النقيب عبد الرحيم الجامعي يكتب عن حــيرة كبار القُضاة بمحكمة النقض.

- الإعلانات -

أولا: ملف قضايا النقض معقد و يحتاج لجرأة:

ظلت محكمة النقض الفرنسية تبحث سنوات عن معايير ومنهجية إصلاح مسطرة الطعن بالنقض أمام أعلى محكمة، وأنشأت لذات الغرض لجنة متخصصة من كبار القضاة والقانونيين والمحامين والجامعيين للتفكير الجماعي والتشاور بين ارفع الكفاءات بحثا عن معايير موضوعية وناجعة تستهدف الرفع من النجاعة القانونية والقضائية لمحكمة النقض لتحقيق غايات ثلاثة استراتيجية أولاها احترام الحق الدستوري للمتقاضي في اللجوء للعدالة بالمساواة، وثانيها التغلب على السيل الكبير والتدفق المتواصل للطعون بالنقض المقدمة للمحكمة، وثالثها وضع قواعد جديدة لتعليل قرارات محكمة النقض اكثر وضوحا وفهما لتكون في مستوى تنافسية تفرضها العديد من القواعد ذات الامتدادات الاوروبية المفروضة من قبل قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومحكمة العدل الأوروبية والمحاكم العليا في دول الاتحاد الأوروبي.

كان هم إصلاح محكمة النقض والطعون هَماََ تاريخيا اختار منذ 1991 حذف ما كان يسمى سابقا بغرفة المقالات: la Chambre des requetes التي رأى البعض انها غرفة تأديب وعقاب مسبق لاصحب الطعون، عقبها تواصل العمل من جديد ولمدة طويلة انتهت في مرحلة أولى بمقترحات في اول تقرير لإصلاح الطعن بالنقض لسنة 2017 اختار أن يكون الحل مؤسسا على مسطرة الانتقاء المسبق للطعون المقدمة لمحكمة النقض selection prealable قُدم لوزيرة العدل التي قررت مواصلة دراسة الموضوع فعينت في دجنبر 2018 Henri Nallet وهو وزير سابق للعدل لتقييم الاسس والاجراءات التي يمكن الأخذ بها ليكون الإصلاح طمُوحا ، وهو الأمر الذي تعبات له لجنة موسعة اشتغلت طوال سنة 2019 مسترشدة براي رئيس المحكمة السابق Bertrand Louvel القائم على Filtrages des pourvois اي انتقاء الطعون بواسطة مسطرة خاصة أساسها هو فرض طلب الإذن المسبق لتقديم الطعن Autorisation prealable الذي يسلم تبعا لمعايير محددة.

من مسار تجربة سنوات بكل تعقيداتها قريبة منا ومن نظامنا القضائي، أدركت أهمية الموضوع الذي أثارته السلطة القضائية بالمغرب من خلال كلمة الرئيس المنتدب للسلطة اللقضائية الاستاذ فارس المعزز برأي رئيس النيابة العامة الاستاذ امحمد عبد النبوي يوم الافتتاح الرسمي للسنة القضائية الجارية قبل أسابيع، وهو الموضوع المتعلق بثقل القضايا التي عرضت أمام محكمة النقض السنة الماضية والتي لا زالت اعدادها ترتفع وترتفع معها تخوفات المسؤولين القضائيين من انعكاساتها، ربما يجهل العديدون من القوم معانيها ومخاطرها على مصير العدالة ومصير المتقاضين وعلى جودة الأداء القضائي فضلا عن وقعها على المداولات وتحرير القرارات وتلبية انتظارات المرتفقين.

ومن واجب كل الفاعلين بالطبع، فقها وقضاء ومحامين وغيرهم، التفكير في حلول وليس في حل وحيد واحد، و بالواعي الذي لا يغلق أبواب العدالة أمام المتقاضين ولا يعرقل طريق اللجوء للقضاء أو يخلق في المجتمع عدالة وقضاء بمكيالين: قضاء الأغنياء أو النخب Justice des Vips وقضاء البؤساء والفقراء Justice monsieur tout le monde، قضاء الأبناك والشركات والإدارات والدولة والجماعات وأصحاب المصالح الكبرى المسيطرة على منابع الثروة والمحتكرة لها، وقضاء الأسرة والأطفال والنساء المعنفات المعذبات ومن يتاجرون برأسمال الهشاشة وعذاب أسواق الشغل والصناع التقليديين والفلاحين الذين يشترون مياه السقي والعلف بتجويع الأبقار والابناء والأطفال…. فبقدر تعقيد الملف بقدر صعوبة حلوله.  

إن خطاب السلطة القضائية واضح، وهو يعني إن محكمة النقض عاجزة عن تلبية حاجيات المغرب من العدالة بمعايير رفيعة و بالمستوى المنتظر، وعاجزة عن اداء مهامها الأساسية في توحيد الاجتهاد وخلق الأمن القانوني وتأطير العمل القضائي الوطني امام اكثر من 90 ألف قضية التي انطلقت بها السنة الجارية، 
من هنا فإننا كلنا بحاجة حقيقية للتفكير البعيد عن استعراض الأرقام والأعداد، في معضلات اكبر مرتبطة ومؤثرة في وضعية العدالة و في العملية القضائية وفي انشغالات المتقاضين وفي هموم القضاة والمحامين… وهي معضلات لا يمكن الاستمرار في نسيانها أو تناسيها، وذلك حتى نتمكن من فتح باب إصلاح المساطر أمام محكمة النقض وأمام بقية المحاكم وإصلاح محكمة النقض نفسها كذلك دون خوف وبكل شجاعة ثقافية ومهنية توخيا لاحاطة المنارة القضائية بكل ما يحصن مستواها و عملها .

ثانيا: تحديات ، مُسَلّمات و بدايات:

نحن حقيقة أمام تحديات، والتحدي المقلق الجديد يكمن في تراكم الطعون بالنقض وهي الظاهرة التي لم يعد ينفع معها سكوت، أي نحن أمام جدار الموت المعنوي لسِلاَح الطعن بالنقض الذي يستعمله المتقاضون المتمثل في عشرات الآلاف من الطعون كل سنة، وهو دون شك سلاح فتاك يمكن أن يقتل انتظارات المتقاضين باستعماله بشكل عشوائي غير مدروس، أو من أجل أهداف أو أطماع غير مشروعة، كما يمكن أن يكون سلاحا قاتلا للقضاء وللعدالة نفسها لما تصبح المحاكم وقضاتها يتخبطون في مستنقع التسرع لتحقيق السبق العددي اي في بلوغ أعداد القضايا المحكومة والابتهاج بالفوز بمقدمة قافلة الرقم الأعلى في الإنتاج بين المحاكم كما هو معمول به وممارس اليوم رغم مخاطر هذا الخيار وهزالة نتائجه.

قالها الرئيس المنتدب، نحن أمام ظاهرة الاكتظاظ بمحكمة النقض مع كل السلبيات التي تنتج عنها، وعلينا أن نختار: إِما الحلول القريبة والسهلة والتي يمكن أن تتخذ دون صعوبة بواسطة تغيير مادة مسطرية بمادة اخرى والتي سنسقط بعدها في مَطبَات أخطر وسنندم على التسرع في الحل المتسرع ، وإما أن نُعْمِلَ التفكير العميق والتعقل ونربط الأوضاع بأصولها، والنتائج بمقدماتها، والأمراض بأسبابها، لتفادي الانزلاق ونتجنب المغامرة، وحتى نقدم للمتقاضين وللعدالة بالمغرب ما يزيد من حماية الحقوق ومن ضمان الأمن القانوني ومن الثقة بالقضاء اعتبارا أن هذه التحديات هي التي تبقى في نهاية الأمر الامل والمكسب المنشود .

من هنا اعتقد ان للموضوع عدة بدايات وعدة خواتم يمكن إجمالها لفتح باب النقاش والاجتهاد، وهي تتمحور حول سؤالين جوهريين وهما : لماذا يُــقبِل المتقاضُون على محكمة النقض ؟ ولماذا يتَـوجهون لمحكمة القانون أعلى محكمة ؟؟

فما هي يا ترى البدايات الطبيعية التي لابد من أن ننطلق منها قصد وضع مخطط و نسج منهجية لضبط واقع اكتظاظ الملفات أمام محكمة النقض تُوَصِِلنا لتحقيق غايات نبيلة مرجوة، من دون أن نُـفَجر غضب المتقاضين، ودون أن تُهتز هيبة القضاء، أو يُصاب القضاة في سكينتهم واطمئنانهم، أو أن نشجع دون شعور ولا قصد المتربصين الفاسدين ممن لا قدرة لأحد أن يقطع عنهم طريق الرشوة و بيع وشراء المساطر والحصول على عدالتهم الظالمة وأحكامهم الفاسدة بثمن ابتلاع المظلومين والتمويه على القضاة المتعففين ذوي الايادي البيضاء وهم من يستحق كل التحية والعرفَان.
ومن البدايات والبديهيات التي لابد من أخذها بالحسبان عند التفكير في أي منهجية لإصلاح مسطرة الطعون بالنقض لابد من التأكيد :

أولًا، إن اللجوء للعدالة والوصول للقضاء ولكل مراحله ومستوياته هو حق دستوري لا بد من احترامه ومن ضمانة لكل متقاض، ولابد من منع كل الحواجز للتقليص منه أو لعرقلته، ولابد من تيسير السبيل لبلوغه بالمساواة وبالمجان، وكل إجراء يمس بهذا المبدأ ومهما كانت مبرراته هو إجراء ساقط مرفوض.

ثانيا: ينبغي أن تكون المساطر المنظمة للحق في اللجوء للقضاء ضَابِطة موضوعيا لعملية التقاضي لكي لا يَلــتبسَ الحق بالباطل وكي لا يَطغى القَـوي على الضعيف، وحتى يتـم النظر في الدعاوى على أساس مشروعية الدليل، وعلى أساس حسن النية في التقاضي، وعلى اساسا نزاهة القاضي واستقلاله وحيادية عن الأطراف، وعلى أساس تعدد مراحل التقاضي المعترف بها عالميا بما فيها الطعن بالنقض.

ثالثًا: لابد من الحِرص القوي على النجاعة القضائية في كل مراحل الدعوى، وهو ما يعني أن تؤدى المساطر القضائية أدوارها وتُحقق غاياتها سواء بإرجاع المَـراكز القانونية لاصحابها، أو بوقف الاعتداءات على الحقوق الأساسية وعلى الحريات، أو باسترجاع الأموال المغصوبة الاصحابها، وجميع هذه الأهداف لا تتحقق سوى باحترام هيبـة الأحكام وتنفيذها، وكل إجراء لا يخدم هذه القواعد يعد خطرا على العدالة وعلى دولة الحق والقانون ينبغي رفضه، وهو يسمح بممارسة كل الطعون بما فيها الطعن بالنقض ويفرض على محكمة النقض تحمل مسؤولياتها لضمان عدالة حقيقية للجميع.

هذه منطلقات أساسية ثلاثة تفرض الحرص على عدم المساس بها مهما كانت الأسباب ومهما كانت الظروف ومهما نقصت وتقلصت الوسائل البشرية والمادية التي تشكو منها السلطة القضائية بكل الأسف و تعترض محكمة النقض.

ومن جهة أخرى، ونحن في لحظة التدبر في موضوع الطعن بالنقض وهو من أخطر المواضيع المرتبطة بمصير المتقاضين، و نجاح أو فشل العدالة، وامتحان حقيقي للقضاة في توفير وتوزيع العدل بانصاف بين الناس، لابد لنا من التساؤل لماذا يلتجئ المتقاضون لمحكمة النقض ويتوجهون لأكبر القضاة وأعلى محكمة؟؟

ويمكن تقديم بعض الأجوبة الأولية كالتالي: 

أولًا: يلتجئ الناس للقضاء والقضاء الأعلى مثل محكمة النقض خاصة، ايمانا منهم بأن ذلك حق لهم دون منازع لابد من الحفاظ عليه ولو أدينا الثمن من كثرة الطعون، ويلتجؤون إليه لتحدي الظلم أو فساد القرارات ويطعنون النقض تطبيقا لتعدد درجات التقاضي وهو المبدا المحسوم والذي لايمكن التراجع او الحياد عنه باية لغة حتى ولو كانت لغة الاكتظاظ أو غيرها، وبالتالي فليس من الضروري أن تمر معالجة ارتفاع أعداد الطعون بالضغط على المتقاضين وبالتغلب على حقوقهم في الوصول لكل مراحل التقاضي بما فيها مرحلة الطعن بالنقض.

ثانيا: يستعمل المتقاضون الطعن بالنقض في المادة المدنية والمادة الجنائية لأن محاكم الاستئناف أصبحت غالبا عاجزة عن صناعة قرارات جيدة، واصبح همها بالأساس هو العناية بالكَم من المحكوم عوض العناية بالكَيف لأسباب عدة منها: رغبة المسؤولين القضائيين أنفسهم رفع كمية المنتوج ورفع ارقامها لينجحوا في الإحصائيات، ولتصبح محاكمهم مَصَانع طَحن الملفات والتضْحِية أحيانا بمصالح المتقاضين، فضلا عن قلة عدد القضاة و المستشارين، واستعمال المداولات الميكانيكية التي لا يتوفر القضاة خلالها عن وسائل المداولة الحقيقية ولا يعطون فيها فرصا لدراسة للقضايا بما يكفي من العمق، و صدور قرارات محاكم الجنايات بعد المناقشة مباشرة مما يحتم على الهيئات التداول بسرعة في أعداد كثيرة من الملفات الجاهزة، مع كل مخاطر هاته الممارسات مثل أخطاء في تطبيق المساطر وفي دقة التعليل والسقوط في التحريف أو في الشطط مما يُضَــيِِعُ على المحاكمات مساراتها العادلة والقانونية، دون إغفال التلاعب بحسن النية وبالحق في الدفاع من قبل الخصوم مما يؤدي بالمحاكم إلى إصدار قرارات مثيرة للقلق و للاحتجاج، ولا يجد المتقاضون أمامها سوى الإقبال على مسطرة الطعن بالنقض قصد المثول أمام القضاة الكبار LES SAGES يَحلُمون ببلوغ الحلول التي ينتظرونها.

ثالثا: أسباب التوجه نحو الطعن بالنقض في المادة الجنائية على الخصوص متعددة وعلى راسها شعور المتقاضين بعدم الثقة في السياسة الجنائية القائمة على ضعف المسطرة وعدم ضبط لغته النصوص وعلى خيار السجن والعقاب وعلى عدم مساواة المتقاضين امام القضاء الجنائي ووجود نصوص تقوم على التمييز، وكثرة الطعون العفوية والعامة والجماعية من قبل النيابة العامة في غالبية الأحكام الصادرة سواء الطعن بالاستئناف أو بالنقض و التي تنتهي غالبا بعدم القبول أو بالرفض، والشعور بعدم توفير شروط محاكمتهم المحاكمة العادلة ، وشعورهم بخرق قرينة البراءة واتساع استعمال غير عقلاني او منطقي للاعتقال الاحتياطي، وتوجه الدولة نحو سياسة رفع العقاب وملئ السجون كاختيار أمني وقضائي لمحاربة الجريمة، وعجز قضاء تنفيذ العقوبة عن أداء الأدوار المنتظرة منه…..الخ.

رابعا: عجز البرلمان مسايرة ضرورات الإصلاح لمجال العدالة و معالجة الفراغ التشريعي أو التجاوب مع الاحتياجات في إنتاج التعديلات على النصوص وإتمام الناقص منها ناهيكم عن صراع المصالح الضيقة داخل المؤسسة التشريعية ونتائجها المعاكسة لمصلحة العدالة والعمل القضائي.

خامسا: شعور المتقاضين بضعف إنتاج المحاكم ومحاكم الاستئناف للأمن القضائي بمعاييره الدستورية والدولية، من خلال ضعف مستوى بعض قضاتها وضعف أداء بعض مساعدي القضاء كبعض المحامين وغيرهم بسبب ضعف التكوين، أو بسبب ضعف أدوات العمل بالشكل الحقيقي والناجع، واو بسبب غياب وضعف المعلومة القضائية وعدم نشرها بالشكل المفيد ، او بسبب التردد في الاجتهاد للاسترشاد بقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان بالأولوية على القانون الوطني كما يوصي بذلك الدستور، واخير بسبب ضعف ونجاعة عمل السلطة التنفيذية بما له من أثر على نشاط القضاء وهو ما يتجلى في عدم إنزال مسطرة الدفع بعدم دستورية القوانين أمام المتقاضين منذ إقرار الدستور والتردد في وضع مشاريع قوانين مهيكلة و كاملة أمام البرلمان للبث فيها ومنها المنظومة الجنائية التي لا زالت تتقاذفها الحسابات والمصالح الخاصة والضيقة.

ثالثا: حَيْـرة كبار القضاة بين أزمة الطعُـون وأزمة الحُـلول:

كبار قضاة المملكة في حيرة، وحيرتهم عبروا ولا زالوا يعبرون عنها بالواضح وبالمرموز، بإشارات اللياقة والذكاء وبكلام الحزم والشدة حسب المكان والزمان وفي مناسبات متعددة ومختلفة، ومن يسمعهم و يتأمل في مقارباتهم وفي وصاياهم للقضاة و للمسؤولين يشعر بخوفهم من فقدان زمام قيادة الإصلاح في مجال القضاء والعدالة وبخوفهم من فرق مقاومة الإصلاح، وخوفهم من ازمة الاخلاق وأزمة الفعالية القضائية وازمة هيبة العدالة والثقة فيها، ومن دون شك فإن تخوفهم من ارقام واعداد الملفات المتراكمة بمحكمة النقض وبشكل مروع هو آخر ما وقفوا عنده ليخلصوا الدروس ويبحثوا عن الحلول.

كيف ترى رئاسة النيابة حل أزمة الطعون بالنقض أمام أزمة عدد الملفات؟

أولا: جاء تصور رئيس النيابة العامة كما يتضح من خطابه خلال افتتاح السنة القضائية بعد عرض تقييم عمل المحكمة واستعراض مقارنات مع سنوات سابقات و لحالة الطعون وما بث فيها في الشكل وفي الموضوع، و اقترحَ مِعْيارين مُهمين وخطيرين قانونيين ومَوضوعيين للتغلب على تدفق الطعون وهما رفع الرسوم القضائية، وحصر الطعن بالنقض في القضايا الهامة فقط ، معلنا بذلك عن فتح توجه غير مسبوق يعتبره سلاحا ضد انسياب أعداد الطعون أمام محكمة النقض.

ثانيا: تَصَور مقترح رئيس النيابة العامة يَحتمل عدة قراءات متعددة أهمها يعني أن محكمة النقض ستصبح محكمة طبقة الأغنياء الذين يتوفرون على السيولة الضرورية لأداء الرسم المطلوب، ويعني اننا نرفع من درجة اللامساواة حتى امام أعلى محكمة، أي أننا سنضع أمام المتقاضين شرطا تعجيزيا وتمييزيا يقف دون ولوج المعوزين و الفقراء للنقض، ويعني أن الدولة ستكيل بمكاييل مختلفة وستتعامل مع المتقاضين كل حسب سلطته وقوته وماله وسيبقى الوكيل القضائي والنيابة العامة والدولة وحدهم يمارسون الطعون بالنقض بالمجان. 

ثالثا: تَصوُُرُ رئيس النيابة العامة في كلمته يتجه لحصر الطعون في القضايا المهمة فقط، لكن ما هي القضية المهمة والقضية غير المهمة، ومن يمكنه أن يضع معايير الاهمية ويختارها عوضا عن اصحاب القضايا، وهل الأهمية تكمن في هوية الأطراف ومنهم ومن اين ينحدرون أو في طبيعة النزاع أو في محتوى الوسائل المعروضة بالعريضة…، ومن هنا يفقد هذا المعيار المقترح موضوعيته وسيصبح الزاج سيد الامر وسيضطر المتقاضون لبحث اساليب ملتوية وفاسدة للبحث عن حلول لقضاياهم إن سمحت جهات لنفسها بمراقبتهم المسبقة.

رابعا: لا يختلف اثنان أن اختيار المتقاضين الطعون و المحاكم والقضاء للبحث عن حلول لنزاعاتهم، هو ممارسة لحقوق دستورية وممارسة للمشروعية يتحملون بسببها مصاريف وأعباء مالية مكرهين، فلا يمكن اعتبار كل ذلك من قبيل المغامرة و الفوضى بالقانون و بالمسطرة أو التلاعب وسوء النية أو الاضرار بحقوق المتقاضين، ولا يمكن إن نعيب عليهم التسلح بالقانون وبالمساطر وبالمؤسسات، ولا يمكن أن نعاقبهم بسبب استعمالهم لطرق الطعن المقررة قانونيا، ولا يمكن أن نختزل الحلول في أمور لا يمكنها إن تغير الأوضاع بشكل جدي مثل رفع الرسوم والبث في القضايا الهامة.

ومن هــنا ومن هذه الملاحظات، علينا إن نتعامل مع موضوع شائك ودقيق مثل موضوع الطعون وارتفاع نسبها وما يترتب عن ذلك من تداعيات ربما عرقلة مهام ودور محكمة النقض، تعاملا من مستوى آخر ينطلق من تفكير جماعي و تشاو واسع بين المهنيين قضاة ومحامين وقانويين في موضوع مساطر وطرق طعن كلها بما فيها الطعن بالنقض، والتفكير كيف يمكن ايجاد اجوبة علمية قانونية ومسطرية وقضائية لها ولأعدادها المتزايدة سنة بعد سنة، وعليه يمكن إن تنطلق اختيارات المعالجة بمقاربات اخرى غير مقاربة رفع قيمة الرسوم وعلى أساس:

من جهة أولى، لا يمكن لأية مقاربة أن تمس الحق في الطعن بالنقض في القضايا ذات الطابع الجنائي والجزائي على العموم لاعتبار طبيعة القضايا الجنائية وعلاقتها بحقوق أساسية مثل الحرية والاعتقال والسجن والتي تكون اصلا هي المستهدفة في مثل هذه القضايا، ومن هنا لا بد من أن يظل المتقاضون أحرارا في ممارسة الطعن بالنقض في القضايا الجنائية والجنحية دون قيد حتى ولو تطلب الأمر مراجعة الآجال.

من جهة ثانية: لا يمكن العمل بمقاربة خلق ووضع الحَاجز المالي اي رفع الرسوم أو فرض رسوم جديدة للحد من الطعون بالنقض ولمنع المتقاضي من اللجوء للقضاء، بعلة إن قلة الملفات تسمح بإصدار اجود الأحكام Juger moins pour juger mieux – كما ذهب غلى ذلك رئيس محكمة النقض الفرنسية سنة 1950 Lyon Caen ، بل إن التقاضي لابد من اي يكون مجانيا بصفة عامة دون استثناء ولابد من في المجال الجنائي وضع حد للرسوم المفروضة على المتهم وحتى على الضحية امام مختلف المحاكم، والتعامل بالمساواة في رفع الاعباء المالية على المتقاضين على غرار الامتياز بالمجانية التي تتمتع بها الطعون المقدمة من الدولة والنيابة العامة والعديد من المرافق المعفون من المصاريف والرسوم خلافا لكل المتقاضين الآخرين.

من جهة ثالثة: يمكن العمل بمقاربة أكثر أهمية وهي استثناء البعض من القرارات الاستئنافية من مجال القرارات القابلة للطعن بالنقض، واعتبارها نهائية بصدور قرار محكمة الاستئناف خصوصا تلك الصادرة في المجال بعض الجنح والمخالفات اعتبارا لبساطتها، مثل القرارات الصادرة في مجال حوادث السير، ومجال الاداء والافراغ، ومجال تصفية الغرامة التهديدية لتنفيذ حكم نهائي.

من جهة رابعة: وضع شرط طلب الإذن بالطعن بالنقض Autorisation de pourvoi en cassation من هيئة خاصة من محكمة النقص في حدود الطعون المقدمة من الدولة والوكالة القضائية حتى تتوقف الطعون التعسفية والتي يلجؤون إليها دون مصلحة.

من جهة خامسة، إقرار مبدأ التعويض عن الطعن غير المقبول شكلا أو المحكوم بسقوطه لفائدة الطرف في النقض على غرار ما يقرره القانون الفرنسي بالمادة وليس لفائدة الخزينة.

من جهة سادسة، الإقرار التشريعي باختصاص القضاء الإداري للبث في الأخطاء التي يتسبب فيها المرفق القضائي مع أخطاء مرفق محكمة النقض في حالة حدوثه.

من جهة سابعة: تحديد أجل التصريح بإعادة النظر في القضايا ذات الطابع الجنائي فقط داخل أجل عشرة أيام من تاريخ صدور قرار محكمة النقض، و تحديد تاريخ تقديم المذكرة بأسباب عادة النظر في عشرة أيام من تاريخ تسلمها من كتابة الضبط شرط إيداع مبلغ غرامة محددة تحكم محكمة النقض على خاسر الطلب بتسليمها للطرف الآخر في قضية إعادة النظر.

من جهة ثامنة، إعادة النظر في تحرير قرارات محكمة النقض وصياغتها على ثلاث فقرات الأولى للوقائع والثانية لوسائل النقض والثالثة لأجوبة المحكمة عليها، مع ضرورة جواب محكمة النقض على كل وسائل النقض المعروضة عليها سواء قررت النقض والاحالة أو قررت الرفض، وذلك لتتمكن محاكم الاستئناف من معرفة توجهها في المسائل القانونية موضوع الطعن وحتى يتفادى الاطراف خلق منازعات فيما حسمت فيه محكمة النقض ولكي نبث محكمة الاحالة فيما بقي من من النزاع فقط..

من جهة تاسعة: منع حضور و اشراك النيابة العامة في المداولة مع قضاة غرف محكمة النقض.
من جهة عاشرة: السماح بالطعن بالنقض للمرة الثانية بعد النقض الأول والاحالة وذلك من قبل الأطراف كلهم في القضايا الجنائية، و من قبل الضحايا في قضايا العنف ضد النساء واستغلال الأطفال والقاصرات فقط دون غيرهم.

من جهة أخيرة: عدم السماح للنيابة العامة الطعن بالنقض إلا في القرارات الجنائية وعدم امكانية الطعن في مجال الأحكام الصادرة بقبول تعديلات وتسجيلات في قضايا الحالة المدنية .

والخلاصة، أنه لا يمكن القول بمقترحات رفع الرسوم القضائية والسماح بالنقض في القضائية المهمة فقط هي الحل للقضاء على الاكتظاظ من الطعون، بل لابد من أن يكون النقاش والتفكير في إصلاح منظومة الطعون بالنقض خاصة والطعون في الأحكام عامة، وهي من أهم المساطر في المادتين الجنائية والمدنية، موضوع شراكة واسعة وبمساهمة الجميع لأن الأمر يعني الجميع دون انتقائية ولا يعني القضاة فقط، على غرار ما اتجه اليه العمل المقارن في فرنسا والعديد من الدول والتي انتهت إما لخيار فرض الاذن بالنقض Autorisation أو لخيار حل le filtrage وبعد سنوات من المناقشة ومن اللقاءات، مما يتطلب من المجلس الأعلى للسلطة القضائية الدعوة لحوار مسؤول لبحث كل ما يُمَكِِنُ من تحسين وتجويد قرارات محكمة النقض وضمان الأمن القانوني والقضائي، ويستقيم مع قواعد الدستور وفلسفته المحاكمة العادلة، و ليكون موضوع مراجعة مساطر النقص اليوم وكما آثاره كبار قضاة محكمة النقض، أمر لا يقف فقط لبحث ازمة العدد المرتفع من الطعون وايجاد حل له فحسب، بل مناسبة لتقييم جديد لمخرجات الهيئة العليا لإصلاح العدالة، و مناسبة لطرح موضوع اكبر وهو قيمة الأحكام والقرارات التي يصدرها قضاة المحاكم وجودتها وسلامتها وتنفيذها، ومناسبة كذلك لطرح موضوع استقلال القضاء واستقلال القضاة ودور المهن القانونية المساعدة للقضاء، حتى نجيب على اشكاليات اساسية تحوم حول ملف العدالة ومنها اشكاليات الفساد وتدنى مستوى الثقة في العدالة ورتبها في دراسات مؤشرات دولة مثل ما ورد في تقرير WJP- Wordl Justicr Projet of Law- 2019 والذي يقدم سنويا دراسة حول سيادة القانون في 126 دولة في العالم معتمدا على ثمان معايير منها العدالة الجنائية والمدنية ، والذي رتب المغرب في الصف 74.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.