ساهموا في تنمية الوعي الجمعي لدى أبناء المدينة. نقاشات في المقاهي والأزقة، لقاءات ومداولات في السر والعلن، وثائق، كتب، مجلات ودوريات، ممنوعة، واخرى موزعة، وثالثة مغضوب عليها، ورابعة لم نكن ندرِ من أين نزلت… لن يجد أبناء المدينة عناءا كبيرا من أجل استحضار النجاحات الباهرة، والمحطات الإشعاعية المتميزة، التي حققتها كل الإطارات الهادفة والتقدمية التي أبى أبناء الحاجب إلا أن تكون أهم ما يؤثث فضاءات القلعة، حرصا وتأكيد منهم على ترسيخ هوية نضالية وممانعة، مقاومة لكل ألوان الابتذال والتبخيس. في تكامل وعمل مشترك، مع تمثيليات  لتنظيمات حزبية هامة، كالاتحاد الاشتراكي، ومنظمة العمل، وحزب الاستقلال، وحزب الطليعة. 

         مدينة الحاجب، كفاءات وفعاليات علمية وتربوية ساهمت في تكوين جيل بأكمله: الفقيدتين  بلفقيه خيرة و آيت الزمزمي رقية، العرفي، العقباني، بوحميدي، لخبيزي،أوجيت، ايت الملالي العربي، السايخ، الصمعي، سي علا ،الابراهيمي، خلو، العمارتي ، الوردي، أغبال، أبيغاوي، الضعيف، الخلطي واللويزي .

       لمدينة الحاجب تاريخ رياضي مشرف ضاهى أعرق الفرق الوطنية على مستوى كرة اليد، زكريا ، الاخوين التاج ادريس والمرحوم نورالدين ، الكور ميمون، اكزيو، العنوتي، هدي، معنان ،العاصمي، اخميس، حمو اشيت ، خمداوي،شنينق ، حوستي كريم… والكل يتذكر بطولات الفريق أمام اعتد الفرق، مولودية وجدة النادي المكناسي والمغرب الفاسي، الفتح الرباطي… بل شكل بعض اعضائه( هدي، معنان) أحد أعمدة الفريق الوطني.

       المدينة كذلك عرفت أكثر من 15 فريق للأحياء لكرة القدم،  وشكل عنصرها البشري خزانا وافرا  لفريقي أمل الحاجب واتحاد الحاجب الأعلى، لن أذكر أسماء ، ولكن ابناء المدينة يعرفونها حق المعرفة.

         الحاجب، معقل الوعي الجمعي، والفكر المتنور، العقلاني والحر، إيمان بأحقية  الاختلاف وشرعيته ، إيمان بالتعددية وبالمشاركة، بالتربية المدنية وتربية النشء على قيم الاحترام والفهم والنقد، على قيم التعدد و المواطنة، بالمشاركة في تدبير الشأن العام. فضاء مدينة الحاجب، كان تلك القدرة على تدبير تجليات الاختلاف و بعض التعبيرات الظلامية المحدودة، الحاجب، كانت تلك القدرة “الخلاقة”على ” تأجيج” الثقافي، والحقوقي، والجمعوي، والتطوعي، والسياسي والمدني، في لحظة واحدة، وفي سياقات مختلفة ومتعددة، تميزت بنذرة الموارد والإمكانات، وتضييق “رسمي” ممنهج، ولكن بتواجد رأسمال بشري متحفز وفاعل. 

           تاريخ تميز بعمق الشعور الإنساني، و رجح العلاقات الاجتماعية النبيلة، عائلات وعلاقات وامتداد في العمق الإنساني، وترسيخ لروابط التضامن والإيخاء والدعم والمساندة،رغم إكراهات المجال والظروف، وشحة الإمكانيات، وبعض النفوس المُرتَهِنة والمُهَرطِقَة.

         أكيد أنه تاريخ لا تعرفه  المنابر الحاقدة، ولا الأصوات النشاز. ٱولا، لٱنها لا تفقه العمل الصحفي الشريف.  و لانها تَقْتَاتُ، كَمَنْ جَنَّدَها، من بؤس الناس، فتحولت إلى أصوات عدائية، تنهش وتشوه . ولكن عدائيتها لا تصمد أمام ذاكرة تختزن كل ما هو إنساني واجتماعي نبيل، وتاريخ راوح بين الجمعوي والتطوعي، وزاوج بين الثقافي والسياسي، والحقوقي والمدني، وصار شعلة تنير معقل العقل التنور. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.