حمادي كيروم يكتب: في الحاجة إلى الإستتيقا.

يعود أصل مفهوم الإستتيقا إلى الفيلسوف الألماني بومكارتن، الذي يرى أن المعرفة العقلية وحدها غير كافية للتعبير عن علاقة الإنسان بالعالم الذي يعيش فيه، ومن هنا اقترح معرفة أخرى تهتم بالحواس وعلاقتها بالعالم الخارجي وإذا اعتبرنا أن المعرفة العقلية معرفة موضوعية إستدلالية منطقية يمكن تقويمها فإن المعرفة الحسية معرفة ذاتية لها منطق خاص وتتعلق بالذوق والوجدان والجميل.

إن السؤال الأساس الذي ينبغي أن نطرحه اليوم كنقاد ومثقفين على السينما المغربية وعلى السينمائي المغربي هو ما مدى اهتمام السينما بالإستتيقا وما هي درجة الوعي الجمالي عند المخرج المغربي وهو  يعبر ويبدع من أجل خلق عالمه التخييلي.

إن المتتبع لسيرورة الإنتاج السينمائي المغربي سيلاحظ أن الدولة قد ربحت الرهان في مجال سياسة الدعم التي سلكتها منذ الثمانينيات وبفضل استمرارية هذا الدعم وانتظامه وتطوير قوانينه وصيغه إزدهر إنتاج الأفلام من خلال تنوع الأجناس الفيلمية من درامية وميلو درامية وبوليسية وكوميدية وتاريخية ووثائقية وتجريبية وسير ذاتية… إلخ

واذا كنا في المغرب نعتبر أن تعلم الكتابة السينمائية يبدأ من ومع الفيلم القصير، رغم أنه فن قائم بذاته حسب تاريخ السينما، فإن ما ينتج خلال هذه السنوات الثلاث الأخيرة من أفلام قصيرة لا ينبّئ بمستقبل نير للفيلم المغربي، خصوصا أن الشباب هو ثروة اليوم  ورهان الغد. إن متابعة وقراءة أفلام الشباب مع بعض الاستثناءات القليلة تفضح السطحية والخفة والفراغ الفكري والفقر الجمالي للمخيلة المنتجة لهذه الأعمال وترجع هذه الظاهرة إلى أسباب كثيرة من بينها انعدام التكوين والمعرفة وتمجيد “الهواية “وفراغ الذاكرة  من مرجعيات الثقافة السينمائية التي تؤسس الذاكرة البصرية والمِخيال البصري الذان هما أساس الإبداع والكتابة السينمائية،  كذالك الدمار الذي يمارسه  الذوق التلفزي وإيقاع الكليب والحكي البرّاني للواقع المعيش وظهور علامات مرضية مكونة بشكل سريع وسيء داخل دكاكين “التكوين السمعي البصري” التي نبتت كالفطر في كل مكان وملأت سوق الشغل بشباب يتوهم، أو أوهموه، أنه أصبح  “سينمائيا” في سبعة أيام، وهو لا يفرق بين تملك التقنية وتملك الاستتيقا باعتبارها رؤية فنية وفلسفية للعالم تفصل بين الصانع التقليدي (ارتيزان) الذي تعلم بالتكرار والفنان السينمائي الذي ينتمي إلى ملكة الإبداع.

إن قراء تاريخ السينما المغربية القريب يثبت أن شباب مهرجان طنجة 95 ومن بينهم إسماعيل الفروخي  وفوزي بنسعيدي وحسن الغزولي  ونور الدين لخماري  ومريم بكير ونبيل عيوش وحكيم بلعباس و ياسمين قصاري  ونرجس النجار ورشيد بوتونس وحسن العلوي، هم الذين يرفعون الآن إيقاع الجودة والقوة للسينما المغربية وقد ظهرت بوادر أعمالهم من خلال أفلامهم القصيرة التي طبعت الذاكرة الفرجوية بحسّها الجمالي المبني على ماء المعنى النابع من اجتراح وجدان المشاهد بالموضوع الممثل وبشكل تمثيله، أو بتعبير عالم الاجتماع بورديو ” صورة المرأة الجميلة والصورة الجميلة للمرأة” إن أفلام “الحافة”و “العرض” و”عندما تسقط الشمس العصافير”  و”همسات “و”عندما يبكي الرجال” استطاع أصحابها أن يسكنوا بها العلم كشعراء لأن الشاعر هو من يستطيع أن يجعل الفجر يسكن الكلمات والصور من أجل أن يلج  العالم الداخلي باعتبار أن السينما فن الدواخل، ولكن ليس لها إلا العالم الخارجي للتعبير عن ذالك باعتبارها فن مرئي في تحول بصري، وهذا ما يجعل المتلقي وهو يشاهد هذه الأفلام ويستجيب لها من خلال حكم ذوقي تذوقي ويحكم عليها بأنها جميلة.، معنى هذا أن المتفرج لم يكتف فقط بإصدار حكم قيمة أو حكم أخلاقي ولكنه تجاوز كل هذا إلى حكم مبني على تجربة استتيقية تطورت من الأحساس باللذة والمتعة والراحة إلى حس جمالي يطور هذا الإحساس باللذة إلى انتاج للفكر الجميل الناتج عن التفاعل بين إستتيقا الفيلم بموضوعها وشكلها التكويني وبالثقافة الجمالية الكامنة في التلقي الإستتيقي للمشاهد، ذي الذوق المُنفلت من إديوليجية الحس العام الشعبوي، ومن خلال البناء الجمالي يعطي المخرج للأشياء والأشخاص والأمكنة أرواحا ويعطي لفيلمه عمقا يساوي عمق الحياة. إن الجمال أو بالأحرى الجميل ليس مسألة ذاتية بالمعنى البسيط  للكلمة ولكن الجميل هو ما يوحد الناس ويرفع المحلي الذاتي إلى العالمي والكوني لأنه يمس فينا العمق والوجدان بما فيها من معاناة و نبل وحب وأمل وإيمان. 

إن الفيلم الجميل و الجيد هو الفيلم الذي تبنيه “الميزونسين” وتدعمه السينماتوغرافيا من منظور تقني إستيتيقي وهو الذي يعطي فكرة عالية عن الكتابة بمحوها وإخفائها من أجل تمجيد صمت  وتأمل الإحساس الوجداني قبل الفهم والتفسير العقلاني، وتلعب السينما من هذا المنظور على توارد الخواطر في الديمومة البصرية التي تسمح بالمرور من  الصورة إلى العاطفة ومن العاطفة إلى الفكرة  ومن الفكرة إلى الأطروحة.

إذا كانت الفنون التشكيلية والشعر والموسيقى تبحت من خلال تكوين الألوان والكلمات والنوتات على ترجمة الحقيقة بواسطة الجمال الذي هو مملكتها فإن السينما على العكس من ذالك تمتح من التقنية التي هي أداة إنتاج أو بالأحرى أداة معرفة فإنها تملك الحقيقة مسبقا بشكل من الأشكال وتسعى بالتالي إلى تحقيق الجمال كهدف أعلى يُنقد السينما من الحداثة العابرة  ويدخلها الخلود الفني، وهذه إشكالية السينما المتأرجحة بين قيمة الجمال والوضع الاعتباري للفن ونظريته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.